التخطي إلى شريط الأدوات
بحوث ودراسات

علم نفس ( أو سايكولوجيا ) الانحراف السياسي

 

د. طه حامد الدليمي 

 

  1. الازدواجية

أكثر الناس يأبى إلا أن يمر بجسده على مبضع التشريح؛ لذا يعيد التاريخ نفسه عليهم. ومن لا يقرأ التاريخ يتولى التاريخ قراءته. فكيف وبين أيدينا النَّيِّران، بل النوران: الكتاب والسنة!

ضع هذا أمام عينيك ثم تعال معي لنرى أخطر ما في السياسة، ألا وهو (الازدواجية)! عندما يكون السياسي: فردأً أو جماعة في العلن غيره في السر؛ متصوراً أنه قادر على تحقيق التوازن بين ما يؤمن به وما لا يؤمن. محافظاً على الأول، خادعاً خصمه في الثاني. وكانت النتيجة أن صار الخداع للأتباع، والتبعية للخصم!

لاحظ كيف استُدرج (الإخوان المسلمون) – رغم إيمانهم العميق عند التأسيس بمبدأ وعقيدة (الحاكمية) – عندما انغمسوا في العمل السياسي حتى تخلوا عنها مع أنها أهم وأعلى ثوابتهم. تحولت (الحاكمية) لديهم إلى (حكم) مجرد عن مضمونه الرباني. ثم لم يصعب بعد ذلك تبرير هذا التحول الفكري الخطير بأدلة شرعية يتأولونها. هكذا تأولوا لأنفسهم الإعراض عن تطبيق الشريعة عندما وصلوا إلى السلطة في أكثر من قطر بأمور منها تفسير قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة:256) حاملين إياه على الشرائع العملية مع أنه في أصل العقائد الإيمانية. وتجويزهم حكم غير المسلمين للمسلمين، وغيرها. حتى قال قائل منهم([1]): “مشكلة العراق في المشروع الإسلامي؛ لأنه إما شيعي فلا يدخله السنة، وإما سني فلا يدخله الشيعة. والحل في مشروع علماني ليبرالي ديمقراطي. وإلا كانت النتيجة تقسيم العراق”. وهو ما تقوله أدبيات حزب البعث.

تقسيم الشريعة إذن ولا تقسيم العراق! وصدق الله تعالى إذ يقول: (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر90-94).

الازدواجية أدوى أدواء السياسة

سايعندما دخل الحزب الإسلامي العراقي العمل السياسي بعد الاحتلال برر ذلك بأن هذا من باب الاضطرار؛ فهو السبيل الوحيد لحماية السنة، والتعرف على مكائد العدو من داخله لتجنبها أو مواجهتها قبل أو بعد الشروع بتنفيذها. ثم في النهاية وجدناه يذوب في دولة الشيعة ومشروعهم، ويرضى بالوضع دون نية في التغيير لإنقاذ أهل السنة مما هم فيه عن أي طريق سوى ما هم فيه من عمل سياسي بائس رغم ثبوت فشله.

وانظر هل تكاد تجد سياسياً من ذوي الالتزام الديني خلال السنين الماضية ثبت على ما هو عليه من الحق، وكان له موقف ثابت أو وجه واحد وكلام واحد؟ حتى رأينا التلون السياسي ينتقل إلى حياته الخاصة وعلاقاته مع أصدقائه.

فكيف يحصل هذا التغير أو التحول عن المبادئ، بحيث لو قيل للسياسي أول الأمر إنك ستصل إلى هذا المستوى في النهاية لما صدق، ولربما رفض الانغماس في ما هو مقبل عليه من العمل الذي سيؤدي به إلى هذه النهاية!

الأمر لا يعدو سلسلة من التداعيات النفسية المترافقة بتداعيات فكرية، تبدأ من نقطة تنازل أولى، ثم تأخذ حركة التداعيات مسارها حتى النهاية، كمثل راكب فرساً أخذ بها على وادٍ شديد الانحدار فتدهدهت به؛ فما عاد يمكنه الإمساك بها مهما حاول بزمامها حتى تصل به قرارة الوادي! وقد انتبه أسلافنا إلى هذا الملحظ النفسي الخطير فصاغوه على شكل قصة رمزية ترسم صورة واضحة له، هي قصة (الراهب والشيطان).

 

قصة الراهب والشيطان

يروى – في قصة رمزية – أن راهباً عبَدَ الله أربعين سنة خالياً وحيداً في صومعة، بعيداً عن المدينة لا يذهب إليها إلا لضرورة تشتد به. وكان الناس يقدرونه ويجلونه لعبادته وتبتله وانقطاعه عن الدنيا.

وصادف أن كان هناك ثلاثة إخوة يريدون الخروج للجهاد ولهم أخت، فاحتاروا لمن يتركونها؟ ثم وقع اختيارهم على الراهب؛ فمَن غيره يمكن أن يؤتمن عليها، وهو الزاهد الورع؟ في البداية لم يوافق الراهب. ثم بعد إلحاح منهم رضي أن يبنوا لها بيتاً على مقربة من صومعته. فكان له ما أراد، وذهب الإخوه للجهاد وتركوا أختهم مطمئنين في ذلك البيت بجوار العابد. بدأ العابد فكان أول العهد يقدم الطعام لها ويتركه على بابها ثم يغادر المكان. لكن الشيطان وسوس له.. هل ستتركها هكذا؟ ربما كانت مريضة؛ لم لا تذهب وتكلمها؛ ألم يأتمنك إخوتها عليها؟ واقتنع الراهب فجلس معها، وكلمها، ونظر إليها. ومرت الأيام.. والشيطان ما يزال به يستدرجه ويخطو به.. هلا أكلت معها؟ هل ستتركها تأكل وحيدة هكذا إلى الأبد؟ ويأكل الراهب معها. ويوماً بعد يوم يزيد ولعه بها. حتى إذا ما اختلى بها ذات مرة وفي لحظة ضعف وقع بها!

وحملت الفتاة. وهنا صار يفكر.. ماذا سيقال عني؟ وكيف ستكون سمعتي بين الناس إن هم علموا بفعلتي؟! فما كان منه إلا أن قتلها والجنين في بطنها ووارى جثتها التراب! ورجع يحاول إقناع نفسه أن شيئاً لم يكن. وقام يتعبد، لكنه لم يجد لذة الطاعة كما كان من قبل.. لقد تغير كل شيء!

وعاد الإخوة من الغزو.. أين أختنا أيها الراهب الجليل؟

  • أختكم مرضت وماتت، ودفنتها. وذاك قبرها.

وصدقوه؛ فهو الراهب العابد المتبتل.

عادوا إلى المدينة. فإذا الشيطان يأتيهم في المنام واحداً واحداً. لقد فعل الراهب بأختكم.. ثم لما حملت قتلها.. ودفنها بجوار صومعته. واذهبوا لتتأكدوا بأنفسكم! واستيقظوا فقص أحدهم على أخويه ما رأى، فإذا كلهم رأى الرؤيا نفسها!

وذهب الإخوة، ونبشوا القبر، فوجدوا الأمر كما رأوا في المنام! وافتضح أمر الراهب ورفع أمره إلى الحاكم، فحُكم عليه بالموت. وهنا يتمثل له الشيطان عياناً ليقول له: أتريد ان تنجو بحياتك؟ أنا الذي أوصلتك إلى هذه الحال، وأن قادر على خلاصك.

الراهب: بلى أريد! ولكن كيف؟

الشيطان: تسجد لي سجدة واحدة.. واحدة فقط يكون فيها خلاصك.

وسجد الراهب. لكن الشيطان عند هذا الحد قال له: أنا بريء منك!

وينفذ حكم الموت بالراهب ويموت، لكن عاصياً.. بل كافراً مرتداً. وصدق فيه وفي أمثاله قول الله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (الحشر:16،17).

 

تداعيات الانحراف

القرآن الكريم يصف لك العلاج الناجع من أول نقطة.

ويبين أن الانحراف القليل سيأخذ مساره فيؤدي آخر الأمر إلى الخروج عن السكة. اقرأ قوله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (المائدة:49). وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) (محمد:25،26).

انظر إلى كلمة (بعض) في الآيتين: فالانحراف (عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) لا كله، والطاعة للكفار (فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) لا جميعه! تؤدي – في النهاية – إلى الارتداد التام عن الإسلام (ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ)! وهو من معنى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) (آل عمران:100). وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (آل عمران:149).

ويأتي التعبير عن هذا (البعض) في سورة (الإسراء) بكلمة (شيء قليل)، لكن بصورة يهتز لها كيان المسلم وتملأ قلبه رعباً؛ فالخطاب موجه لأحب الخلق إلى الله جل وعلا النبي محمد e ومع ذلك فيها من الوعيد بالعذاب المضاعف إن هو – حاشاه – ركن شيئاً قليلاً لمطالب الكفار؛ فكيف بسواه! حقاً إن الأمر جد خطير! فعلى السياسي قبل أن يقدم فيخوض غمار السياسة أن يكون نصب عينيه قوله جل جلاله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (الإسراء:73-75)([2]).

والمتأمل في النهي عن الانحراف القليل يجد سره في مؤداه إلى الانحراف الكثير في نهاية الأمر أو أثناءه. مثل ضلعي الزاوية يكونان قريبين من بعضهما عند نقطة الافتراق، ثم يبتعدان عن بعضهما كلما امتدا إلى الأمام. هكذا يؤدي القبول بالانحراف اليسير إلى الوصول إلى الانحراف الخطير، وقد يصل إلى الكفر والعياذ بالله. لهذا يقول سبحانه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) (هود:112،113). ويقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (الأحزاب:36).

 

  1. قانون ( البعض يساوي الكل ) .. وصعوبة الاستمرار على حالة الانشطار الذاتي

فكرت عميقاً وطويلاً في ظاهرة الانحراف السياسي عند الإسلاميين فوجدت أن الانحراف ينتج عبر سلسلة من التفاعلات والتحولات النفسية: الفردية منها والجمعية، وأساسه أن الله تعالى فطر الإنسان على أمرين:

– الأول: عدم تحمل الإنسان الاستمرار على حالة الانشطار الذاتي بين ظاهره وباطنه.

– والثاني: كرهه الفطري لأن يبدو أمام الآخرين متلوناً أو ذا وجوه متناقضة.

عمليات التحول الداخلي

أبدأ الحديث عن عمليات التحول الذاتي، أي التفاعلات النفسية الداخلية التي يمر بها السياسي فيتحول من إنسان مبدإي إلى آخر نفعي أو مصلحي، بسؤال: لماذا يتخذ السياسي موقفاً معلناً لا يؤمن به في دخيلة نفسه، فيصرح للجمهور بنقيض ما يتم تداوله بين خاصته من صحبه أو حزبه؟

واقعاً وجهت هذا السؤال لأصدقائي الإسلاميين خصوصاً بعد احتلال العراق سنة 2003 فكان الجواب يدور حول تحصيل منفعة أو دفع مفسدة. هذا هو الأصل الذي يستند إليه الإسلامي في موقفه المناقض لمبادئه. ثم لا تمر فترة – تطول أو تقصر – حتى يجد نفسه غير قادر على التنصل مما بدر منه في العلن، لاسيما إذا كان ثابتاً عنه وموثقاً بخط يد أو تسجيل صوت أو صورة: متحركة أو جامدة. وهذه هي الخطوة الثانية في رحلة التحول التي تنتهي بالانحراف.

وتستمر الحالة فيكون السياسي أمام أحد طريقين ليس له إلا أن يسلك أحدهما: فإما أن ينزع إلى مبدإه وينتهي عما أعلن عنه من قبل. وإما – وهو الغالب – أن يستمرئ ما هو عليه، فتأخذه سلسلة متتابعة من حلقات (التحول الذاتي) بما فيها من تبعات لا تنفك عنه حتى تصل عملية التحول إلى نهايتها.

 

أول العلامات الظاهرة للتحول الداخلي

أول علامات التحول التي تظهر على السياسي، ومن خلالها يمكنك التنبؤ بأن عناصر الانحراف أخذت تتفاعل في داخله، هي البحث عن مبررات تسوغ له أمام الجمهور موقفه المعلن الذي بدا لهم مناقضاً لمبادئه ومنهجه. وشيئاً فشيئاً، وخطوة فخطوة تتم عملية (التحول) العكسي؛ فبدلاً من أن يخضع الظاهر لحركة الباطن يكون التغيير منصباً على تغيير الباطن ليتوافق مع حركة الظاهر. وهكذا حتى يصل إلى مرحلة القناعة الذاتية. ويكون الانحراف والموقف الجديد هو المبدأ. وعادة ما يتم هذا التحول بطريقة جمعية، تجعله يسري بين معظم الفريق أو الحزب الذي ينتمي إليه.

إن ما أتكلم عنه ليس ظاهرة سياسية فقط، بل هو ظاهرة اجتماعية خطيرة أيضاً؛ فالسني الذي يعيش في بيئة شيعية فيزور المراقد مع جيرانه الشيعة في موسم الزيارات؛ بقصد الحفاظ على نفسه في البداية، سينتهي – إن لم يكن هو فولده وذريته من بعده – بـ(التحول) التدريجي إلى شيعي ينافح عن الشيعة، ويعادي السنة ربما أكثر من الشيعي الأصلي! لهذا أمر الله تعالى عباده بالهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان فقال: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء:97). ولنا فيما حصل لأهل الأندلس – من تحول انتهى بخسارة الدين بعد زوال حكم العرب المسلمين – عبرة.

 

قانون الالتزام والانسجام([3]) .. وخطوات التحول إلى عميل

يسمى القانون أو الأسلوب الذي تتم به ظاهرة (التحول) هذه في الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة بـ(أسلوب الالتزام والتوافق) أو (الالتزام والانسجام).

أول من التفت إلى هذه الظاهرة وقام بدراستها طبقاً للمنهج العلمي هم الصينيون، وقد طبقوا نتائج دراستهم على الأسرى الأمريكان في الحرب الكورية في خمسينيات القرن العشرين. وفيما كتبه البروفيسور الأمريكي روبرت جالديني في كتابه (التأثير وسيكولوجيا الإقناع) شيء يدعو للتوقف تجاهه كمَعْلَم من معالم سر الانحراف عن المبادئ الأولى الذي يصيب السياسيين، والسياسيين الإسلاميين على وجه الخصوص، عندما يدخلون عالم السياسة مجردين من القوة التي تصون لهم مبادئهم. يتناول الكتاب أسلوب (الالتزام والانسجام commitment & consistency)، الذي اتبعه الصينيون مع الأسرى المذكورين.

يبدأ الأمر بقاعدة تبدو يسيرة لكنها خطيرة: (انتزع من الخصم تنازلاً صغيراً مهما كان ثم ابن عليه). من هنا يبدأ الانحراف.. (تنازل صغير)، وهو يساوي في لغة القرآن العظيم: (“بعض”.. “في بعض”.. “شيئاً قليلاً”) الذين وردا في قوله تعالى: (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (المائدة:49). وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) (محمد:26). وقوله: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) (الإسراء:74).

أما الالتزام فيعني: مجيء خطوتين بعد الخطوة الأولى، خطوة التنازل القليل:

  1. الأولى: توثيق التنازل.
  2. والثانية: استدراج الأسير للاعتراف بتبعات ولوازم هذا التنازل.

ويستمر الأسير على هذا… إلى أن يجد نفسه قد تغيرت نفسيته ليصبح منسجماً مع موقفه الجديد. وهذا هو المقصود بالانسجام. وتتفاقم هذه التنازلات حتى يصبح في النهاية عميلاً من حيث لا يشعر.

يبدأ التوثيق من طلب إلى الأسير ليدلي بتصريحات تبدو في غاية البساطة وبدون أي تبعات تذكر مثل “أمريكا ليست كاملة”، أو “لا توجد مشكلة بطالة في الدولة الشيوعية”. تأمل كم هو يسير هذا الطلب (لاحظ: بعض، شيئاً قليلاً)!

ثم يطالبونه باتخاذ موقف آخر يبدو تلقائياً نتيجة للتصريح الأول، لكنه يمثل تنازلاً أكثر وتلبية أقرب لمطالب العدو. فمثلاً يطلب من الأسير كتابة قائمة بالمشاكل التي تعني أن أمريكا ليست كاملة، ثم يوقع باسمه على القائمة.

ثم يخطون بالأسير الخطوة التالية: يطلب منه بعد فترة قراءة هذه القائمة في جِلسة نقاش مع الأسرى الآخرين. ثم يطلب منه بعد فترة كتابة مقال يتوسع فيه بشرح تفصيلي عن تلك النِّقاط التي كتبها في قائمته وجوانب تلك المشاكل. ثم يقال له: أليس هذا ما تعتقده أنت بنفسك دون إجبار أحد؟ والآن لا نطالبك بأكثر من التصريح بمعتقدك؛ فإن كنت واثقاً من معتقدك فأنت على استعداد أن تلتزم به، ألست كذلك؟ وهذا معنى (الالتزام).

وهكذا تتتابع الخطوات.

انظر إنها (خطوات) كخطوات الشيطان: خطوة بعد خطوة، بطريقة هادئة لا تثير انتباه الشخص نفسه إلى ما يجري داخل نفسه! وكل خطوة يحتف بها مبرر أو جملة مبررات.

بعدها يجرون مسابقة بين الأسرى لكتابة أحسن مقال في المقارنة بين أمريكا والشيوعية. وقد يفوز مقال يمدح في العموم أمريكا لكنه يلين لوجهة النظر الصينية الشيوعية في موضع أو موضعين. المهم انتزاع أي تنازل مهما كان بسيطاً (لاحظ: بعض، شيئاً قليلاً)! وبشرط أن لا يعطى الفائز شيئاً ذا قيمة مادية، إنما شيئاً رمزياً مثل قلم رخيص السعر، أو وردة، وما شابه ذلك. ثم يقوم الصينيون ببث مقال الأسير مع اسمه على الراديو الموجه للقوات الأمريكية، وكذلك في كل معسكرات الاعتقال بحيث يسمعها الأسير نفسه، فيجد الأسير نفسه قد قام بتصريحات تخدم العدو؛ فصار بطريقة أو بأُخرى (متعاوناً) مع العدو.

إن حجر الزاوية هنا أن يدرك الأسير أن ما قام به من تصريحات وكتابات قام به طواعية دون إكراه أحد. لأنه لو تم الأمر بالإكراه لوجد الأسير لنفسه – وكذلك الناسُ من حوله – عذراً لمواقفه هذه، يمكنه به من التنصل عنها لاحقاً. ولأدى ذلك إلى رفضها ونفوره وتبرئه الداخلي منها. لكنه فعل ما فعل طبقاً إلى قناعة ذاتية داخلية دون إكراه؛ وهذا ينتهي بالأسير إلى تغيير نظرته إلى نفسه حتى يصبح متوافقاً ومنسجماً (consistent) مع الفعل الذي قام به، ومع التعريف الجديد لنفسه كمتعاون مع العدو.

لقد بدأ الأمر بتصريحات تافهة وعديمة القيمة، لكن الأسير التزم بهذه التصريحات. ثم استدرج إلى خطوات أخرى غيرت من نفسيته فانسجم معها. وهذا التغيير بدوره سمح له بتقديم تنازلات أكبر، وهكذا دواليك.. إلى أن يكتب مقالاً موسعاً ينتقد فيه نظام الدولة التي كان يحارب من أجلها، بل ويتعاون مع عدوها.

 

العوامل الأربعة في علم نفس ( سايكولوجيا ) الانحراف السياسي

لاحظ الخبراء وجود عوامل أربعة مهمة للغاية لضمان فعالية أسلوب الالتزام والانسجام:

  1. التوثيق: إن توثيق الأسير تصريحاته؛ أقوى في تغيير انطباعه عن نفسه وانطباع زملائه عنه. فالشخص الذي يوثق ما يقول يستحضر لا شعورياً مواقفه السابقة – وخاصة الموثقة منها – وكأنها المصدر الرئيس لمعلوماته عن نفسه وتحديد شخصيته. لذا كان الصينيون حريصين على انتزاع موقف موثق منسجم مع رغباتهم.

وتتجلى أهمية التوثيق في بلوغ ذلك الحرص درجة أن الأسير إذا رفض أن يكتب العبارات المذكورة سابقاً، مثل (أمريكا ليست كاملة)، فإنه كان يطلب منه نسخ سؤال وجواب مكتوبين له مسبقاً فيهما هذه المعاني. فهذه الكتابة بخط يده تستدرج الأسير – كدليل ملموس – إلى التغيير النفسي ولو بدأ فكان (شيئاً قليلاً). كما أنهم كانوا يطلعون الأسرى الآخرين عليها لتغيير نظرتهم إلى زميلهم. وهذا يجعل زملاءه – وإن علموا بأن الكاتب لم يختر كتابة تلك السطور بدافعية ذاتية – يشعرون بأن هذه الكتابات تمثل حقيقة اعتقاد الأسير وإحساسه طالما أن صياغتها لا تُشعر بأنه كتبها مكرهاً. وهذا يعني نفسياً أنّ (تغير نظرة الآخرين لك تجعلك تغير نظرتك إلى نفسك).

  1. الالتزام العلني: فالذي يتخذ موقفاً معلناً يكون أكثر التزاماً به ودفاعاً عنه ممن لا يعلن موقفه. لذلك كان الصينيون يعلقون مقال الأسير على الجدران ويبثونه في الراديو ليجد الأسير نفسه مدفوعاً إلى المحافظة على موقف اتخذه مبرراً للتصريح الذي أعلن به؛ وذلك لكي يبدو إنساناً لديه موقف ثابت، إنساناً منسجماً مع ذاته، متوافقاً مع أفعاله. فالمتناقض يبدو للناس متقلباً غير واثق، مشتت الفكر، غير جدير بالثقة. وهذه الخصائص مكروهة من المجتمع ومن الشخص نفسه. على العكس من الشخص المتوافق مع نفسه الثابت في موقفه.
  2. الجهد الإضافي المبذول: فهذا يؤدي إلى التزام أعلى. فالشخص الذي يعاني ألماً ويخوض عناء في سبيل الحصول على شيء وتنميته ورعايته؛ يعطيه أهمية أكبر بكثير ممن يحصل على الشيء نفسه بجهد أقل. فكتابة مقال موسع للفوز بالمسابقة ليست أمراً سهلاً([4]).
  3. الاختيار الذاتي: وهو العامل الأكثر أهمية. لم تكن جوائز الفوز عن المقال ذات قيمة عالية (قلماً، سجائر، “شيئاً قليلاً” من الفواكه الطازجة). ولا ترقى إلى الملابس الجيدة أو تسهيل الاتصال بالعالم الخارجي. إن علة حجب الجوائز الكبيرة هو من أجل أن يحس الأسير أن كتاباته هي ملكه، نابعة من ذاته دون أن ينظر لنفسه أنه كتب ما كتب طمعاً في جائزة كبيرة. أي يتحمل الأسير أمام نفسه مسؤولية ما كتب، فلا يشعر أنه غيّر مبادئه من أجل جائزة؛ فهذا ذنب معلوم يجعل نفسه تؤنبه فتمنحه فرصة للتراجع. القناعة الذاتية ضرورة لا غنى عنها([5]).

وبين قصة الراهب والشيطان وحيل الصينيين مع الأسرى، ودراسة الأمريكان النفسية وخروجهم بمصطلح (الالتزام والانسجام commitment & consistency) تكمن الحقيقة، التي لا ينبغي للسياسي الرباني أن يغفل عنها، وإلا فقد يكون مصيره مصير الراهب الذي مات كافراً، أو راكب الفرس الذي تدهدهت به من شاهق فما عاد قادراً على لجمها وإيقافها.

هل أدركنا الآن مدى عمق ودقة وعظمة قول اللطيف الخبير: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (المائدة:49)!

 

  1. قانون التسديد .. وعلاقته بقانون الالتزام والانسجام

عندما يسدد الرامي سهمه نحو الهدف يجب أن تكون الزاوية صفراً بين نقطة الانطلاق ونقطة الهدف. فلو حصل خطأ ما – ولو بقدر عشر درجة – سيبتعد السهم عن نقطة الهدف بمسافة تتناسب ومقدار الخطأ في زاوية التصفير. وكلما ابتعدت أو زادت المسافة العمودية نحو الهدف زادت المسافة الأفقية التي تفصل بين الهدف والسهم.

قانون التسديد هذا.. قانون كوني، يسري حكمه على شتى الظواهر: الرياضية منها والاجتماعية، بما فيها السياسة.C:\Users\DR\Desktop\مسافة.jpg

أما قانون (الالتزام والانسجام) – الذي تناولناه سابقاً، والذي يفسر فاعلات التحول الداخلي التي تعتمل في نفس من يبدأ من السياسيين سيره في طريق السياسة بميل بسيط في اتجاه معين… حتى ينتهي إلى ما ينتهي إليه – فهو أحد مظاهر قانون التسديد  السابق.

سأضرب لكم مثالاً صادماً يضعكم وجهاً لوجه أمام هذه الحقيقة الخطيرة كما هي دون مواربة أو مجاملة. عندها تتجلى حقيقة أُخرى سافرة كما الشمس في ظهيرة الصيف في نجد والعراق، هي أن أحكام قوانين الله – الشرعية منها والكونية – واحدة، لا يفلت منها أحد من خلقه: الصالح منهم والطالح، بحيث تكون نهاية كلٍّ منهما واحدة.

أعني أن هذا القانون الكوني يشمل الظواهر الاجتماعية، كما يشمل المجتمع نفسه: أفراداً وجماعات.

 

علي بن أبي طالب السياسي

علي رضي الله عنه.. هل يشك مسلم في سابقته وفضله، ونزاهته وعدله.. وحرصه على العمل بشرع الله؟ حاشى لله! لكن فيما حصل بينه وبين قتلة عثمان رضي الله عنه من تداعيات شيء يدعو إلى العجب، يدفع السياسي الرباني لأن يتحوط كثيراً قبل الإقدام على أية خطوة سياسية ما لم يكن في حرز من تداعياتها وسلامة من مآلاتها.

ابتدأت تلك التداعيات من نقطة صغيرة هي الاستجابة لضغط قتلة عثمان في قبول البيعة على غير رضى من كبار الصحابة. ثم تداعت أكثر فتدهورت الأوضاع السياسية والأمنية إلى حد الانقسام والاقتتال بين المختلفين!

إن فيما جرى درساً عميقاً لكل رباني يعمل في ميدان السياسة. هذا الدرس العميق لا ينبغي أن يظل مغيباً بسبب العقلية التقليدية التقديسية لأهل السنة، وهي قريبة من العقلية العصموية الشيعية. التقديس والتعصيم داء يمنع الإنصاف ويحجب الحقيقة؛ لأنه يمنح المقدس والمعصوم بطاقة البراءة له، في مقابل قرار التجريم لخصمه دون البحث في حيثيات القضية. وحب السابقين وتقديرهم مع الاستغفار لهم، وليس تقديسهم أو تعصيمهم، هو كل ما يجب علينا تجاههم. وليس مما يناقض هذا الواجب ذكر خطأ أو خلل ما، في ذكره درس عميق للأمة كدرسنا بالشروط الربانية المذكورة: الحب والتقدير والاستغفار.

إن خللاً ما لا بد أن يكون قد وقع كان سبباً لذلك التدهور المتتابع. وإلا لا يمكن أن يكون الصواب المحَكَّم سبيلاً لواقع قد تشرذم. فأين الخلل؟

إن الخلل بدأ فكان على مرحلتين أو خطوتين:

الأولى: لين عثمان رضي الله عنه مع رؤوس الفتنة فتفاقم شرهم حتى قتلوه. وبذلك انتقلت الشوكة إلى أيديهم. لكنهم وقعوا في ورطة. إن ما فعلوه جريمة في غاية البشاعة، وجيوش الأقاليم التي بعث إليها أمير المؤمنين عثمان سراً لنجدته في طريقها إلى المدينة، وليس سوى القصاص منهم إن هي وصلت، سواء بقوا في المدينة أو تفرقوا في البلدان. واستقر رأيهم على ضرورة إقناع واحد من رؤوس الصحابة رضوان الله عليهم أن يتقلد الحكم وذلك بأمرهم وتحت قوة سيوفهم؛ فهم أصحاب القوة في ذلك الظرف بلا منازع. وبذلك يسيطرون أو يصادرون أهم خصائص الحاكم وهو اتخاذ القرار. ورفض الجميع العرض بتولي الحكم: علي، الزبير، طلحة، سعد، ابن عمر، ابن مسلمة. ثم فوجئ الجميع بعد ثلاث بعلي في المسجد تؤخذ له البيعة تحت أسنة قتلة عثمان! ورجعت الجيوش بعد أن سمعت بمقتل عثمان، الذي جره إليه لينه مع من لا يستحقون. وقد أُثر عن الخليفة عبد الملك بن مروان رحمه الله قوله: (وما خالف عثمانُ عمرَ في شيء إلا باللين، فإن عثمان لان لهم حتى رُكب، ولو غلظ عليهم جانبه كما غلظ عليهم ابن الخطاب ما نالوا منه ما نالوا).

من هنا بدأت المرحلة الثانية، وهي استجابة علي لهم فتولى الأمر بضغط من قتلة الخليفة ومن جمهور أهل المدينة. وقد تضمنت هذه الاستجابة لزوماً تأجيل إقامة الحد على القتلة.

من هذه النقطة الحرجة (تأجيل إقامة الحد) بدأت سلسلة التداعيات، حتى وصلت إلى اقتتال وقتل طال خيرة الصحابة، منهم طلحة والزبير رضي الله عنهما. وذلك بدل أن يأخذ مجراه الطبيعي فيطال من هو أحق به وهم قتلة عثمان رضي الله عنه. فترْكُ الحد في قتل من يستحقه قاد إلى قتل من لا يستحقه! وتأمير من حقه القتل كرأس الفتنة مالك الأشتر قاد إلى قتل من حقه التأمير كالزبير أو الأمر بعزله كمعاوية ؛ وليس معاوية رضي الله عنه شراً من الأشتر، ولا الأشتر خيراً من معاوية؛ وأنى ذلك وهو رأس الفتنة وقائدها وقاتل ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه([6])!

ولو أن علياً لم يستعجل فيطاوع البغاة ويرضى بالتأمير بمعزل عن أهل الرأي من الصحابة، وصبر حتى وصلت الجيوش من الأمصار فقلعت أولئك البغاة، واجتمع أهل الرأي فأمروه أو أحداً سواه، والتأم الشمل؛ فلم تقع تلك الأحداث المؤسفة.

هذا من أعجب وقائع التاريخ، التي لم أجد من وقف عندها ليأخذ العبرة منها!

فمن منا له عقل علي وحكمته ودينه وتقواه؟

ليستذكر السياسي هذا جيداً ويحذر من الاعتماد على عقله وتأويلاته؛ وذلك تجنباً للانحدار في مزالق ربما طوحت به في طريق إلى جهنم بعيد القرار!

 

 

[1]– هو د. رافع العيساوي، كرر هذا القول على أكثر من قناة فضائية أيام الحملة الانتخابية سنة 2010.

[2]– قال السيوطي (لباب النقول في أسباب النزول): أخرج ابن مردويه و ابن أبي حاتم من طريق أسحق عن محمد عن عكرمة عن ابن عباس قال: خرج أمية بن خلف وأبو جهل بن هشام ورجال من قريش فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد تعال تمسح بآلهتنا وندخل معك في دينك. وكان يحن لإسلام قومه فرق لهم؛ فأنزل الله (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك – إلى قوله – نصيراً). قلت: هذا أصح ما ورد في سبب نزولها، وهو إسناد جيد وله شواهد. أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: كان رسول الله يستلم الحجر، فقالوا: لا ندعك تستلم حتى تلم بآلهتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما علي لو فعلت والله يعلم مني خلافة، فنزلت. وأخرج نحوه عن ابن شهاب. وأخرج جبير بن نفير: أن قريشاً أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت أرسلت إلينا فاطرد الذين اتبعوك من سقاط الناس ومواليهم فنكون نحن أصحابك، فركن إليهم، فنزلت.

[3]– اعتمدت في هذا الموضوع على مادة مرئية بعنوان (سايكولوجيا الانحراف) للدكتور إياد القنيبي، على الرابط الآتي:

[4]– تذكّر قاعدة (الولاء للإعطاء لا للأخذ). وهي قاعدة في غاية الأهمية في السياسة المالية.

[5]– تأمل الفرق بين البدعة والمعصية! وقول السلف: “البدعة أحب إلى إبليس من المعصية”. وفسروه بأن المعصية يمكن أن يتاب منها، على العكس من البدعة. لأنها داخلة في القناعة الذاتية للعامل بها.

[6]– يقول د. أكرم ضياء العمري (عصر الخلافة الراشدة، مقتطفات من ص59-60): تولى علي الخلافة إثر مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنهما في ظروف خطيرة حيث سيطر الناقمون على عثمان على المدينة، وأفلت الأمر من يد كبار الصحابة، ولم تعد ثمة سلطة عليا تحكم الدولة الاسلامية، وقد سعى الناقمون إلى تولية عبد الله بن عمر، وهددوه بالقتل إن لم يرض، ولكن لم يجدوا منه إلا صدوداً. لكن أحداً لم يكن ليقبل منهم السلطة في ظروف الفتنة، لأنهم لا يمثلون الأمة، بل يمثلها كبار الصحابة في المدينة، وهم الذين يقبل الناس في أنحاء الدولة اختيارهم، وقد أدرك المعارضون ذلك بعد فشل محاولاتهم. وقد بادر الناس إلى علي ليبايعوه، فاظهر رغبته عن الخلافة في تلك الظروف: “والله إني لأستحي أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة). وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يُدفن بعد” فانصرفوا. فلما دُفن عثمان رضي الله عنه أتوه مرة أخرى وسألوه البيعة وقالوا: لابد للناس من خليفة، ولا نعلم أحداً أحق بها منك… فقال: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه. وقال لهم: فإذا أبيتم عليّ، فإن بيعتي لا تكون سراً، ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني. فخرج إلى المسجد وبايعه الناس عن رضاً واختيار، سوى طلحة والزبير فإنهما بايعاه مكرهين ولم يكونا راضيين عن الطريقة التي تمت بها البيعة حيث لم يتم التداول بين أهل الحل والعقد بشأنها، ولم يعقد مجلس للشورى. ولأن الثوار أتوا بهما بأسلوب جاف عنيف. ولا شك أن هذه الطريقة فرضتها طبيعة الأحداث لسيطرة هؤلاء الأعراب الجلف على المدينة. واعتزل بعض الصحابة فلم يبايعوا علياً ومنهم محمد بن مسلمة وأهبان بن صيفي وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر، فقد كانوا يرون الناس في فرقة واختلاف وفتنة، فكانوا ينتظرون أن يستقر الأمر فيبايعوا. كما أن معاوية بن أبي سفيان وأهل الشام وكثيراً من أهل البصرة ومصر واليمن لم يبايعوه. ويرى ابن حزم أن عددَ من امتنع عن بيعته مثل عدد من بايعه، وقدّر عددهم بمئة ألف مسلم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: