التخطي إلى شريط الأدوات
الأيام الخواليديوان القادسية

أشخاص تأثرت بهم / الخال .. ملا إبراهيم 3/1

الذكرى الستون ليوم الميلاد

 

في يوم الميلاد أرى من الحق عليّ أن أستذكر أشخاصاً لهم يد في تكويني وتربيتي.

في العام الماضي .. في مثل هذا اليوم، كتبت شيئاً استذكرت به والدتي رحمها الله. واليوم لا أجد أحداً يعيد لروحي عبق (شيلتها) وأمان حضنها سوى خالي (ملا إبراهيم العبيدي) أعني أخاها. فلنعش مع هذا الرجل بعض ذكرياتي معه.

…………………………………..

E:\صور - قديمة، نوري، ابو توفيق\صور 6-2014\ادرجت في التكوين\ابراهيم.bmp وأنا أكتب هذه الكلمات تعود بي الذكرى إلى عهد الصبا، وأيام الصغر..

إلى أكثر من أربعين سنة خلت!

وتمر بذاكرتي الصور الأولى التي انطبعت على صفحاتها من ذلك الزمن البعيد الذي سحب أذياله على تلك البقاع وأنا أدرج وراءه ما بين ريف المحمودية وحاضرتها.

وحين أقلب صفحات ذلك العهد أحاول تبين معالمها الباهتة تلوح لي فيها من بعيد منائر وقباب، كنا نقصدها مع الأهل والأقارب يعظمونها ويطوفون بأضرحتها يقبلونها ويتمسحون بها ويطلبون الحاجات من الراقدين في ترابها. وترن في أذني أسماء عديدة لتلك المعالم والأضرحة: هذا مرقد الإمام السيد عبد الله بن الحسن المثنى على الضفة اليمنى من نهر (شيشبار)([1])، وهذا مقام الخضر في صحراء (الحصوة) بالقرب من الشاطئ الأيسر لنهر الفرات مقابل (جرف الصخر)، وهذا مرقد فرج في (اللطيفية). وهذه سدرة علي بين سهل (البطين) وبداية صحراء (الحصوة). أما بنات الحسن فلها مواقع كثيرة عادة ما تكون عبارة عن مجموعة من شجر العوسج أو الصريم!

وكنت أحياناً أذهب بصحبة والدتي رحمها الله إلى مرقد كبير في بغداد يسمونه الكاظم. ويبتعد بنا الشوط فنشد الرحال يوماً إلى (الحلة) قاصدين مقام النبي أيوب عليه السلام لنشرب من ماء بئره ونغتسل فيه، ونأكل من تمر نخله اللذيذ. ثم ارتقت بي الحال حتى وصلت إلى (كربلاء) حيث مرقد الحسين والعباس رضي الله عنهما، و(النجف) حيث مرقد علي بن أبي طالب رضي الله عنه [كلها مراقد منسوبة دون تحقيق]! و(الكوفة) لأدخل مسجدها الأثري المعطل وأرى الناس يشبكون أسطوانة تنتصب في وسط باحته.

وكما كنت أرى الناس يذهبون إلى هذه المراقد، كنت أسمعهم يقسمون بأصحابها ويدعونهم ويستغيثون بهم وينذرون لهم ويتوسلون بجاههم.

ويوماً بعد يوم وسنة بعد سنة تتوسع الدائرة فتكثر الأسماء وتزدحم القباب فلا نستطيع لها حصراً، ولا لكثرتها عداً!

سمعنا فتى يذكرهم

غير أن رجلاً واحداً، واحداً فقط ! كنت أراه في ذلك المحيط يقف وسط الزحام يعارض التيار يستهزئ بأهله ويسخر من أفعالهم ويقول: هذا شرك لا يجوز؛ الأئمة بشر حالهم كحال بقية البشر لا يملكون لأنفسهم شيئاً. لا يسمعون دعاء من دعاهم ولا يدرون بحاله ولا يغيثون من تعلق بهم ولا ينفعون ولا يضرون. إن النذر لغير الله شرك والقسم به شرك. والطواف بقبره كذلك. توجهوا بذلك كله إلى الله وحده لا شريك له. هو عالم الغيب سميع الدعاء.

هذا الرجل هو خالي.. (ملا إبراهيم)!

وتسمع اسمه فتذكر إبراهيم عليه السلام داعية التوحيد ومحطم الأصنام الذي كان أمة وحده: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل:120).

ولقد كان ملا إبراهيم بحق أمة وحده في بيئتنا قبل خمسين عاماً! لم يكن من أحد معه يدعو بدعوته وينطق بكلمته حتى أئمة المساجد! ولقد ابتدأ طريق توبته أيام الشباب درويشاً يصحب إمام أحد الجوامع. اقتنى يوماً كتاب (رياض الصالحين) فصار يطالع فيه، ومعه القرآن يقرأه آناء الليل وأطراف النهار. يقول رحمه الله : فصرت أجد بعض التناقض بين ما أقرأ في القرآن ورياض الصالحين وبين ما نحن عليه من طقوس وأدعية واستغاثات. وفي يوم من الأيام – وقد اشتد في نفسي الصراع، وأشرفت أفكاري على النضوج – كنا في حلْقة دروشة ننشد مع الدفوف:

ذخرْ واسنادْ للخايفْ علي الهادي أبو قْباب الذهبْ محسوبَكِ يْنادي

ساعتها أدركت بطلان ما نحن فيه. قلت للشيخ: يا شيخ! ماذا يريد (المحسوب) ينادي ميتاً لا يسمع ولا يبصر؟ أليس هذا شركاً؟! فأيدني الشيخ على استحياء. ومن هنا كانت البداية. فتركت الطريقة وسلكت طريق التوحيد.

هذه لقطة سريعة للواقع في مدينة لا تبعد كثيراً عن مركز العاصمة بغداد ولا أظنها تختلف بشيء عن غيرها من المدن الأخرى القريبة والبعيدة. عسى أن أكون قد أفلحت من خلال هذه اللقطة في إعطاء صورة مصغرة عن الحالة الدينية والعقيدية التي كان عليها الناس قبل أربعين عاماً لا أكثر !

الشيوخ في غيبوبة

حتى العلماء أو شيوخ الدين – إلا من رحم – ما كانوا يقومون بواجبهم في توعية الناس بما يخص مسائل العقيدة التي هي عماد الدين. هذا إن لم يكن كثير منهم قد اختلط عليه الأمر، أو كان داعية من دعاة الخرافة والشرك!

أذكر أنني في صيف 1980 ذهبت صحبة أخي الشيخ نوري إلى أحد أقاربنا في ريف شيشبار في اللطيفية لخطبة امرأة لابن خالة لنا، ومن أجل استثمار الجلسة تكلمنا للحاضرين عن معنى الشرك والتوحيد، وكان محور الكلام يدور حول مرقد قريب من المكان منسوب لعبد الله بن الحسن يعرف شعبياً بـ(السيد عبد الله)، وأنه مجرد بشر قد مات لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يعلم ولا يسمع. كان مثل هذا الحديث غريباً تلك الأيام، فما كان من أحد الحاضرين إلا أن قال معبراً عن تلك الغربة: كلامكم هذا سمعناه أيضاً من رجل يقال له: إبراهيم العَوبَر [عوبر هو الجد الثاني للخال]! فابتسمنا – أنا وأخي – ونظر أحدنا في وجه الآخر وسكتنا، وتذكرت قوله تعالى: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) (الأنبياء:60)!

ومن شواهد غربة التوحيد آنذاك أن رجلاً سعودياً اسمه عبد الله، وكنا نسميه “عبد الله السعودي”، هجر بلده بسبب ارتكابه حادثة قتل لأحد أقربائه لا أذكر ملابساتها، فلجأ إلى العراق واستوطن قرية (البطين) في اللطيفية، وذلك منتصف عقد الستينيات. ويوم وجده الناس ينكر عليهم تعلقهم بالقبور قالوا له: هناك واحد في منطقتنا كلامه يشبه كلامك يدعى ملا إبراهيم! قال لي خالي: وزارني ليتعرف على حقيقة ما نمي إليه من خبري، ووجه إلي أسئلة عديدة عن الشرك والتوحيد، فلما أجبته اطمأن إلى صدق ما سمع ومن يومها انعقدت علائق الصداقة والأخوة بيننا.

كان ملا إبراهيم رحمه الله لا يني يبلغ الناس دعوة التوحيد والنهي عن الإشراك بالقبور والأولياء، حتى عاداه كثير من الناس – ومنهم أقارب له – ولقبه البعض بالكافر فكان يجيبهم: نعم أنا كافر بالطاغوت. وكان يتبع لذلك أساليب ومقالب منها السخرية ومفاجأة الخصم بتوريطه في إشكالات فكرية واجتماعية. توقف يوماً عند اللوحة المثبتة عند مدخل مقام الخضر، وما أكثر مقامات هذا الخضر في العراق! وكان مكتوباً فيها “مقام الخضر حي الدارين”، ثم نادى السادن – ويسمى بلهجتنا (الگيِّم أي القيم) – فسأله: الخضر حي أم ميت؟ فقال: بل حي. فأشار إلى القبر المبني داخل الحجرة وقال: إذن هذا المدفون في هذا القبر حمار؟ فصرخ السادن في وجهه: لا تكفر! فأجابه: أيها المجرم، تفترون على الله الأكاذيب ثم تتهمون الآخرين بالكفر، كل هذا من أجل أن تأكلوا السحت الحرام! ثم لم يتركه حتى لقنه درساً في الأدب.

………………………………………………….

الأربعاء

2020/4/22

الذكرى الستون ليوم الميلاد

  1. – رأيت ثلاثة مراقد في العراق تحمل ماركة “عبد الله بن الحسن”: الأول في المدحتية، والثاني في الهاشمية، وهذا المذكور أعلاه.. فقط لا غير!

 

اظهر المزيد

‫11 تعليقات

  1. ((إن إبراهيم كان أمة))
    تعلمت من خالك ملا إبراهيم أن من معاني البطولة أن تتفرد في إيقاعك..وأن تظل تردد كلمات الحق ولو كنت وحدك ..
    وتعلمنا نحن أن الاعمار تفنى.. ولا تفنى أجورها
    رحم الله الملا ابراهيم ووالديك وجعلهم من أهل الفردوس الاعلى.
    وحفظكم الله شيخنا وبارك في عمركم وعملكم🌱

    1. مقال جميل فيه صور جميلة لذكريات الطفولة، بارك الله فيك شيخنا الغالي وحفظك الله من كل مكروه

  2. ذكريات جميلة ولها معاني قيمه في وحدانية الله وعظمته
    مع الخال والمربي ملاإبراهيم كانت لديه صحوة فكرية ربانية
    وسط مجتمع سني يعاني من غيبوبة أمام لوثة شيعيةفارسية
    سبحان الله أنارالله بصيرتك منذ طفولتك على يد الملاإبراهيم
    وكأن الله يريد بك خيرا لهذه الأمة لتجدد مسارها وتصحح مفاهيم طريقها
    وفق مرضات الله..
    رحم الله الملاإبراهيم واسكنه الفردوس الأعلى

  3. كل يوم تبدع اكثر ، كل (عام وانت با الف خير شيخنا المجدد⚘)

    المقاله الرائعه بي معنى الكلمه
    المراقد في العراق كلها كذبه من إيران ولا يوجد دليل على أنها مقدسه يخدعو الناس بها فقد لمصلحتهم الشخصيه ! ، في زمن سيدنا إبراهيم أصنام وفي زمننا مراقد

    1. 🌹🌹ميلاد سعيد شيخنا العزيز كل عام وانت بخير 🌹🌹
      هناك مثل عراقي (ابن الأخت ع الخال) وهكذا يكون يا شيخنا العزيز انتك قد ورثت القول الحق من الخال ملا ابراهيم العبيدي الذي كان يبين الحق ويفضح الباطل والشركيات كما قلت حضرتك في المقال ودائما لله سبحانه وتعالى يسخر لنا اشخاص يكونون مؤثرين في حياتنا واساس وعينا على الواقع الذي نعيش فيه فكم من ابراهيم نرى ويكون مؤثر فينا الى الحد الذي يجعلنا نستيقظ من ماكنا عليه والواقع دائما ما يبين لنا الامور التي يضلل بها اهل الشرك والبدع من الشيعة فكم من مرقد هو كذبه يستغلون جهل الناس ويستغلون ثقافتهم نعم هذا واقعنا
      ونحمد الله اننا في بصيره نرى الحقائق في الواقع الحمد لله رب العالمين .

  4. رحم الله الملا ابراهيم واسكنه فسيح جناته
    من رحمة الله انه لم يشهد ماشهدنا من مظالم ومجازر بحق اهل السنة
    هناك بوارق امل بعد كل ذلك، لعل خطواته كانت بداية الطريق …

  5. كل تاريخ له رجال يعيدون زمن الصالحين والمصلحين يتأثرون بجيل السابقين وجيل التابعين ليجددوا للأمة الإسلامية السنية نهضتها ووعيها في زمن السبات والجهل الذي يخيم عليها من القصص والحكايات و الخزعبلات والخرافات والروايات المكذوبة التي دست من قبل الثقافة الأجتماعية الشيعية الفارسية فكان لها الأثر في داخل المجتمع السني لنشر التشيع الخبيث ولا ننسى كل جيل وله رجال يضيئوا لنا الطريق في وقت الظلمات والضياع والتية فكان الخال ملا إبراهيم له السبق في الجهاد والنضال المتواصل لتبليغ دين الله وهو الحق اليقين والحجة البالغةوهو توحيد الله بين ظلمات الشرك هنيئاً له لقد ورث لنا مولود سعيد بالفكر الجديد صحح لنا أفكار ومفاهيم الجلية الراشدة تضع السُني على المسار الصحيح القرآن والسنة والواقع .بالتوفيق أن شاء الله وكل سنة وأنت بألف خير اشيخنا الفاضل

  6. وسيبقى إبراهيم عليه السلام الذي ورث محمد صلى الله عليه وسلم
    ومن سار على نهجهم
    يُلوحون بفأسه هادم لذات المشركين المشككين بوحدانية رب العالمين ،
    ويوم أتيت بالدلائل الساحقات البينات
    من الكتاب، لإبطال جميع خزعبلات الشيعة المملوئة بالشبهات
    التي تسرح وتمرح في عقول الناس،
    ذالك البحر المضلم إذا أخرجت يدك لم تكد تراها والله يهدي من يشاء إلى سبل السلام
    ورحم الله إبراهيم وأطال الله في عمرك …شيخي الفاضل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: