التخطي إلى شريط الأدوات
الأيام الخواليديوان القادسية

جامع التيسير في حي ( الجزائر )

 

د. طه حامد الدليمي

 

في بداية سنة 1994 نقلت خطبتي من (جامع الرحمن) في ريف اللطيفية إلى (جامع التيسير)، في حي (الجزائر) وهو أحد أحياء المحمودية قريباً من مركز المدينة على شمال المغادر إلى الحلة مباشرة.

وكان لذلك سببان: أولهما تأثير الكلمة في المدينة أقوى منه في الريف. وثانيهما أن مسجد التيسير ابتلي بشيخ ضال سفيه حقاً. اسمه (صالح) ولكن لم نجد له من اسمه من نصيب! سعينا لنقله من المسجد مرات، وفي كل مرة تبوء المحاولة بالفشل؛ والسبب تظاهره أمام المسؤولين في وزارة الأوقاف، ومنهم الوزير نفسه عبد الله فاضل السامرائي، بأنه يقف سداً منيعاً في وجه (الوهابية) في المنطقة. وكانت سفاهات (الشيخ صالح) كثيرة ومتنوعة. فهو يسرق من أثاث المسجد ويرمي بالتهمة على سراق مجهولين. ويقف عند باب سكنه الملحق بالمسجد يعاكس البنات، وهذا حسب اعترافه الخطي! يذهب إلى أهل المصلين من الشباب فيخيفهم قائلاً: إن ابنكم مراقب من قبل رجال الأمن فلا تدَعوه يأتي إلى المسجد. وجعل من باحة المسجد مَنحلاً يهاجم النحل من قواعده المصلين. وكان يضايقنا في جلساتنا ما بين الصلوات، ويعارض أي نشاط علمي أو دعوي في المسجد، رغم تقربنا منه ومداراتنا له اتقاء شره.

 

تحف الشيخ صالح

أما خطب الشيخ صالح فمن (تحف) الزمان حقاً!

خطب مرة فقال: يقول النبي e: (إياكم والصدق فإن الصدق يهدي إلى البر…) الحديث. فنبهه أحد الشباب الصغار بعد انتهاء الصلاة على هذا الخطأ مبيناً له أن الصواب (عليكم بالصدق). أتدري بم أجابه؟ ههه قال له: هذه رواية أُخرى للحديث!

وسمعته مرة يروي من فضائل الصديق فروى موقفه من حادثة (الإسراء والمعراج)، فلما قال له المشركون – والعهدة على الشيخ صالح – انظر ماذا يزعم صاحبك يقول: لقد عرج بي إلى السماء! فأجابهم: لو قال لي إن خيلاً وراء الوادي تريد أن تغير عليكم لصدقته، فكيف لا أصدق عروجه إلى السماء؟ (!).

وحاول في بعض الأيام أن يلقي دروساً في التفسير، والغاية منها قطع الطريق عليّ حتى لا أجلس بين الصلوات – خصوصاً بعد المغرب – لأتدارس مع بعض المصلين في كتاب أو أعلمهم بعض مسائل الدين. فكان يفتح كتاب تفسير ويقرأ منه مجرد قراءة. وقد تلطفت معه في البداية مداراة له فحضرت بعض دروسه (الألمعية)، داعياً الآخرين أن يتحلقوا حوله. لكنه لم يستطع الاستمرار طويلاً لانفضاض المصلين عنه؛ إذ لا يستفيد أحد منها شيئاً؛ لا في علم ولا إيمان! سأله أحدهم يوماً: شيخ، ما معنى “الطارق” في قوله تعالى: (والسماء والطارق)؟ فتمعر وجهه واحمر ثم بلع ريقه وقال: الطارق هو يوم القيامة! وانتابتني ضحكة كتمتها خشية الفضيحة، لكنني لم أستطع أن أقاوم ابتسامة ندت رغماً عني؛ فالكلمة مفسرة في السياق وفي الموضع نفسه مباشرة؛ يقول تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ) (الطارق:1-3). ألم أقل لكم: إن الشيخ (تحفة)؟

وخطب مرة فقال: “أيها الإخوة، إن أهل الجنة يأكلون ويشربون و……..” وتلكأ لا يدري ما يقول بسبب شحة مفرداته من اللغة.. ثم….. ثم فاجأ المصلين بقوله: “ويتونسون”! يبدو أنه أراد أن يقول شيئاً عن زواج أهل الجنة بطريقة مثيرة فلم يهتد إلى كلمة مناسبة فلجأ إنقاذاً لنفسه إلى الكلمة الشعبية التي ترمز للمعنى المقصود!

 

حملات الخلاص من الشيخ صالح

كان يقود الحملة في سبيل الخلاص منه مؤذن المسجد (أبو عدنان). الذي كان في البداية مؤيداً له حتى اكتشف حقيقة أمره أثناء مرافقته له في ذهابه وإيابه، فانقلب ضده وعاد يروي الطرائف المضحكة من مواقفه الغريبة! ولم يكن الأمر سهلاً قط! مرة يجمع تواقيع للمصلين يطالبون بنقل الشيخ. ومرة يشكل وفداً إلى مقر الوزارة للشكوى. وكثيراً ما يتجشم عناء المراجعات وحده. في إحدى المرات واجه الوزير عبد الله فاضل فأجابه الوزير غاضباً: أحذرك أن تراجعني مرة أخرى في شأن الشيخ صالح مهما فعل؛ أنا أريده هناك لمحاربة الوهابية.. فهمت؟ هيا انصرف!

انتهت حياة عبد الله فاضل بالاغتيال سنة 1996 في أحد شوارع بغداد. وقبل اغتياله نحي عن منصبه في الوزارة، وحل محله الدكتور عبد المنعم أحمد صالح. وهو شخص متواضع لطيف التعامل، وإن كان، حسب رأيي، ضعيف الشخصية. فوجدنا أن الفرصة حانت للتحرك من جديد ضد الشيخ صالح. وحمل الراية – كالعادة –(أبو عدنان).

الجديد في الأمر أن موظفاً بمنصب (مفتش عام) في الوزارة تعاون معنا وهو الرجل الشهم نبيل ناظم الطبقچلي([1]). كان الأستاذ نبيل رجلاً فاضلاً ساعياً للخير ونصرة الدين، يقف إلى جانب الدعاة وشيوخ الدين العاملين، ويضع العراقيل أمام الوصوليين من خلال موقعه الوظيفي وعلاقاته الرسمية والاجتماعية. وكان إلى جانب ذلك ذا شخصية جمعت إلى القوة، خفة الظل، فهو يحب المقالب والمواقف الطريفة، يروي النكتة ويبحث عنها. فكان الشيخ صالح بشخصيته الهزيلة مادة دسمة لذلك، واللطيف في الأمر أن (أبو عدنان) يشبهه – من هذه الناحية – تمام الشبه، فكان مثلهما كما قيل: “وافق شنٌّ طبقة”. التقيا رسمياً وانتهيا خليلين لا يفارق أحدهما الآخر. ولم يترك نبيل الأمر حتى اقتلع صالحاً من مكانه وأراحنا منه. وكانت قصة قلعه طويلة عريضة أرقتنا كثيراً وأتعبتنا، ولم نكد نصدق الخبر يوم بشرنا به!

 

اقتلاع الشيخ صالح

وكانت قصة اقتلاعه طويلة، وعراقيلها كثيرة. كانت آخر العراقيل أمامنا الإتيان ببديل عنه من أجل تنفيذ نقله من المسجد. فمن أين تأتي به؟! تقدمت لأن أكون البديل؛ فأنا أملك إجازة بالخطابة، لكن تبين أن صفتي الرسمية (خطيب) وليس (إماماً)، والبديل ينبغي أن يجمع الصفتين معاً! فكانت معضلة أخرى. قيل لنا: يمكن أن يكلف معك شخص آخر مجاز رسمياً بوظيفة (الإمامة)، وهكذا ينحل الإشكال. وهذه معضلة أضيفت إلى سابقتها؛ ويبقى السؤال نفسه: فمن أين تأتي بـ(إمام)؟!

وأسفر البحث المضني عن العثور على شاب مهندس من سكنة بغداد يملك إجازة رسمية بـ(الإمامة). وبعد التي واللتيا تم الأمر، فكان الشيخ صالح بسفاهته المعهودة يضحك ويقول: انظروا كم أنا مهم! لم يملأ فراغي إلا طبيب ومهندس!

لم يستسلم صالح، وظل متشبثاً بالمسجد؛ فلم يُخْلِ البيت الملحق به من أجل أن ينتقل إليه الإمام الجديد؛ أملاً بأن يقع على وسيلة تبقيه فيه. ويتوسط هنا وهناك لدى أشخاص مؤثرين، ويرشو موظفين في دائرة الأوقاف يحمل إليهم قناني العسل من منحله الذي أنشأه في زاوية من باحة الجامع، وكان لنبيل من عسله نصيب، وحتى أبو عدنان الذي لم يقطع علاقته به. وكانت مادة لا تنضب للتندر والضحك! فقد عمل الأستاذ نبيل مع الشيخ صالح علاقة شخصية استدراجاً له حتى يتمكن من الإيقاع به، معتمداً على طيشه ودناءة فيه، وسذاجة كثيراً ما تعتريه رغم خبثه. وأخيراً وقع الشيخ في الفخ.. ولكن أي فخ!

أقنعه الأستاذ نبيل بكتابة اعتراف خطي بأخطائه يرفعه إلى الوزير طالباً منه الصفح على أساس مقولة شعبية مشهورة عندنا: “من اعترف بذنبه فلا ذنب له”، والتي وردت في ثنايا اعترافه، واعداً إياه بالتوسط لتثبيته في المسجد بشرط كتابته ذلك حتى يعتمده حجة لدى الوزارة! كان الأخ أبو ناظم (نبيل) يضحك حتى يغرق في الضحك مستغرباً كيف صدّق (البومة) – وهو اللقب الذي يطلقه عليه – هذا الوهم! ثم يضيف: هل تدري أين كتب هذا الاعتراف المبارك؟ في داخل حسينية ببغداد! ويضحك ونضحك معه. كيف؟ أخذته في جولة تفتيشية رسمية شملت تلك الحسينية، أعطيته ورقة وقلت له: اجلس هنا واكتب. وكتب ما أردت منه، وأمليت عليه بعض (البهارات والمطيبات).

ونظرت في تقرير الاعتراف، ماذا أرى! هل يعقل هذا؟! اعتراف بسرقات وتحرشات بالنساء ومضايقات للمصلين وأمور أخرى لم أعد أذكرها. من المؤسف أن الأجهزة الحديثة للتصوير لم تكن متوفرة آنذاك لأحتفظ بنسخة من الاعتراف، رغم أنني صورت نسخة ورقية عنه بقيت لدي فترة ثم ضاعت كما ضاع غيرها من الأوراق والوثائق بفعل الزمن وكثرة التنقل من مدينة لأخرى وحي لحي ومسكن لآخر.

ساءني أن تكتفي الوزارة بنقله إلى مسجد آخر في منطقته الأصلية، وهي قضاء بهرز في محافظة ديالى المحاذية لإيران، فكتبت طلباً لمواجهة الوزير، واصطحبت معي نسخة الاعتراف بجرائم ينبغي أن يعتقل بسببها، فكيف يبقى هذا في سلك أئمة المساجد وشيوخ الدين؟ وقلت للوزير: مثل هذا تشتريه إيران بألف دينار فقط؛ فلا ينبغي أن يكون عقابه أقل من الطرد. وعجبت من جواب الوزير: “خَطِيّة([2]).. عنده أطفال وعائلة”! قلت في نفسي: هذه العقليات هي سبب دمارنا. ولم أناقشه فيما قال إنما توجهت إليه مباشرة قائلاً: مسجدنا في حاجة إلى مصاحف، ونحتاج نسخاً من كتاب (فقه السنة) لسيد سابق بتحقيق الألباني، عرفت أن منها كميات في مخازن الوزارة، فوافق على طلبي دون تردد. وهكذا خرجت منه وأنا أهجس لنفسي: هذا أفضل من أن أرجع بلا شيء!

16/2/2015

 

 

 

 

[1]–  ابن العميد ناظم الطبقچلي أحد الضباط الأحرار الكبار، الذين قادوا الانقلاب على النظام الملكي سنة 1958. أعدمه الرئيس عبد الكريم قاسم لمشاركته في حركة عبد الوهاب الشواف الفاشلة للإطاحة به.

[2]– خطية: كلمة تعني باللهجة العراقية التوجع والترحم في حق من تقال فيه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: