التخطي إلى شريط الأدوات
الأيام الخواليديوان القادسية

قصتي مع الكتابة

 

د. طه حامد الدليمي

 

بعنوان (الكتابة وأشياء أُخرى) كتبت في الأشهر الأولى لسكني في الحلة([1]) أقول:

“منذ ما يقارب الشهر وأنا لم أخط في هذا الدفتر شيئاً..

أشياء كثيرة قد تكون جديرة بالتسجيل تركتها! والسبب أني أتثاقل من الكتابة: كسلاً حيناً، وغيره في أحايين. قد يخطر لي خاطر مهم أو أمر بحادثة، أو هي تمر بي، أنوي تقييدها لكنني أعزف عنها خوفاً من أن لا أعطي الصورة الحقيقية لما أشعر به تجاه ما خطر لي أو مررت به أو مرَّ بي؛ اعتقاداً مني أن ما كان أكبر أو أجمل من الكلمات!”.

وأضيف هنا شارحاً ومعلقاً لأقول: إن الكتابة حقل متشابك، صعب، ثقيل؛ فالكلمة مسؤولية.. وحالة.. وذوق.

مسؤولية أمام الله جل في علاه، ثم أمام النفس، وأمام الناس: المجايلين منهم والقادمين من الأجيال. مجمل القول: الكلمة أمانة. وبعض الكلام سر إن تناولتْه عين الرقيب عاد بالأذى على كاتبه، أو يسيء إلى من ينبغي سترهم. وبعضه يحتاج إلى حيثيات مكملة، دونها لا تُعرف الحقيقة على وجهها.

هذه هي مسؤولية الكلمة.

 

الكتابة حالة

أما الحالة فهي استعداد نفسي، وشعور داخلي، ورغبة دافعة، وتملُّك أو تلبُّس أشبه بالوحي أو الهاتف لا يتهيأ للكاتب متى ما أراد. وإذا جاز لي أن أمثل حالة الكتابة: نثراً أو شعراً فهي كـ(الدرويش)([2]) عندنا لا يتمكن من إدخال الحربة في جسده، أو إطلاق الرصاصة على نفسه، أو التقام الزجاجة في فمه على كل حال، ومتى ما أراد؛ لا بد من طبول تقرع، ودوران وارتعاش، واستغاثات تتوالى حتى يتملكه أو يتلبسه شيطانه. وحالة التملك هذه يحس بها الدرويش تمام الإحساس. عندها يفعل ما لا يمكنه فعله في معتاد حالاته وعادي أوقاته؛ ولو فعله قبل ذلك لمات أو أشفى. ولا يبعد أن يكون ما أُثر عن العرب من قولهم بأن لكل شاعر شيطاناً يوحي إليه، من هذا الباب.

والأمر الآخر الذي ربما أختلف به عن الكثيرين هو أنني لا أستطيع الكتابة في أوقات أو أمكنة راتبة أعينها مسبقاً، كالليل أو الفجر، أو في المكتب فحسب، بل أنا أنفر ذلك نفوري من كل قيد. صحيح أنني لا أحب الفوضى، ولكنني أكره التقيد حتى في أوقات الطعام وأماكنها، وأحب التنويع والتغيير، وأضيق ذرعاً بالتقليد والجمود.

وقد تأملت في أسرار الدين فوجدت أن ربي سبحانه قد راعى التجدد والتنويع مراعاة دقيقة حتى في العبادات الراتبة التي هي أدعى للجمود – لو كان – وأقرب للرتابة! انظر إلى الصلاة كيف تتغير أوقاتها صيفاً وشتاء، عدد ركعاتها، قراءتها، أذكارها، هيآتها، نوافلها. فهي في الصبح ركعتان وفي الظهر والعصر أربع ركعات، وفي المغرب ثلاث لتعود في العشاء أربعاً. والسنن تختلف في التوقيت والعدد أيضاً: فهي ركعتان قبل الصبح، وركعتان أو أربع قبل الظهر وبعده، وقبل العصر، واثنتان بعد المغرب وقبله، وهي كذلك بعد العشاء وقبله. وفيها المؤكدة: قبل الصبح، وقبل الظهر وبعده، وبعد المغرب والعشاء. وتوجد نوافل أُخرى مثل الضحى وقيام الليل، والوتر، وهو آخر ما يصليه المسلم من نوافل. وانظر إلى التنوع في قراءة القرآن الكريم في الصلاة بعد الفاتحة: فالقراءة في الركعتان الأُوليان فقط من كل صلاة، أما الركعتان الأُخريان (والثالثة في المغرب) فلا يقرأ فيهما غير الفاتحة عادة. وتتنوع القراءة أيضاً بين جهرية في صلاة الصبح والمغرب والعشاء، وسرية في العصر والظهر. وهكذا الصيام والزكاة. والحج كذلك وقد كتبت فيه مقالاً قبل سنين في إحدى رحلات الحج متأملاً في عظمة هذه الشعيرة من هذه الناحية. وكان بعنوان (التنوع والتجديد في الحج) ([3]).

ولولا أن فطرة الإنسان تنزع إلى التغيير ما كان هذا القصد موضوعاً في أسمى عبادات الإسلام الذي جاء متماشياً مع هذه الفطرة الإنسانية، بل السنة الكونية التي لاحظها قديماً أحد فلاسفة الإغريق (ثيوسيدس، ت 230 ق.م) فعبر عنها بقوله: “المتغير هو العامل الثابت في حياة الإنسان”.

وعند التأمل في هذا القصد الموضوع في الشرع والكون نستشف حكمة سامية، تتلخص في أن العقل يجب أن يظل في حالة توفز مستمر، وشعورَه في حالة تحفز دائم. فإن العبادات لو كانت على وتيرة واحدة: وقتاً وعدداً وفعلاً وقولاً، توقف العقل فيها عن التفكير، والشعور عن الاستجابة للتحفيز؛ فاستحالت حركاتٍ آلية جامدة، وأقوالاً شفوية باردة. وعندما يكون العقل متفكراً والشعور متحفزاً يكون الفكر المتجدد، واللذة التي لا تنقطع، ويكون التجديد والتغيير المواكب للتغير الحاصل في حركة الحياة.

الكتابة عندي إذن حالة متى ما اجتاحتني بنفسها، أو استدعيتها فتلبستني، أو تملقتها فتملكتني شعرت برغبة جامحة في إتيانها. والويل لي إن لم أفعل، أو قطع واردها قاطع أو شغلني عنها شاغل؛ فإنها حينئذ قد تحلق بعيداً وتتأبى فلا تنزل علي بيسر.

والكتابة عندي غير التفكير، الذي هو لدي حالة مستمرة لا تفارقني، وكم أشعر بالضغط الداخلي والقلق النفسي لكثرة الأفكار وقلة فرص التعبير!

 

الكلمة الذائقة

وإذا جئت إلى الذوق.. العنصر الثالث في الكتابة عندي، فهنا العقبة الكأداء، التي تؤرقني دوماً كيفية اقتحامها. الكلمة في ذاتها تكوين رائق، وفي حركتها نبض دافق، وفي أثرها سحر مائج، وخيال يسبح بك في الآفاق تارة ويهوي بك إلى الأعماق تارة. وهي بعد ذلك، وقبله ومعه، مظهر للحسن ومصدر للجمال، وكلاهما كمال لا أحتمل رؤية الفكر متعرياً منه.

كما أن في الكلمة طاقة عجيبة: حروفاً وكلمات وتركيباً وصياغة، تحيلها في نفس القارئ كائناً حياّ متحركاً أنيق الخطو ودود الهمس يشيع الدفء والراحة في الأرواح، أو متمرداً شديد الوقع صاخباً دَوِيّاً يغزو ويجتاح. له، في الحالتين، لمس يجذب ومس يمغنط ويكهرب؛ يمنح صاحبه قمة الروعة وعمق اللذة؛ وكلمة بلا قمة للروعة تميزها ولا عمق للذة يجذرها حِمل ثقيل وحشو مفسد للطباع لا أطيق تعاطيه في الاتجاهين.

هذا هو تفسير الذوق عندي.. وهذه هي الكلمة الذائقة.

وإذا كانت الكلمة الذائقة هي التي أحرص أن تكون وسيلتي إلى التعبير فليست هي بالأمر اليسير أو المتهيئ في كل حين. لذلك قلّت كتابتي – ومنها مذكراتي – نسبة إلى فكرتي. هذا إضافة إلى الشواغل والصوارف، التي تتطفل عليّ بلا حرج ولا تردد، تريد حقها وتطلب مستحقها دون مداراة أو مراعاة. ذات مرة شرعت في كتابة موضوع عن (عالم الرؤيا). لم أتم السطر الثاني حتى نادتني ابنتي عائشة: “بابا، تعال تغدَّ” واقتحمت علي عزلتي في المكتبة، وكان معها عبد الرحمن دخل عليَّ وهو يأكل تمراً ويسأل سؤالاً غير مفهوم ويكرره. فكتبت [إلى اللقاء[ وانصرفت. ولم أتمكن من تحقيق (اللقاء) إلا في اليوم التالي. وكان نص السطرين: “عالم الرؤيا عجيب وجميل. رأيت رؤى أثناء مسيرة حياتي، منها ما تحقق ومنها ما أرجو أن يصدق، ومنها ما فيه عبرة واستشفاف لعالم الغيب، ومنها ما رؤي لي. إحدى تلك الرؤى كانت وعمري سبع سنوات…)! وكتبت في اليوم التالي قبل أن أصل ما انقطع ساخراً: (نرجع إلى سالفة البارحة فقد انشغلت يوماً كاملاً)! ثم مضيت حتى أتممت صفحتين، ثم ألقيت بالقلم قبل أن أنتهي من الكتابة، ووضعت بين قوسين هذه العبارة: [تعبت من الكتابة، وها أنا أترك السطور على أمل اللقاء]. وكان اللقاء المأمول بعد أكثر من شهر([4])!

وبعد.. فشعوري عند ممارسة الكتابة والتهيؤ لها مثل شعوري عند أداء الامتحان والتهيؤ له: مزعجة ممضة، أسوق نفسي– معظم الأحيان – إليها سوقاً. وأسأل نفسي: هل أدمنت على الكتابة إدمان صاحب الخمر خمرته؛ فأنا مدفوع إليها رغم منغصاتها وألمها؟ وإذا استحضرت كيف أن لي نفساً تنفر من أي شيء راتب عليَّ أن أفعله في زمن يتكرر كالبندول، فإن المقال أزعج لي وأثقل نوع عليّ من أنواع الكتابة، وإن تأليف الكتاب إذا نبتت فكرته جيداً وأشرقت ثم توهجت، وقطعت فيها شوطاً استقرت فيه حركة الكتاب أو قربت من الاستقرار، حين تبين ملامحه، وتتوضح لي عناوينه ومنهجه وخطته، يكون أمره عليّ أسهل من المقال، وتزاداد رغبتي فيه. حتى إذا دخلت مرحلة التداعي والانثيال صار لذتي من الدنيا، فأغلقت عليّ الباب، وتمنعت عن الطعام، ويستدعيني الأهل مراراً قبل أن يبرد حاره، ويدفأ بارده. وقلت النوافل، وأجلت ما استطعت تأجيله من الأشغال والمشاغل. وودت لو انقطعت عن كل شيء إليه.

6/5/2014

 

 

 

[1]–  الإثنين 20/3/1995، 19 شوال 1415.

[2]– الدرويش بلغة أهل العراق الصوفي الذي يمارس ضرب الدف والمدائح النبوية، وفعل الخوارق مثل أكل النار وإدخال الحربة في الجسم.

[3]–  الأربعاء 11/ذي الحجة/1431 – 17/11/2010.

[4]– وكان آخر سطر مذيلاً بما يلي:  ليلة الأحد 23/4/1995 – 23/11/1415 الساعة 11.34. في مكتبة الجامع  وصوت بكاء أمامة يتناهى إلى سمعي من داخل الدار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: