التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

عبد الرزاق الصنعاني وإساءته إلى الصحابة

د. طه حامد الدليمي

 

أما موقف عبد الرزاق الصنعاني من الصحابة فمما قاله في سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما رواه العقيلي (الضعفاء الكبير، 3/107) عنه فقال: سمعت علي بن عبد الله بن المبارك الصنعاني يقول: كان زيد بن المبارك لزم عبد الرزاق فأكثر عنه ثم خرق كتبه، ولزم محمد بن ثور. فقيل له في ذلك فقال: كنا عند عبد الرزاق فحدثنا بحديث معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان الحديث الطويل، فلما قرأ قول عمر لعلي والعباس: فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجاء هذا يطلب ميراث امرأته من أبيها، قال عبد الرزاق: انظروا إلى الأنوك، يقول: تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، ألا يقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال زيد بن المبارك:فقمت فلم أعد إليه ولا أروي عنه حديثاً أبداً.

وقال العقيلي (الضعفاء الكبير، 3/107): حدثني أحمد بن زكير الحضرمي قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن يزيد البصري قال: سمعت مخلداً الشعيري يقول: كنت عند عبد الرزاق فذكر رجل عنده معاوية فقال: لا تقذّر مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان.

وموقفه من معاوية وأبيه يجعل رواياته التي تتعلق بسيدنا معاوية رضي الله عنه غير موثوق بها. ومنها رواية مقتل عمار في صفين؛ فهي تصب في مجرى موقفه السيئ من معاوية.

إن طعن الصنعاني في سادات الصحابة يفرض علينا – أقل ما يفرض – تحاشي أحاديثه التي تسيء إليهم وكل ما ينحى منحى نصرة التشيع. أما الصواب الذي نعلمه فهو الطعن فيمن يطعن في الصحابة ولا كرامة له مهما بلغ. ولا حاجة لدين الله تعالى فيما يروى عن طريقه. وقد رأيت الكثيرين من علماء الحديث والمشتغلين به لهم ولع غريب بالتأول لصالح هذا وذاك. قال الذهبي (سير أعلام النبلاء:9/572): “هذه عظيمة، وما فهم قول أمير المؤمنين عمر، فإنك يا هذا لو سكتّ لكان أولى بك، فإن عمر إنما كان في مقام تبيين العمومة والبنوة، وإلا فعمر رضي الله عنه أعلم بحق المصطفى، وبتوقيره، وتعظيمه من كل متحذلق متنطع. بل الصواب أن نقول عنك: انظروا إلى هذا الأنوك الفاعل عفا الله عنه كيف يقول عن عمر هذا، ولا يقول: قال أمير المؤمنين الفاروق؟ وبكل حال، فنستغفر الله لنا ولعبد الرزاق، فإنه مأمون على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق”.إ.هـ.

ويقول الذهبي (تاريخ الإسلام، 5/374): “عبد الرزاق راوية الإسلام، وهو صدوق في نفسه. وحديثه محتج به في الصحاح. ولكن ما هو ممن إذا تفرد بشيء عُد صحيحاً غريباً. بل إذا تفرد بشيء عد منكراً”. هذا مع ذكره أقوال العلماء في تشيعه وتجريحه. ومع نقله التجرؤ على الطعن بفاروق الأمة بهذا اللفظ (الأنوك)! نعم معنى الأنوك: الأحمق. لكن أيقال هذا في حق عملاق الإسلام وثاني الصحابة؟ لكنني أستطيع الزعم بأنه عدل من لفظ (الأحمق) إلى (الأنوك) إنما على طريقة الفرس التي تشبه طريقة اليهود في قولهم: (راعنا) بصورة أقرب إلى لفظ (الرعونة)؛ فلفظ (الأنوك) له ظلال من معنى مستوحش يخطر بالبال وهذا يكفي ويشبع خيال من أراد الطعن بأسلوب خفي. فكيف صار مع ذلك (راوية الإسلام)؟ إن هذا الجمع ليس من السهل قبوله!

أما الرواية عنه في (الصحاح) فهو – كما يستفاد من كلام الذهبي نفسه – فيما إذا جاء ما رواه من طريق آخر، أما ما تفرد به من شيء فهو معدود من المنكرات! وعلى هذا الأساس لا يصح أن يفهم من القول بأنه من رواة الصحاح.. أن يفهم على وجه الإطلاق.

أقول: لا يهمنا إن كان عبد الرزاق راوية الإسلام أم راوية الشيعة، ولا إن كان ثقة أم لم يكن. ولا إن كان يمكن تأول ما رواه لصالحه أم لا. إنما يهمنا ما يرويه مما يؤيد التشيع بجميع صنوفه فهذا نرده عليه، كما نرد في وجهه ما تلفظ به من ألفاظ عن الصحابة؛ فهو أولى بها. ونعلم علم اليقين أن الدين محفوظ قبل عبد الرزاق وقبل مصنفه وبعده؛ وما يضير الدين لو لم يخلقه الله تعالى، ولا يضيرنا أننا لم نعرف عنه ولا عما روى من شيء.

 

رواية الصنعاني في مقتل عمار بن ياسر

من روايات الصنعاني التي تؤيد التشيع ما رواه من قصة مكذوبة في مقتل سيدنا عمار.

ففي (مصنف عبد الرزاق:23/464) قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أخبره قال: لما قتل عمار بن ياسر، دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قتل عمار، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تقتله الفئة الباغية)، فقام عمرو يُـرجِّع فزعاً حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ فقال: قتل عمار. فقال له معاوية: قتل عمار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (تقتله الفئة الباغية)، فقال له معاوية: دحضت في قولك [في الحاشية: في الزوائد (في بولك)]، أنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاءوا به حتى ألقوه تحت رماحنا، أو قال: بين سيوفنا.

والقصة لا تصح لأكثر من سبب منها:

– تشيعه وقوله السيئ في بعض الصحابة ومنهم معاوية، والقصة في ذم سيدنا معاوية ومن معه، وذلك في صميم التشيع.

– تصنيفه في الضعفاء من قبل بعض العلماء الأثبات، وقد نقل عن علماء (الجرح والتعديل) من الطعن في صدقه، وأخباره وتكذيبه، كما سبق، ما يكفي لرد رواياته التي تؤيد تشيعه، وتطعن فيمن يكرههم من الصحابة.

لقد وردت هذه الرواية المشتهرة بسندين مضروبين بالتشيع، عدا عللاً أخرى[1]!

رغم ذلك لم يُتوقف عند هذه العلة الخطيرة مع أن علماء الحديث نصصوا على أن المبتدع لا تقبل روايته فيما يؤيد بدعته. لكن الضوء – كما يبدو – سُلط على ما يرويه المبتدع في مجال الفقه وما قاربه، أما ما تعلق من ذلك بالسياسة والمؤامرة على التاريخ والثقافة ولمز بعض الصحابة مثل معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة ،أو من جاء من بعدهم مثل خلفاء الأمويين ورجالهم كالحجاج.. فمثل هذا يمر بسلاسة وإن كان راويه شيعياً.

على أنني أجد تناقضاً بين قبول رواية المبتدع الصادق – كما يصفونه – في غير بدعته، وعدم قبول روايته المؤيدة لبدعته لاحتمال كذبه فيها؛ إذ يصعب أن يكون المرء صادقاً في حال وكاذباً في حال أخرى؛ فالذي يكذب في أمر مرشح لأن يكذب في غيره. هذا وأساليب تأييد البدعة متعددة، ومنها خفية لا يقدرها البعض كالذي ذكرناه سابقاً.

أرأيتم كيف فتحت بعض قواعد الحديث نوافذ التشيع على ثقافتنا، وأبواب تسلل الشيعة إلى مجتمعاتنا! وكيف هو خطير أثر المحدثين المتشيعين، الذين وثقهم البعض والتمسوا لطاماتهم المعاذير، في تقليد تشعر فيه كأن الأشخاص عندهم أهم من الدين، وإن كانوا لا يقصدون. لكن ما جدوى المقاصد إن كان العمل مصحوباً بالمفاسد؟!

 

19/5/2020

 

 

 

[1]– فصلت ذلك في كتاب (معاوية بن أبي سفيان رجل المرحلة والمجدد الأول في تاريخ الإسلام).

اظهر المزيد

‫5 تعليقات

  1. في بداية تاسيس علم الحديث كانت هناك أسف وحزن اعترى مؤسس علم الحديث الامام الزهري العربي فقد روى وروى أبو يعلى في الإرشاد عن الإمام الزهري قال عند بلوغ سنه: إنا لله قد صار العلم إلى الموالي، هو ذا الحسن وابن سيرين يفتيان بالبصرة، وهما موليان؛ يعني يساراً والد الحسن وسيرين والد محمد، وهما من سبي ميسان في زمن عمر حملهما عتبة بن غزوان، وهو ذا سليمان بن يسار يفتي وهو مولى، وهو ذا عطاء بن يسار بمكة، وهو مولى، وهو ذا مكحول بالشام، وهو مولى، ثم قال: إذا تقاعد أبناء المهاجرين والأنصار عن تعليم العلم يغلبهم الموالي، ثم قال: أخذت العلم عن البحار سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وكان بحراً لا تكدره الدلاء وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وكان قد ملئ علماً، حتى عد شيوخه من أبناء المهاجرين، فقيل له: تروي عن الموالي؟ فقال: نعم. عن جماعة وجدت ديانتهم وفهمهم، فأحدث عنهم.
    القارئ لهذا النص يجد ان هذا التخوف من مؤسس لعلم الحديث انه يرى خطرهم وان صلحوا كما صلح الحسن وابن سيرين فانهم سيغالبون العرب وينتقصون ومن الأَبياتِ المشهورةِ الِّتي يُضرَبُ بِها في الوالي و وتنكرهم لإِحسانَ العرب ، ومجازاتهم بِالإحسَانِ إِساءةً، وهي للشاعر المخضرم معن بن زائدة الشيباني وهو شاعر اموي عباسي :

    أُعَلِّـمُهُ الرِّمَـايةَ كُلَّ يَـومٍ
    فَلمَّـا اشْتَدَّ سَاعِدُه رَمانِي
    وَكَمْ عَلَّمْتُـهُ نَظْمَ القَوَافي
    فَلَـمَّـا قَالَ قَافِيةً هَجـانِي

  2. وممَّن قد ذُهلت منه ومن تشيعه، وكدت أرجِّع كلما جاء اسمه أمام عيني، صاحب مسند الديلمي، والذي عُرف فيما بعد ب: مسند الفدوس.
    إنه أبوشجاع شيرويه بن شهردار بن شموعه بن فناخسرفى!
    الديلمي الهمذاني.
    ابوه جمع الأحاديث، لكنه وقع في عادة الشيعة التي هي طبع أصيل فيهم.
    وهو ذكرهم للكلام من غير سند.
    ولقد عيب عليه، فقام ابنه بإسناد الأحاديث وغيّر الاسم فجعله: مسند الفردوس!
    الفردوس تسمية ضخمة!!!
    طبعًا وصفه علماء الرجال على عادتهم بالصدوق!
    ولكنني أقف عند نقاط:
    ١.الطبع يغلب التطبع ووضع الأب أحاديث من غير أسانيد تجعلني وانا أتخصص بالحديث وعلومه ان اضع استفهامات امام العمل الاصلي.
    وهذا اولاً.
    ثانيها ما هذه العقلية الفذة للابن بحيث يضع لكل حديث سند!!
    ولا اشك بأن هذا يدخل في التعبير الاصطلاحي لعلماء المصطلح: يروي الموضوعات عن الثقات أي وبلغة اليوم يفبرك أسانيد.
    وبهذا أخرج احاديث ابيه من دائرة الشك، وأنى له هذا!
    فقد جاء ابن حجر ولخصه ووجد أن المسند مظنة الحديث الموضوع والضعيف.
    وإن كان فيه صحيح وحسن فهو نادر.
    وقد ترجم له اصحاب التراجم فقالوا: متشيع غال!
    فمن أين لهذا يا أيها المتخصصون وصف: صدوق؟!
    ومعلوم ان الشيعة أكذب الناس!
    أعود فأقول: وصف علماء الحديث بأن مسند (الفردوس) مظنة الموضوعات والضعاف.
    وأختم بانني لو استقبلت من امري ومد الله بالعمر لاتبنى مشروع: إعادة النظر في مصطلحات التوثيق والتضعيف وطرق فهي ثنائية الخلل الذي وضعت يدي عليه.

  3. مجرد ثبوت إساءته للصحابة هذا كفيل برد أي رواية عن طريقه فيها أي إشارة إساءة.
    أما أن تمنع بعض قواعد الحديث النظر في ما يروي، أو تبرر له ذلك، فهذا يدعوا للنظر في القواعد نفسها.

  4. مع كل الأسف أصبحت السنة هي الباب الذي يستغله المتشيعين لتمرير أفكارهم وهذا ليس غريبا فهم تلاميذ الفرس في الخداع والكذب والتزوير،
    لكن الغريب هو أن تجد كتب هؤلاء المتشيعين صارت كتبا لأهل السنة!
    وهذا يوجب على كل اهل الاختصاص إعادة النظر في مثل هذه الكتب وأعادة وضع قواعد جديده للاحاديث المعتمدة.

  5. هل عبد الرزاق الصنعاني بعد نيله من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يعتبر ثقة؟
    لا يمكن أن نقبله ولا نقبل من يزكيه ومن يلتمس له العذر، ما صدر منه هذا الكلام إلا عن حقد فارسي شيعي متأصل في نفسه، لمثل أمير المؤمنين عمر يقال مثل هذا الكلام؟
    لا بد من مراجعة كلام وتزكية وتوثيق المحدثين كونهم يوثقون من يريدون توثيقه ويزكون من طابت لهم أنفسهم متغافلين عن دور الشيعة والفرس في هذا المجا، لماذ يزكى الشيعي ويطعن في السني الأصيل مثل الحجاج رحمه الله؟،لماذا الذهبي وغيره من أهل الجرح والتعديل يطعنون في يزيد والحجاج ورجال الأمة العظماء؟ ويوثقون أمثال الصنعاني الشعي،حقا إنها شقوق في جدار السنة…صدق الدكتور طه حفظه الله لما أطلق هذه العبارة آنفة الذكر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: