التخطي إلى شريط الأدوات
الأيام الخواليديوان القادسية

من أصدقاء الجامعة

 

د. طه حامد الدليمي

 

كنت أجلس في قاعة البكر للمحاضرات التابعة لكلية الطب، وذلك في بداية المرحلة الثانية نهاية عام 1980 فلاحظت إلى يساري طالباً أعجبني سمته، وعلق منظره في خاطري. في المسجد القريب رأيته يصلي. ومن هناك انعقدت علائق الصداقة والأخوة بيني وبينه. لم ألتقه السنة الماضية لأنه كان قد أجّل الدراسة لأسباب صحية. إنه محمد حسين الجبوري.

تعرفت في الكلية على أصدقاء عديدين تأثرت بهم واستفدت منهم، أذكر من أوائلهم عبد الكريم سامي. كان سبب تعرفي عليه طريفاً. في مختبر الفيزياء طلب منا (المعيد) أن نجتمع اثنين اثنين على الأجهزة التي نجري عليها التجارب لأن عدد الأجهزة لا يكفي جميع الطلاب الذين يربو عددهم على (400) طالب وطالبة! من الطبيعي في الأيام الأولى أن يكون عدد الأصدقاء قليلاً، والمعرفة بهم سطحية.

كان في الكلية تقليد سنوي يقوم به طلبة (الاتحاد)، وهو تشكيل (لجنة تعارف) يرأسها أحدهم من المرحلة الثانية، تقسم الطلاب المقبولين حديثاً إلى مجاميع صغيرة، كل مجموعة تضم (6-7) بين طالب وطالبة يعملون لهم حفلاً يشمل المرحلة الأولى جميعاً، ويبقى أعضاء المجموعة فترة يلتقون ويتعاونون فيما بينهم. عرضت على (ظافر) أحد أعضاء مجموعتي أن نكون معاً فرفض قائلاً: دعني أتدبر الأمر فلعلني أفوز بطالبة تكون شريكتي في إجراء التجارب. وفي نهاية المطاف وبعد الانتهاء من تشكيل الثنائيات كلها بقيت وحدي فجلت بناظري فإذا هناك طالب آخر بقي منفرداً مثلي، فكان تشكيلنا معاً تحصيل حاصل، وكأن الله أراد بي لطفاً أن يكون هذا الشاب الرائع صديقاً لي. شدتني أخلاقه، وجذبني بطيب معشره، وزاد تدينه من قربه إلى نفسي.

في بداية تعارفنا ذهبنا إلى ساحة الرياضة الملحقة بالكلية، وكنا بضعة طلاب معنا طالبة اسمها (شغاف) ترتدي – كمعظم الطالبات آنذاك – تنورة رصاصية يرتفع طرفها قليلاً عن منتصف الساق، وقميصاً أبيض([1]) يبين من جيبه ثغرة نحرها وما جاوره من أعلى صدرها، وحاسرة الرأس بطبيعة الحال. وكان عدد المحجبات لا يتجاوز نسبة 5٪ في ذلك العهد. لعبنا جميعاً كرة السلة إلا عبد الكريم سامي بقي ناحية منا مكتفياً بالتفرج علينا! وسألته ونحن نخرج من الساحة متوجهين إلى باحة الكلية:

  • لماذا لم تشاركنا اللعب؟ (فأجاب):
  • ألم تر إلى الشابة التي معكم؟ (فقلت له):
  • بلى، ولكن ما لها؟ (ففاجأني جوابه):
  • هذا لا يجوز شرعاً؛ فمن المؤكد عند اللعب يحصل احتكاك وتلامس.

هزني هذا الموقف من الأعماق، وترك في نفسي أثراً لا ينمحي. ودار بيني وبين نفسي حوار انتفعت به كثيراً. هذا شاب من لُباب الحضر ورحيق المدينة التي نعتبر أهلها خفيفي التدين ضعيفي الالتزام، يتجنب مثل هذا حرصاً على دينه. وأنا ابن الريف والعشيرة، المتدين الملتزم أتساهل فلا أجد حرجاً في اللعب مع شابة!

من يومها لم أحرم على نفسي اللعب مع بنت فحسب، بل اعتزلت مجتمع البنات اعتزالاً كلياً، فلم ألتق طالبة إلا في قاعة المحاضرات أو المختبر أو أسرة المرضى، التي يكون الحضور فيها مشتركاً. وهكذا انقضت سني الكلية وتخرجت دون اختلاط بالطالبات. فكنت أروح وأجيء وأقرأ وأتدارس مع زملائي من الطلاب فقط، وكان معظمهم مثلي ومثل زميلي عبد الكريم، ومنهم زميلي الآخر محمد حسين.

لكن ما ميز صديقي الجديد محمد حرصه على طلب العلم الشرعي، وشجاعته، مع سلفية تراعي الالتزام بالسنة، وتميل إلى الاعتدال، وشدة التزامه بالأوامر، وبُعده عن النواهي فكان يحرص على أداء الصلوات في المسجد، ويصوم بعض الأيام، ويغض بصره عن النظر إلى النساء. أثرت هذه المشاهد في نفسي ودفعتني للاقتداء به في ذلك. كان لا يتردد عن بيان الحق والنهي عما يراه خطأً أو منكراً والتذكير بما يراه صواباً. نعم قد يكون فيما يقوله شيء من الشدة، أو يتبنى رأياً ويصر عليه في مسألة تعددت فيها آراء العلماء؛ فهذا شيء طبيعي لكل امرئ في ذلك العمر، لكن الأمر كما قال ابن عطاء الله السكندري: “من احترقت بدايته أشرقت نهايته”.

خرجنا من القسم الداخلي يوماً، وكان يطل على جسر (الصرافية)، نريد الصلاة في مسجد (عادلة خاتون) القريب. لمحت شابة سوداء ترتدي ملابس ضيقة جداً (بنطالاً وبلوزاً) أظهرت بفظاظة بروزات جسمها، وكانت أقرب إلى البدانة، ولم يكن لبس النساء للبنطال في تلك الفترة شائعاً. كان المنظر غريباً مستهجَناً فقلت له: انظر ماذا فعلت هذه البنت بنفسها! فأجابني دون أن يلتفت إليها: أوليس النظر إلى مثلها حراماً؟ فكان ذلك درساً لي بليغاً. ووجدني أستمع أحياناً إلى الأغاني فوعظني وأتاني بالأدلة على حرمة الاستماع إليها.

في الأيام الأولى لتعارفنا أخبرته أنني أكتب الشعر، وأخذته إلى النادي لأريه قصيدة لي علقت على الجدار سألقيها بعد أيام في (حفلة التعارف) التي ستقام – كالعادة – لطلاب الصف الأول، وكنا آنذاك في الصف الثاني. كانت قصيدة غزلية بعنوان (يا ليتني!) كتبتها قبل سنتين عن فتاة من أقربائي ربطتني بها قصة حب جميل. وجاءت الريح بغير ما أشتهي؛ كنت أستعرض عضلاتي الأدبية أمامه، وأود أن يُسر بما أطلعته عليه، فإذا هو ينكر عليّ قائلاً: كيف تكتب شعراً غزلياً وتلقيه على مسامع هذا الوسط المختلط المشحون بالإثارة بين الجنسين، فتزيدهم إثارة؟! هذا لا يجوز. وما زال بي حتى أقنعني بالإضراب عن حضور الحفل. بيد أني لم أبلغ منظميه بما عزمت عليه فوقعوا في حرج. وما زلت أذكر كيف أن عريف الحفل جاءني مسرعاً لاهثاً إلى مختبر (الأنسجة Histology) يقول لي: أين أنت! الوقت أدركنا.. هيا بنا لتلقي قصيدتك، فاعتذرت، وألح وأنا أعتذر وأتمنع حتى أيس مني، وقد ذهب وعاد مرة أو مرتين. وعلمت أن أحد الطلبة ألقاها بالنيابة عني. كانت القصيدة لا تخلو من طرافة، وفيها كلمات لم يعتادوا سماعها من مثل:

حتى إذا قوْقتْ دجاجةُ بيتِكم
والديكُ غازلَها وحانَ الحينُ

فكان بعض الطلاب إذا رآني ضحك وهو يقول معرّضاً: “إي يابه إيه: حتى إذا قوقت دجاجة بيتكم.. مو؟”. وابتسمت في وجهي ابتسامة نقية، كأنها تقول من خلالها: “سمعت قصيدتك؛ لقد أعجبتني” إحدى الطالبات مسيحية بريئة السمت لطيفة المنظر اسمها (غنوة) فبادلتها ابتسامة بابتسامة وأنا أتجاوزها في لحظة مرور عابر.

يا ليتني عودٌ ترعرعَ بينَ أعْـ
شابِ الحديقةِ عندكمْ وأكونُ !
حتى وإن هطلتْ غزاراً في الشتا
والبردُ والأمراضُ والطاعونُ !وتمرغُ الأطفالِ فوقي والجرا
ءِ القاسياتِ ، فكلُّ ذاكَ يهونُ !
ألقاكِ إن جاء الصباحُ ببسمةٍ
وستخطئ البسماتِ منكِ عيونُ !وإذا تحدَّر في وجومٍ ليلُنا
– وغفوتِ –  أبقى  والحديثُ شجونُ

 

إن كان جسمي ثاوياً بينَ الثرى
فالروحُ سوف تحفُّكِي وتصونُ

يبقى خيالي طائفاً بينَ الدجى
فوقَ الغلالةِ يختفي ويَبينُ

أو ينثني نحوَ العيونِ مداعباً
جَفناً يغازلُهُ وَنىً وسُكونُ
حتى إذا قوْقتْ دجاجةُ بيتِكم
والديكُ غازلَها وحانَ الحينُفارقتُ فردوسي ورحتُ مودعاً
متوجساً إن الظلامَ عيونُ
يكفينِ أن ألقاكِ في رَأَدِ الضحى
والشوقُ يغلبُني وجسمي سجينُيكفينِ أن تُلقِي عليّ وأنتشي
ماءً بهِ اغتسلتْ يَدٌ وصحونُ

وأشم ماءَ الغسلِ : فيهِ بقيةٌ
من ريحِ أيديكِ اللطافِ تكون

أغفو ؟ ..    أهيم ؟! ..  تطوفُ من حولي الرؤى
وتدورُ بِي الأكوانُ والأرَضونُولربما خطرتْ فُوَيقي لحظةً
أذيالُ ثوبِكِ ..! ليتها ستكونُ !

للفظتُ أنفاسي لِتَوِّي بهجةً
من حيثُ ليستْ تحتوينِ غصونُ

هذه بعض أبيات القصيدة. لقد كنت أطمح إلى أن أكون شاعر الكلية، فأفسد عليّ صديقي ما كنت أطمح إليه!

وزاد فعرفني بشاب أنهى قريباً كلية الهندسة اسمه مصعب سعيد السامرائي، سلفي المشرب، مهتم كثيراً بالدعوة، يكتب الشعر لكنه أقلع عنه لاعتقاده بعدم نفعه في دينه ولا دنياه. حتى إنه نظم بيتين من الشعر عبّر بهما عن سبب إعراضه عنه، وختم بهما حياته الشعرية:

تركتُ الشعرَ لا عجزاً ولكن
وليس بمبلغي جناتِ عدنٍ
رأيتُ الشعرَ دربَ العاجزينا
وليس بنافعي دنياً ودينا

فزهدني موقفه وكلامه بالشعر أكثر. ويبدو أنني اقتنعت بما قال واعتنقت مذهبه هذا؛ فقد مرت بي فترة طويلة أعرضت فيها عن الشعر واستصغرت شأنه فهجرته هجراً كاد ينتهي بي وبه إلى القطيعة الكاملة، في فورة من الفورات الإيمانية التي دامت طويلاً، وكنت كلما اقتنعت بشيء طبقته! لولا نوازع الفطرة التي فطرت عليها من حب الشعر، فكانت تعود بي إليه الفينة بعد الفينة. ولم أتخلص من هذا الهاجس إلا بعد ردح من الزمن. ثم وقعت مصيبة الاحتلال فكأنني نشطت إلى الشعر من عقال.

وعن طريق صديقي محمد تعرفت على مؤلفات الشيخ الألباني ودوره في خدمة علم الحديث والدعوة إلى تحقيقه أخذاً بصحيحه ونبذاً لضعيفه، ونشر الالتزام بالسنة وترك البدعة. وكان أول كتاب قرأته له (صفة صلاة النبيe) وقد أثر بي كثيراً. وولجت عالم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. وكان الشيخ سامي الجنابي عالماً متبحراً فيما تركه شيخ الإسلام، وكذلك تلميذه، من مؤلفات، و(مجموع الفتاوى) يتصدر مكتبته، وأظنه قرأه أكثر من مرة، وهو دائم الاستشهاد به في كلامه سواء في الإفتاء أم التفسير أم الإصول أم غيرها. كما كان لي كالسياج الذي يحمي أفكاري من التشدد والشطط. كم انتفعت بملاحظته عن التفريق بين تكفير الفعل وتكفير الفاعل! فلم أسقط في حمأة التكفير للأهل والمسلمين بسبب ما أقرأه من أحكام تصف أفعالاً معينة بالشرك أو الكفر – وهي كذلك – كدعاء غير الله تعالى والنذر له والطواف بغير الكعبة. فمن الوارد جداً أن يعبر الحكم عند المتلقي من الفعل إلى الفاعل. فكان الشيخ سامي يسددني ويسندني، ويؤيد ما يقول بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه من مصادره الأصلية أي المؤلفات التي تركوها.

استفدت كثيراً من علاقتي بزميلي محمد، فقد ألزمنا أنفسنا فترة طويلة بتدارس بعض الكتب المهمة مثل تفسير ابن كثير، وحفظ أحاديث من (رياض الصالحين) لشرف الدين النووي وتسميعها لبعضنا، مع تفهم دلالاتها وإشاراتها. وتدارسنا أيضاً طائفة كبيرة من (شرح العقيدة الطحاوية) لابن أبي العز الحنفي، وغيرها من أمهات الكتب ما عدت أذكرها. وقد رحل إلي في العطلة الصيفية ومكث عندي قرابة ثلاثة أسابيع نتنقل بين بيتنا في ريف (جبلة) الساحر وبين مسجدها الوحيد، الذي كان أخي الشيخ نوري يشغل وظيفة الإمامة والخطابة فيه. قطعنا تلك الأيام الجميلة في مدارسة (شرح العقيدة الطحاوية)، وكانت بتحقيق الشيخ الألباني، وهي من مقتنيات أخي الشيخ جلبها من المملكة السعودية مع مجموعة كتب في إحدى رحلاته إلى الحج. ما زلت أذكر لون جلدها الأبيض الجذاب، وكنت أحافظ عليه من الغبار، وأخطط السطور المهمة بالمسطرة لا بالقلم وحده. وأتينا في تلك الأسابيع على نصفها أو يزيد. مع قراءات أُخرى ونقاشات وسهرات مثلت أياماً من أطيب أيام العمر. نعم راحت مع الزمن، ولكن أرجو أن ألقاها غداً، يوم يعود الزمن أجمل ما كان، وأطول ما يكون!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1]– البنطال الرصاصي والقميص الأبيض أو السترة النيلية هو لون الزي الموحد المفروض على جميع طلاب الجامعات آنذاك.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: