التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات أخرى

الريشة والقضية

 

                                               

                          جار الله الملا خضر

التَّيَّار السُّني في العراق / منظومة الفقيه القائد

لا تفارق ذاكرتي تلك الصور التي كنَّا نسميها المعايدات، يومها كنَّا نأتي المكتبات ونلفُّ بأيدنا تلك المحامل الحديدية ذات الرفوف الصغيرة التي ترتصف عليها تلك المعايدات فنختار منها ما يناسب الرسائل ثم نرفدها معها في ظرف ونرسلها بالبريد.

ومن ضمن تلك المعايدات صورة للوحة اسمها (الطفل الباكي) إنَّها لطفل بائس باكٍ، قد مزَّقت روحَه آهاتٌ وأنَّاتٌ فترجمتها ريشة الرَّسام على وجهه بدمعة شقَّت طريقها على خدٍّ ورديٍّ، وبثوب مُمزَّق متهريءٍ تمزقت روحه وشخصيته قبله، لقد طغت على اللوحة الألوان الداكنة المظلمة التي تُنبيك عن ظلمة الحال واحتلاكها على أغوار نفس بريئة جثمت عليها الأتراح.

هكذا نقلت الريشة قضية طفل أوربي عانى من آثار الحرب العالمية الثانية.

لقد تخلَّدت في ذاكرتنا تيك اللوحة، بل عُدَّت أشهر لوحة بعد ذاك.

 

هل من جيوفاني سُني؟!

رسَّم لوحة الطفل الباكي الرسَّام الإيطالي جيوفاني موغيريني، ومضت ريشته حاملةً قضية، قضية الطفل الذي يمثل الجيل القادم في أوربا، إذ هو المورد البشري الأغلى.

وهو الجيل القادم الذي لا بد أن يُصنع من جديد، عليه وعت أوربا ما بعثته اللوحة من قضية فقامت تعتني بالطفل من عمر يوم واحد وهو في بطن أُمه، شُيِّدت مؤسسات الرعاية للطفل والمرأة وفعَّلوا فيهم الحديث – وإن لم يكونوا أهله أو سمعوه -: “اللهم إني أُحرِّج حقَّ الضعيفين: المرأة والطفل”[1].

ومن جهة أخرى تخصَّصت جمعيات باليتامى وتبنَّت رعايتهم.

بدأت المدارس والمناهج التعليمية تُخرِجهم من العوق النفسي والجسدي معاً.

ها وقد استفاد حفيد ذاك الطفل الباكي من الريشة التي رسمت جده فانطلقت الجهود تنتشل الجيل القادم من ركام الحرب الاجتماعية والمادية.

هذا ما فعلته ريشة جيوفاني غير السُّني فهل من جيوفاني سني؟!

 

الطفلة الباكية

في أيَّام الصراع الداعش الماعشي صوَّرت لنا عدسةٌ صورة طفلة موصلية أبئس من لوحة ذلك الطفل الباكي، وقد قُتلت عائلتها وهُدم بيت أهلها فتشرَّدت روحها قبل جسدها، تلك الذوائب لم يعد من يرجِّلها، وتلك الحبيبة الصغيرة أم أبيها لن تتغنج بعد على أبيها…

وكم مثلها طفلةً وطفلاً تحت ركام الحدباء والبيوتات الموصلية المهدومة التي تواطأت عليها قنابل هدرت ونزلت لتحيل الأرواح والأجساد أشلاء متفرِّقة.

وكم من طفلٍ لسان حاله يقول:

أنا الطفل المعذب أنقذوني ..

خذوني أسعفوني أطعموني ..

ألاقي الموت حينا بعد حين …

وآهاتي تزيد من الأنين

أنا طفل صغير في العراء

فبيتي خيمتي ثوبي غطائي

تنام العين في وسط المساء

وحتى الفجر ما تغفو عيوني

 

وماذا بعد تيك الصورة؟

لم تأخذ صورة طفلتنا حقها قضيةً ومظلمةً ورعايةً، لقد سيقت هي ومثيلاتها إلى الخيم التي هي كالزمهرير في الشتاء، وكالتنانير في الصيف.

ثم غابت تلك الطفلة عن مخيلتنا وبقيت لوحة الطفل الباكي لم تغب، فأثبت جيوفاني صدق ريشته.

 

ميزانيات وثروات مهدورة

من جهة أخرى، وباعتبار أنَّ الإعلام يجب أن يكون له قضية فإنني أُعرِّج على موضوع الفضائيات التي تقوم بتنظيم برامج مسابقات الأغاني للأطفال، وتصرف ميزانيات مهولة عليها، حسبك منها أنَّ الفائز الأوَّل يستلم 50000 خمسين ألف دولار!

وهناك فضائيات ترصد ميزانيات كبيرة جداً لبرامج رمضان المتهالكة على الفساد بكل أنواعه.

ومرة أُخرى أقول: أين هذه الفضائيات من ريشة جيوفاني وقد تهيَّأت لها ما لم تتهيأ له؟!

ولو جرى في أوربا ما جرى على خمس عواصم سُنية لرشَّدت تلك الأموال ليتامى وأرامل تلك العواصم المنكوبة بسبب المناورات الداعشية الماعشية على أرضها لتمكين الخامينئية في حكمها!

لكن لا قضية ولا هوية لتلك الفضائيات غير ما رُسم لها في الغرف المظلمة، على أنَّ أغلب الذين يديرونها شيعة مؤدلجين، ولا يخفون هويتهم.

 

2020/7/9

 

 

[1].أخرجه أحمد في المسند، وهو حديث حسن

اظهر المزيد

‫11 تعليقات

  1. نحتاج لكل شي يجسد ويُمثل ويصور ويؤرّخ ويوثق قضيتنا نحن سُنة العراق، كي لا ننسى.
    ابوساريه

  2. نحن اعتدنا على التفاعل والتأثر القابل للذوبان حتى وان آلمتنا صورة فتاة الموصل الحزينة سرعان مانغلق صفحتها ونقفز لخبر آخر
    المفهوم الساري في مجتمعاتنا للأسف : اللهم نفسي
    وما درينا أن ماطال بني جلدتنا امس سيصلنا وربما لن نجد من يوثق حتى صورنا المؤلمة آنذاك😐

  3. هكذا حال المشاريع الربانية تنطلق من الواقع كفكرة تسلب لب بعض افرادها فإذا رعوها حق رعايتها نبتت واورقت وقوتها من ذاتها ونجاحها من ربانيتها ولا من مدافع عنها ولا من مساند الا ما رحم ربي ووفقه لحمل رسالة الامة المسلمة وامانة الدين القويم.
    جزاك الله خيراً دكتور شخصت ونصحت…..

  4. نعم يا سيدي هذه القنوات ترسم في دهاليز الوطنية وخرائب الاخونجية التي يصدق فيها قول المتنبي :
    ما لجرح بميت ايلام
    ولكن لنا جيل من ابناء التيار لهم ريشة ترسم وابدااع كتم عليهم آبائهم ان ينشروا على مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات والعجيب ان الامة تنشر في الفوضى الخريفية التي عملتها ايران وذيولها فتنطلق الريشة فنا وشعرا ونثرا فتطلق من المغرب العربي ويتداولها المشرق العربي بكل حماس ومقال الريشة كان ريشة لامست علة المثقف السني وهيجت سؤالا اليما لم عجز الثقة في وقت نحتاجه به ريشة للهوية.

  5. فكرة إبداعية بكل ما تحملها الكلمة من معنى لو وجدت لها جيوفاني سُنّي وإلا فنحن لها إن شاء الله تعالى

  6. لا بد أولا من معالجة حالة مرضية أصابت أهل السنة وباتت معقدة.. ألا وهي الخجل من الإفضاء بهويتهم وإبرازها، مع إن قلة من الناس قد تماثلوا للشفاء، لكن متأخرا، “وأن تأتي متأخرا خير من ألا لا تأتي”
    والسنة مهوَّمين من فترة طويلة، بل إن رقدتهم أثقل من تهويمة خفيفة!
    والنوم هذا لا يغير من الحال شيئا.. بل لا بد من صحوة كبيرة.

    بالتالي.. فالتجسيد الفني لا بد أن يتبعه تدويل حتى تتناسق الجهود وتثمر.

  7. جزاك الله خيرا الشيخ // جار الله الملا خضر
    هذه الطفلة الموصلية الباكية تمثل جيل سُني قد دمرت عوائلهم ومساكنهم
    والحل الوحيد الثبات على قضيتنا السُنية وتوثيق كل المجازر التي حدثت لأهل السُنة في العراق فهي مجازر لاتعد ولا تحصى لربمى ليست فقط طفلة باكية وإنما اطفال بكات قضيتنا عظيمة جدا وطريقنا عظيم لكل فرد في التيار السُني ريشة يوثق بها قضيتة .
    🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
    الحمد لله رب العالمين
    🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
    🌿#التيار_السُني_في_العراق_ يمثلنا 🌿

  8. هل من يرسم مئآسي أهل السنة
    أين البواكي لأهل السنة
    أين الفنانين. من أهل السنة
    أين المواهب السنية
    وأين وأين ووو!!!
    نعزي أنفسنا أولا ونقول
    ليس لها إلا أهلها امثال،
    شيخي الملا خضر أصحاب القضية هم من يحفز هذه الأمة الخالدة على توثيق مئآسيها وهو جزء من تصحيح مسار ها .
    وفقكم الله شيخنا الغالي

    1. اليوم أهل السنة في الأمة الغائبة ينتظرونكم أيها الجيل الجديد “التيار السني” الذي يحمل هم الدين كمنهج إيمان وقضية و عبادة ونصرة وفكر رشيد بمشروع رباني عظيم وفهموا أن الدين عمل تطبيقي على أرض الواقع أمام التحديات المتعددة الالوان والاشكال بدايتاً من التشيع الفارسي الى الفكر السني الذي يعمل بمنهجية بشرية صنعها لنفسه وأ بتعد عن مسار القرآن والسنة والواقع
      جزاك الله خيرا أستاذ جار الله الملأ خضر مقالة تهدف نحو قضيتنا ومشروعها السني

  9. جزاك الله خيرا.شيخ .رسمت فاجدت.
    جميل هي هو ربط الصورة بالحدث واستغلال الحدث للقضية فيكون إستغلال الحدث أفضل من الحدث ..
    ومابين الصورتين.. أي صورة طفل أوربا وطفلة السنة الموصلية. فرق كفرق الحدثين فالنتائج ثمرة المقدمات.. أوربا انتفاضة أمة والموصل استغاثة أفراد وغيبوبة أمة فمتى مااستطاع الأفراد أن يصحوا أمتهم ابتسم أطفالهم وبكت غربان خرابهم..
    والجبال قامت بحبات الرمال..

  10. بارك الله في مداد قلمك وزادك الله من فضله.
    تخلد مآثر الأمم بين أثر مرئي وتاريخ مقري. وحياتنا بين دفتي صحيفة تلف سطورها ويبقى أثرها ويرسم خط بيانها إلى الجنة فتسعد أو الجحيم فشقى.. (سنكتب ماقدموا وآثارهم وكل شيء احصيناه في إمام مبين).
    ومن دعاء المؤمنين (واجعلني للمتقين إماما). فامامة المتقين بحاجة لتراث نقي صاف لامع كلؤلؤ والمرجان ولاشك أن ذلك في عمق البحر وللبحر مخاطره. وللشجاعة أبطالها.
    فلا فض فوك أيتها الحرة الأصيلة وانت تزاحمين غيارى الأمة لإاماطة الأذى الذي لحق بتاريخنا وتراثنا وازلة القذى من عيون المخدوعين بالتاريخ والأثر المزور لغربان الخراب الفارسي والخنزير اليهودي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: