التخطي إلى شريط الأدوات
الأيام الخواليديوان القادسية

الثورة الخمينية

 

د. طه حامد الدليمي  

 

وفجأة وفي شباط/1979 يعلن الخميني عن قيام “جمهورية إسلامية” تحكم المجتمع بشريعة الإسلام، حسب دعواه، وتنادي بسقوط كل الحكومات العلمانية وأولها حكومة البعث في العراق!

أيعقل هذا؟! ما هذه النعمة النازلة من السماء؟!

ولما أرسل إليه الرئيس العراقي أحمد حسن البكر رسالة تهنئة رد عليها بتعال وختمها بعبارة “والسلام على من اتبع الهدى”! فسقط ذلك على قلوبنا سقوط الثلج في اليوم القائظ. أخيراً وجدنا من يهين البعثيين المتجبرين، ومن ينادي بتحكيم شريعة رب العالمين!

هكذا كان يفكر كثير من الشباب المتدين، والكاتب واحد منهم!

كانت إذاعة طهران العربية لا تكاد تفارق أذني أنام وأصحو عليها. لم تكن في البديئة تهاجم الصحابة ولا تظهر خبايا الدين الشيعي، وكانت تعرض برامج مكثفة مستقاة من تفسير (في ظلال القرآن) لسيد قطب، الكتاب الذي كنت أعشقه، وما زلت، مع تحفظي على بعض ما ورد فيه من تطرف قد يصل حد التكفير، وهذا ما عرفته بعد فترة طويلة من ذلك. وانطلق كثير من الإسلاميين يمجدون ثورة الخميني، وخطب الشيخ المصري عبد الحميد كشك، وهو خطيب مِصقَع، خطبته المشهورة ينكر على العراق حربه ضد إيران ويتهم الحكومة بالعمالة لأمريكا التي استعْدت العراق ودفعته لإثارة تلك الحرب لأن الخميني أراد إقامة حكم الله في الأرض، على حد دعوى كشك. وقد استغلتها إيران أبشع استغلال فكانت إذاعة طهران تصدح بها باستمرار، وكنا نتابعها ونتابع كذلك الأخبار الصادرة منها بشغف. ونترقب متى يزول حكم البعث!

 

صداقات شيعية حميمة

في محيط الكلية عقدت صداقات عديدة مع طلاب شيعة، تبين فيما بعد أن معظمهم من حزب الدعوة. كنت مخدوعاً بتدينهم، ولم يمنعني من ذلك كون أكثرهم لا يصلي معنا الجماعة في مسجد (الحرية) القريب من الكلية، ولا طريقة وضوئهم، ولا اختلافهم عنا في صلاتهم؛ فقد كان التماس العذر لهم سهلاً عندنا بسبب ميل نفوسنا إلى ذلك. أليسوا مثلنا مسلمين؟ سوى أن لهم مذهباً معتبراً يسوغ لهم طريقتهم في التدين. هكذا كنا نفكر. وكان أكثر ما يقربهم إلينا كرههم للحكومة مظهرين أن هذا الكره بسبب انحراف قادتها عن الإسلام وكفرهم بالدين ومحاربتهم له؛ والقرائن على ذلك كثيرة.

تبادلنا الزيارات فيما بيننا، وسافرنا مرة في رحلة مشتركة إلى الموصل. كانوا يبتعدون عن الخلاف، ويبسّطون أي مسألة خلافية بيننا، ويرددون: لنجتمع الآن على إسقاط صدام؛ هذا هو المهم، ثم نلتفت إلى هذه الأمور الصغيرة فيما بعد. ونصحني قاسم شكر مراراً بقراءة كتاب (المراجعات)، واصفاً إياه بأنه كتاب يجمع ولا يفرق. وكان في المسجد تفسير (الكاشف) للبناني محمد جواد مغنية أطالع فيه أحياناً فلا ألحظ في ذلك العمر شيئاً خطيراً يلفت النظر، فأقول: يبدو أن الخلاف بيننا ليس كبيراً. واستفدت منه بيتين من الشعر أعجباني فحفظتهما:

عصيتُ هوى نفسي صغيراً وحينَما
أطعتُ الهوى ، عكسَ القضيةِ ليتَني
رماني زماني بالمشيبِ وبالكِبَرْ
وُلِدتُ كبيراً ثمَّ عدْتُ إلى الصِّغَرْ

هكذا عشت فترة استغرقت السنتين الأوليين من الكلية، وربما أبعد من ذلك، تصورت فيها أن الشيعة والسنة قريبون من بعضهم، وأن الخلاف بينهما ليس بذلك العمق الذي يمنع الالتقاء على مشروع مشترك وهو إسقاط الحكومة، الذي كنت أنظر إليه كهدف عظيم، إن لم يكن أول الأهداف في طريق إقامة حكم الله في الأرض. أذكر أن نبأ إعدام (محمد باقر الصدر) سنة 1980 كان محزناً لي، ودليلاً على ظلم صدام!

وكانت الحرب !

وفي صبيحة يوم خريفي جميل، في الأيام الأولى من أيلول، كنت أحمل حقيبتي متوجهاً إلى كلية الطب في بغداد، أقطع الطريق الزراعي الطويل على الأقدام بين بيتنا في ريف الخياميات ومدينة المحمودية لأستقل من هناك سيارة عمومية باتجاه الكلية. وبينما أنا أخترق بستان (جْلوي) بنخيله الباسقة، متنقلاً بين أشجار البرتقال والرمان التي تتبادل الأمكنة فيما بينها، وبلبل يصفر فرحاً ويغرد جذلاً وهو يطير من شجرة ليحط على أخرى، إذا بدوي انفجارات تتناهى إلى سمعي من بعيد! توقفت برهة، لم أر أحداً أسأله: ما هذا؟ فإلى تلك اللحظة لم تألف أسماعنا مثل هذه الأصوات، بل لم نسمع بها من قبل! صمت البلبل وطار مذعوراً، وواصلت المسير. عبرت سكة القطار باتجاه مجمع السيارات. وإذا الناس يتحدثون عن الحرب! كان ذلك آخر الأيام الجميلة في حياة العراقيين. فبعدها كثرت الأصوات والانفجارات فما عادوا ينامون ولا يصحون إلا على عزفها…. وإلى اليوم. والله تعالى هو الذي يجازي الذي كان السبب في مصائب العراقيين!

حين وقعت الحرب الإيرانية – العراقية كان عمري يومها (20) عاماً. وكنت آنذاك، ومنذ مجيء الخميني للحكم، على تواصل يومي لا ينقطع بالإذاعة الإيرانية من خلال جهاز المذياع، فقد خدعنا أول الأمر بشعارات (الدولة الإسلامية) (نصيرة المستضعفين)؛ فكنت أتابعها باستمرار. ولا زلت أذكر إلى الآن كيف أن الإعلام الإيراني، منذ مجيء الخميني في شباط/1979 واستيلائه على الحكم في إيران، وإلى عشية قيام الحرب في يوم (4/9/1980) كان يشن حرباً إعلامية لا هوادة فيها ضد الحكومة العراقية، ويدعو العراقيين إلى الثورة على النظام. وفي ذاكرتي كثير من الشواهد عن عزم الخميني منذ اليوم الأول على احتلال العراق تحت ذريعة (تصدير الثورة). وكنت منحازاً فكرياً ونفسياً بقوة ضد الحكومة، وإن لم يبلغ هذا درجة الانحياز إلى طرف إيران. أصيب أحد أصدقائي بجروح في المعركة فذهبت إليه أعوده، فقص علينا كيف أنه قتل جندياً إيرانياً فنظرت إليه بأسى؛ أقول في نفسي: كيف يتحمل دم مسلم؟ وماذا سيكون موقفه عنه أمام الله يوم لقاه! وكنت أنصح من أعرفهم أن يوجهوا بنادقهم إلى الأعلى ويطلقوا رصاصها في الهواء عند المواجهة!

يجسم هذه التصورات البائسة موقف (الإسلاميين) وشيوخهم الذين نلتقيهم في الجلسات الخاصة ونتردد عليهم باستمرار، وكان موقفاً معارضاً للحكومة والحرب، يركز على أخطاء صدام والبعث إلى حد جعلنا ننظر إليهم كشياطين تمشي على الأرض نتمنى زوالهم ولو على يد إيران. وبعض الشيوخ يتمنى انتصار إيران في الحرب رغبة في الخلاص من صدام!

كان الخلاص من صدام حلماً وردياً يراود أجفاننا في المنام وفي اليقظة؛ وهذا أقوى ما كان يربط بيني وبين أصدقائي من الشيعة. دعاني أحدهم يوماً لتناول غداء، وذهبنا إلى أحد المطاعم عند ساحة بيروت في منطقة شارع فلسطين بالرصافة؛ أتدري لماذا؟ هل تصدق إن قلت لك: كانت دعوة فرح من قبل صديقنا الشيعي علي حسين الخفاف ابتهاجاً بمناسبة خسارة العراق لإحدى المعارك أمام إيران!

كان شيخنا يبشرنا بأن أيام صدام باتت معدودة، وتشتد البشارة كلما اشتدت المعارك، وكلما خسر العراق إحداها، حتى أمست هذه البشارة أملاً مرتبطاً بكسب إيران للحرب. وهكذا مرت السنون الثمانية – بكل ما فيها من انتصارات عراقية في مئات المعارك، تجلب السعادة، وتطيب الخاطر، وتشرح الصدر – ونحن محرومون من كل لذائذها ونشواتها وفخرها وعزها. حتى إنني بكيت يوم أعلن عن وقف الحرب في 8/8/1988؛ لقد انتهت الحرب، وتبخر الأمل، وطار الحلم.. وها هو صدام لم يزُل، باقٍ كالكابوس على رؤوسنا. لم أذق طعم انتصار العراق في ذلك (اليوم العظيم)، ولم أستشعر نشوة هزيمة الفرس التاريخية التي قل مثيلها في الزمان والمكان، والتي أجبرت شاههم المعمم على تجرع كأس السم، حسب تعبيره هو. وذهبت في اليوم التالي إلى جامع (عثمان) في سوق الذهب بمنطقة السراي وسط بغداد لأصلي الظهر هناك وألتقي الشيخ. قلت له كأنني أعاتبه وأشكو إليه: ها هي الحرب انتهت ولم ينتهِ صدام كما كنت تعدنا! ولم تخفف كلماته الطائشة التي حاول بها تبرير هذه المفارقة وقع الصدمة عني!

لم أجد أحداً من (الإسلاميين) سمحت له نفسه بأن ينظر إلى المعركة التي خاضها العراق بوجه إيران نظرة تقدير، أو يمنحها تقييماً منصفاً بعيداً عما في داخله من شنآن الحاكم، أو مناكفات الحزبية ومنافساتها. ولم أكن في تلك الفترة – بحكم العمر وقلة الخبرة والاندفاع العاطفي لما يقوله الشيخ – قادراً على إدراك السر، وفهم الحقيقة؛ فوقعت في الظلم، وانسقت وراءهم بلا إنصاف. كم رأيت منهم من يتمنى انكسار الجيش العراقي واحتلال إيران أرض العراق! ويصفق لكل معركة يخسرها جيشنا. ويبشر بانتصار إيران واندحار صدام، ويعدنا بذلك، وأن يوم الخلاص قريب! وكلما حدثت معركة بين الجانبين شديدة البأس حامية الوطيس قال: لم يبق شيء، هذه هي القاضية. سينتهي صدام. وانتهت الحرب ولم ينته صدام، بل خرج منها مزهواً بالنصر يلوح للملايين في ملعب (الشعب) من رصافة بغداد.

 

كنا أعزة بصدام فأذلنا الله بالحزب الإسلامي

وشيئاً فشيئاً تكشفت الخفايا.

احتجت إلى سنين بعدها كي أفهم بعض خفايا اللعبة، وأدرك أن صدام حسين كان متقدماً في وعيه على هؤلاء المرضى. الذين لم يكونوا يستحقون غير ما كانوا عليه من القزامة والانزواء في الظل، وترديد الشعارات العملاقة التي كانوا ينوءون بثقلها وهم يحملونها على كواهلهم الهزيلة يلهثون في الزوايا المظلمة.

بعض الخفايا هذه أدركتها يوم اصطدمت بالخطر الشعوبي، وعرفت أن هذه هي (القضية) في بلد مثل العراق. وأن الوطنية والعروبة جزء من معادلة الصراع، وأن المصلحة العليا توجب علينا السمو على مسألة الخلاف مع الحاكم. وعرفت أن (جماعتنا) لا يفهمون ما نحن فيه. غارقون إلى آذانهم في موضوعة (الغزو الفكري الغربي)، وقد كشفوا ظهورهم عن آخِرها لخوازيق (الغزو الشرقي).

ثم احتجت إلى وقوع كارثة الاحتلال كي اكتشف اللعبة بكل أبعادها، وأعلم أن المناكفات الحزبية وراء تلك المهزلة التي كانوا يدورون في فلكها، دون اعتبار للمصلحة العليا. بحيث يفضل أحدهم احتلال بلده من قبل عدو كإيران، مقابل زوال حاكم تفصل بينه وبينه خلافات حزبية، يستأثر هو بالسلطة التي لأجلها يعاديه الآخرون، وما المبادئ أو الشعارات المرفوعة إلا تأشيرة مرور للوصول إلى الهدف.

ظهر هذا كله بعد الاحتلال يوم خرج كل شيء من ظلام زاويته، وظهر إلى السطح على حقيقته. وها قد فعلوها وجاء بعضهم مع المحتل يقول: “الحمد لله تخلصنا من صدام”. وما مثلهم ومثل ما آلوا إليه إلا كمثل ذلك الدب الذي رأى على أنف مالكه وهو نائم ذبابة، فجاء بصخرة كبيرة فرمى الذبابة التي على أنفه بها فقضى عليه. ولما رآه مكشراً من الموت صار يرقص حوله ظناً به أنه يضحك له شاكراً له صنيعه!

تصوروا هذه السذاجة: يخرج د. محسن عبد الحميد على الملأ وهو يمدح الوضع الذي آل إليه البلد بعد الاحتلال قائلاً: “حقق (الإسلاميون) أكبر نسبة قبول في الشارع العراقي”. وشمل بكلامه صعاليك (مجلس) آل حكيم وأقزام حزب الدعوة العميل، ومن على شاكلتهم! ولا أدري على أية قاعدة شرعية، أو حيلة سياسية خرَّج هذا الأمي حكمه؟!

ورأيت يوم (6/3/2008) طارق الهاشمي وعبد الكريم السامرائي ود. عمر الكربولي، يجلسون عند صعلوك معمم يدعى حسين الصدر، ينثرون على رأسه من معسول الكلام وحروف التزلف. قال له عبد الكريم وكأنه صبي صغير (يبرم) نفسه أمام عمه: “أنا كنت أُشرف على شباب المساجد في سامراء كي نحمي زوار الإمام، وأغتنم المناسبة لأقول لك: إن المسؤولين غير جادين في إعادة بناء المرقد، إنهم يتماهلون”. ووالله لو مات هذا قبلها بعشرين سنة لكان خيراً لنا، وله من أن يتقمط بهذا العار، ويتزر بهذا الشنار.

قلت يومها: “كنا أعزة بصدام فأذلنا الله بالحزب الإسلامي”! لا يمكن بحال أن يجتمع الشعور بالذل مع الإسلام. فحيثما وجدت الذل ورأيت علامات المسكنة فاعلم أن ثمة خللاً لا يتلائم وهذا الدين العزيز. والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. أين شعارات الخلافة الإسلامية؟! وأين رايات (الحاكمية)؟! والعبارات الرنانة من مثل (المنظومة الإسلامية) و(الإسلام هو الحل)، و(المارد والعملاق الإسلامي) و(الصحوة الإسلامية)؟! أهذه هي النهاية: حفنة من المساكين، الذين لم يتمكنوا من الارتفاع حتى بمناصبهم الرفيعة، وكراسيهم الفخمة، يجلسون بكل أدب وخشوع كتلاميذ ابتدائية (حلوين) بين يدي رقيع صقيع كان يتشرف بالجلوس عند بسطال صدام حسين، ويتلذذ بلحسه، لو سُمح له.

في مثل هذا العهد الأغبر يجتاح أنفسنا الحنين إلى أيام عهدنا الغابر، ومجدنا الكابر. وقد صرنا نرى تلك الوقائع على غير ما كان يراد لنا أن نراها. لقد كشفت عن عيوننا براقع التقليد، وانزاحت عن عقولنا حجب التبعية، لم نعد نجد أحداً أمامنا يضيق على نواظرنا دائرة الرؤية، ويمنع أحلامنا حلاوة الرؤى.

بقي موقفي من الحرب ثابتاً وإن كانت أفكاري تغيرت وتطورت خلال تلك السنين، ربما بسبب أصدقائي من السلفيين وقد تأثرت بهم كثيراً، ومنهم زميلي محمد الجبوري، الذي نقل لي يوماً فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز تنص على أن من قاتل إيران بنية نصر الدين فذلك جائز، وإن قتل فهو شهيد. لا أدري ما صحة صدور هذه الفتوى عن الشيخ رحمه الله، لكنني لم أقتنع بها يومها؛ كيف والراية المرفوعة قومية علمانية!

وسجدت شكراً لله لدى سماعي خبر موت الخميني بعد توقف الحرب بحوالي عام. لكن موقفي بقي منها كما هو، لم تحصل لدي القناعة بخوض حرب تحت راية غير إسلامية؛ ولذلك رفضت الاشتراك فيها. لم يكن اتخاذ قرار كهذا سهلاً؛ لذا ترددت كثيراً قبل الإقدام عليه.. وكانت خطوة خطيرة وقى الله شرها.

21/5/2015

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: