التخطي إلى شريط الأدوات
الأيام الخواليديوان القادسيةمقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

لمحات من سيرة قضية

د. طه حامد الدليمي

C:\Users\DR\Desktop\لل.bmp  الأخ إياد العزي مهندس يعمل في منشأة التصنيع العسكري ويسكن في شقة بعمارات القادسية التابعة للمنشأة. أصله من بعقوبة. لا أدري على وجه الدقة كيف تعرفت عليه، لكن من المؤكد أن المسجد واللقاءات التي تعقد بيننا نحن الرفقة المتدينة هي التي جمعتنا وعرفت أحدنا على الآخر. لكن ما زالت في ذاكرتي صورته يوم جاءني مع صديقي الحميم الحاج خميس سبع السعيدي يعزيني بوفاة أخي. شاب يصغرني بسنتين، يلبس دشداشة وغترة بلا عقال يرخي طرفيها على صدره ويلفهما عبر متنيه إلى الوراء، وهو هدي يشي بأن صاحبه مهتم بالعلم الشرعي والدعوة. حيي لطيف يدخل القلب فيتمكن منه، قليل الكلام يبتسم بحنو كأنه يعانقك بابتسامته! ومن الملاحظات التي قد تنفع في عالم القيادة أن سمته ذاك – بحيائه الجم وكلامه القليل – لم يكن ينبئ آنذاك بأن هذا الشخص سيكون له شأن كبير في قابل الأيام. لكن هذا ما حدث؛ فقد كان من أبرز الذين أفصحت عنهم المرحلة من قيادات فذة، إن لم يكن أبرزها طراً! وكان (أبو سارة) بها جديراً.

وزارني مرة مع الحاج خميس أيضاً يوم كنت في الحلة وأخبرني أنه استلم رسمياً مسجداً في منطقة (گراغول) الريفية يخطب فيه الجمعة. باركت له عمله وإن أبديت رأيي في تفضيل أن يبقى مثله في الظل يمارس التغيير دون لفت انتباه الوشاة والمسؤولين.C:\Users\DR\Desktop\خميس.jpg

مما أنعم الله به على هذا الرجل أنه شخص ذو عقل منتج للأفكار أولاً، وله قدرة على تلخيص المعنى الكبير في عنوان صغير ثانياً. وهذه من أهم ميزات القائد. ومن كلماته الحكيمة قوله: “السنة عبادة بلا قضية، والشيعة قضية بلا عبادة”!

يا لها من لقطة رائعة للمشهد! جمعت بين الصورة والحقيقة، العرَض والمرض، الشكوى والتشخيص! إنها صورة رباعية الأبعاد.

ومما قاله لي بعد الاحتلال ودخول الإخوان المسلمين في العمل السياسي: “نحن في مرحلة الدولة لا مرحلة الدعوة، لكن الإخوة لا يدركون هذا؛ ما زالوا يواجهون متطلبات الدولة بأدب الدعوة”.

تلقفت الفكرة، والتقطت العنوان (القضية)، وجعلته هِجّيراي في يقظتي ومنامي وخلوتي واجتماعي وذهابي وإيابي. إنها القضية؛ هذا ما ينقصنا، وصرت أرددها وأنظّر لها وأنميها بالبحث والصياغات اللغوية المناسبة، وأثقف عليها من فوق منبر الخطابة وكرسي المحاضرة والمجالس العامة والخاصة.

التأصيل الرباني

وانطلقت من القرآن الكريم فتتبعت السور الأربع الأول نزولاً (العلق والقلم والمزمل والمدثر) لأكتشف من خلال ترتيبها حسب وقت النزول منهجاً عظيماً ودقيقاً؛ فالبداية كانت من العلم المتضمن في قوله تعالى: (اقرأ) في سورة (العلق)، ليتكامل العلم بالخُلُق في سورة (القلم)؛ إذ تناولت السورة – بعد أن أكدت على العلم ممثلاً بالدواة (من معاني النون) والقلم – عظمة خُلق النبي صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)، وما يقابله لدى الكفار من خلق ذميم: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) إلى قوله تعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) (القلم:8-13). ثم العبادة في سورة (المزّمل): (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا) (المزمل:1-4)، لتجيء الآية الخامسة معللة هذا الأمر بالعبادة بأنه مقدمة لأمر ثقيل لم تفصح عنه السورة: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (المزمل:5)!

فما هو هذا الأمر الثقيل؟ تأتي السورة الرابعة في ترتيب النزول(المدثر) لتكمل المشهد بإضافة آخر لمسة عليه: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ) (المدثر:1-2). قم فأنذر وواجه قومك بالحق الذي يخالف أهواءهم، وأنكر الباطل الذي تواطؤوا عليه. ولن يقفوا مكتوفي الأيدي بل سيواجهونك ويحاربونك فعليك بهذا الزاد: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (المدثر:3-7).

إنها (القضية) إذن! فليس الإسلام دين علم وخلق وعبادة، ثم يترك المجتمع بيد العابثين يقودونه ويسيرونه.

كلا ليس هذا دين الله ولا من دين الله في شيء! الدين لا يتم إلا بالجهاد وتبني القضية.

اياد خضع موضوع (القضية) عندي إلى تفكير عميق وبحث مستفيض ونقاشات واستقراء للواقع والتاريخ واستنارة بالكتاب والسنة. وتناولته مطولاً في كتاب (لا بد من لعن الظلام)، فمثلاً كتبت جواباً على سؤال جعلته عنوان أحد الفصول: (ما الذي يحدد القضية؟):

أمران اثنان مقترنان يجب أن يؤخذا بنظر الاعتبار من أجل تحديد القضية هما:

  1. حجم المشكلة في نفسها.
  2. الواقعية: وهي تتعلق بالمكان والإمكان. بمعنى أن تكون المشكلة موجودة في الواقع أو المكان، وعلاجها ممكنا وليس مستحيلاً في الإمكان. وبتعبير آخر أن تكون المشكلة موجودة وجديرة بالاهتمام في المكان المعين وممكنة الحل فيه. وإلا لم تكن هي القضية. بل موضوعاً نظرياً أو فكرياً مجرداً.

إن الموازنة بين حجم المشكلة أو المسألة وواقعيتها في معادلة (القضية) تفرض أن تكون (القضية) هي أكبر مشكلة ممكنة الحل أو مسألة ممكنة التحقيق في الظرف المعين، وليست هي الأكبر من حيث الإطلاق والتجريد (عن المكان والإمكان)…

واستمر الجواب حتى كتبت فصلاً آخر بعنوان (ما هي قضيتنا نحن أهل العراق؟) وكان الجواب هو أن الوقوف بوجه التشيع الفارسي أو الغزو الشرقي هو قضيتنا الأولى. لأقرر في عبارة مشهورة جعلتها كالنشيد أن (قضيتنا شرقية لا غربية).

ومع اكتشاف أسس (التغيير الجمعي)، ومن قبله تم اكتشاف أسس (المنهج القرآني)، تكون (القضية) قد استقرت على قاعدتين ركينتين: المنهج العملي والمنهج النظري لمواجهة التشيع. ليتوالى اكتشاف القوانين المحركة والقواعد الثابتة التي تقوم عليها (القضية).

رمز القضية

لكل قضية هوية، ورمز ترتبط به.

وقد نجح الشيعة في إبراز هويتهم الطائفية مرموزاً إليها بـ(الإمام علي)، وعلي بريء منهم. حتى جعلوا اسمه مقروناً بكلمة (الإمام) على كل لسان. فمعظم السنة إذا ذكروا علياً رضي الله عنه لا يذكرونه إلا بعبارة (الإمام علي)، لكنهم لا يقولون عن أبي بكر: (الإمام أبو بكر) أو (الإمام عمر)! وبينما يعظم السنة أبا بكر وعمر رضي الله عنهما إلا أن الذي يجري على ألسنتهم أكثر هو عمر بن الخطاب حتى بات تقديم أبي بكر على عمر مسألة اعتقاد مبهم قد لا يجد السني في باله عليه دليلاً. ولا يستبعد أن بعضهم يعظم في اللاشعور علياً أكثر، لا سيما الصوفية والعوام، وقد يصرحون بذلك.

المجنون الذي لكم والدي بجمع علي !

من طريف ما يذكر هنا ما سمعته من والدي مباشرة، وهو إنسان عامي بسيط، قضى شطراً من عمره درويشاً على الطريقة الكسنزانية وراثة عن أبيه وعمه. يقول رحمه الله: خرجت من جامع حي الموظفين (في المحمودية) بعد أن أديت الصلاة، فوجدت بجوار الجدار الخارجي رجلاً منطرحاً على الأرض. قلت له: لماذا لم تصل معنا؟ فنهض من مكانه دون أن يرد بكلمة حتى صار قريباً مني وجهاً لوجه، وإذا به يسدد إلى خدي الأيسر لكمة أدارت وجهي وطارت لها عيني شعاعاً! ثم تركني وانصرف. قلت لوالدي: وتركته ينصرف دون رد؟! قلت ذلك لأنني أعرف منه عصبية وشجاعة وتهوراً؛ فكيف يتركه ليذهب بسلام! هل تعلم بم أجابني والدي؟ قال: نعم تركته. قلت: كيف! قال: كيف أضربه ولا أظنه غير الإمام علي عليه السلام. قلت وقد صدمت بما قال: ماذا تقول؟! قال وهو يؤكد قوله بالدليل: وهل تظن أحداً يمكن أن يضرب مثل هذه الضربة القاضية غير الإمام علي؟!

رمز الهوية السنية

C:\Users\DR\Desktop\صد.jpg لا بد من إبراز رمز السنة وهو الصدّيق بصورة جلية لا تترك شكاً ولا غبشاً. وقد نبهني إلى هذه النقطة الأخ حسون قائلاً: الشيعة أبرزوا علياً فعلينا أن نبرز أبا بكر إماماً. فدرست شخصية الصديق من خلال القرآن الكريم، ومن خلال إنجازاته التي لا يختلف في ثبوتها، وألقيتها في جامع التيسير كمحاضرات أسبوعية بلغت (11) محاضرة، وألفت فيها كتاباً متوسط الحجم جاء طريفاً وجديداً في أفكاره ومنهجيته. ومن ذلك أنني عملت مقارنات مفصلية بين الصديق وبين علي أضع من خلالها القارئ أمام حقائق واضحة على الفرق بين الشخصيتين، وأثير تفكيره إلى من منهما الأولى بالإمامة فلا يجد إلا أن يقول: هو الصديق لا نظير له ولا منافس؛ ولذلك أسميته (إمامة الصديق).

 

اظهر المزيد

‫5 تعليقات

  1. من روائع الفكر السني في منهجيته التربوية انه يفرق بين جهود الاشخاص والمنظومة التي يعملون فيها و نسبة الحكمة لقائلها والتقاطها من أي فم خرجت وهذه ومضة تربوية قيادية تخرجك من عقدة التحزب والتعصب البغيض .
    ومن ومضات المقال كيف حول الفكر الخرافي المهاب الشجاع الى رجل يقبل اللطمات من مجنون وهذا سر ضعف العراق مع ان شجاعته تصل للجنون وذكاءه حاد الا انه اذا تمكنت الخرافة جمدت الذكاء واعدمت حاسة الشجاعة بالرهاب للخوارق التي غرزتها الخرافة في عقله وفكره .
    قراءة من له بصمة ولو بلقاء كالحاج خميس او فكرة كالشيخ حسون لتزرع فينا طباعا نحن نشكر على الوجوه التي التقت بنا وعرفتنا على الرائعين ونشكر الافكار التي دعمتنا في مسارنا لان الوفاء اصل مسارنا وأساس الملة الابراهيمة التي نتربى علي اخلاقها .

  2. رحم الله أياد العزي كان رجل سياسي محنك وله الحرية في الفكر وكان له أدوار عدة في حركة عمله بين الخطابة والمحاضرات والندوات ،
    كان استثمار شيخنا الفاضل للفكرة التي طرحها الشيخ أياد العزي في غياب أهل السنة شيء عظيم الإنها مفقودة عند الجمهور السني وهذا ما خلفه العقل الجامد الذي أكدت على العبادة ورفضةالقضية الحقيقية برمتها أمام التشيع الفارسي وهذه المفاهيم التي تطرق إليه الدكتور تضع السني على جادة الصواب والمسار الصحيح في كل مشكلة عقائدية التي يتعرض لها السني فيكون القرآن هو الحل الأساسي لهذه المشكلة العقائدية فقط وهذا ما تطرق له القرآن في مواطن عدة بين سيرة الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم .الحمد لله الذي هدانا إلى القرآن الكريم
    وحررت عقولنا من تقليد العلماء. وجزا الله خير الجزاء شيخنا الفاضل

  3. رحم الله من مات من إخواننا ونسأل الله تعالى أن لا يحرمنا أجرهم ولا ولا يفتننا بعدهم وأن يغفر لنا ولهم.
    يوم ألفت كتاب إمامة الصديق سألت نفسي لماذا أبو بكر دون عمر ثم جاءني الجواب: الصديق لا نظير له ولا منافس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: