التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات أخرى

الكضيّة والتّجارة

الحقوقي: أ.معاوية الميلب

ما يعرفه عامة المسلمين والعرب أن نتيجة للإحتلال الإسرائيلي والحصار الذي فُرض على فلسطين عموما وعلى قطاع غزة بالأخص فإن كثير من الفلسطينيين يعيشون حياة رديئة ومنهم أهل غزة، الذين يعانون من انخفاض في مستوى الدخل، وشهد العام الماضي أدنى مستوى دخل لهم على الإطلاق.

قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس منذ فترة ليست بالقليلة، هذه الحركة التي تأسست في عام ١٩٨٧، وتعرف نفسها على أنها حركة تحرر وطني ذات فكر إسلامي وسطي معتدل، تحصر نضالها وعملها في قضية فلسطين، ولا تتدخل في شؤون الآخرين.[١]

تقرير إخباري

بعث لي الشيخ “عبد الغني شيت الموصلي” قبل عدة أيام تقريرا أعدته وكالة “ستيب الإخبارية” على منصة “اليوتيوب” تحت عنوان “في غزة الغارقة بالموت.. قصور ورغد عيش لقادة حماس، هل تعرف كم ثروة إسماعيل هنية وخالد مشعل؟”
عرض التقرير أرقاما مليارية مهولة وتكلم عن (١٢٠٠) مليونيرا من قادة حماس من صفها الأول والثاني، وعلى رأسهم رئيس المكتب السياسي في الحركة “إسماعيل هنية” الذي تبلغ ثروته أربعة مليارات دولار بحسب الوكالة المذكورة، وكذلك القيادي البارز “خالد مشعل” الذي يتحكّم بملياري دولار، وتقول الوكالة أن هناك معلومات تفيد أن ثروته تقدَّر بخمسة مليارات دولار.
وفي سرد لسيرة حياة “هنية” تقول الوكالة أنه ينتمي إلى عائلة فقيرة من اللاجئين شمال قطاع غزة، وأنه إلى حد عام ٢٠٠٧ كانت هذه حالته، وكذلك حال “خالد مشعل” إلى حين صعودهم لدفة قيادة حماس!
فلا أعرف ماذا تسمى حالة الصعود المالي الكبير والمريب ورغد العيش لقيادات حركة تدَّعي أن قضيتها قضية الأمة الإسلامية والعربية، وأن لا قضية سواها، وإن على كل المسلمين والعرب ترك قضاياهم والتوجه لفلسطين لتحريرها، أو دعمها ماليا -وأعتقد أن الأخير هو المطلب الأول والأخير- وتدَّعي كذلك أنها تريد تحرير بلادها من عدو يحتل أراضيها من عشرات السنين في حين مواطنوها يشكون العوز والفقر المدقع والجوع المذل؟!
ألا يمكن تسمية هذه الحالة بالإتِّجار بالكضية الفلسطينية؟[٢]

الرسول يمنع الإتِّجار بالقضية
عن أبي حُميد الساعدي قال: استعمَل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلاً من بني أسد يُقال له: ابن اللُّتْبيَّة -قال عمرو وابن أبي عمر: على الصدقة- فلمَّا قَدِم، قال: هذا لكم، وهذا لي أُهْدِي لي، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر، فحَمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: (ما بال العامل نَبعثه فيأتي، فيقول: هذا لك وهذا لي، فهلاَّ جلَس في بيت أبيه وأُمِّه، فيَنظر أيُهْدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأتي بشيء إلاَّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَر)، ثم رفَع يديه؛ حتى رأَيْنا عُفْرتَى إبطَيه: (ألا هل بلَّغْت؟!)ثلاثًا.[٣] يقول الشيخ عبد الغني شيت الموصلي: “هذا الحديث يؤصل لدليل سد الذرائع” إ.هـ.
وتجّار “الكضية” ها هنا استغلوا القضية الفلسطينية وجعلوها ذريعة لجلب المال من دول إسلامية وأخرى غير إسلامية[٤]، ومن المنظمات والشعوب المتعاطفة مع القضية وذلك للإثراء الشخصي، لكن الإثراء على حساب قضية مهمة مثل “القضية الفلسطينية” يشتمل على مفسدة كبيرة، وإن كثير من الناس سيتخلون عن هذه القضية بسبب هذه المتجارات.

إنها فتنة الدولارات التي سال لها لعابهم!
حركة حماس واقعيا أصبحت مؤسسة اقتصادية تبحث عن المشروع الرابح، حتى ولو كان في حضن إيران، وقد فعلت منذ بدايات تأسيسها وإلى يومنا هذا، ولا أعتقد أني أتجنى عليها إذا ما قلت أنها ستستثمر في إسرائيل إذا ما تسنى لها ذلك.
وبالتالي فإن “القضية الفلسطينية” صارت عبارة عن مشروع تجاري بالنسبة لكثير من القادة الفلسطينيين الذين يعملون تحت لواء ما يسمى “الجماعات الجهادية”، وأصبحت مطية لركوبها والوصول على ظهرها لغايات خاصة بالنسبة لكثير من الدول التي تتبجح بالدفاع عنها مثل “إيران وتركيا” ومشاربهما الفكرية في المنطقة.
فمن المشرب الذي تاجر بنفس القضية في العراق؟
ألم يكن الحزب الإسلامي التابع ايديولوجيا لجماعة الإخوان المسلمين؟
الحزب الذي تاجر طويلا بقضية أهل السنة في العراق، كما تاجرت حماس في قضية فلسطين، وكما فعلت حركات وأحزاب جماعة الإخوان في بقية الدول العربية.
فأين وصل العراق اليوم بعد هذه المتاجرات؟

الشعب الفلسطيني لا يستحق كل ما يحدث له من متاجرة في دمه وماله، فهو شعب له قضية عادلة لا بدَّ لها من قادة يخافون الله فيما يفعلون، أما إذا ما بقيت هذه الطبقة الإرتزاقية التي تتعاون مع إيران تتحكم في قضيتهم فستفلت الزمام من أيديهم، وسيندمون كثيرا، هذا فضلا عن التبعية والتحول الديني الذي من الممكن أن يضرب نسيج المجتمع الفلسطيني، بل وضرب فعلا بتشيُّع كثير من الفلسطينيين في الآونة الأخيرة بسبب علاقة “الأبن البار حماس بالأب الروحي له الخميني” ألم يقل خالد مشعل ذات مرة في إحدى زياراته لإيران: “إن حماس هي الإبن الروحي للإمام الخميني”؟
فليس من مصلحة الشعب الفلسطيني توزيع ولائاته، لدول ومشاريع فكرية أصبحت غير مرحب بها في المجتمع العربي.
يدهم بيد إيران ويريدون من أهل العراق وسوريا واليمن ولبنان والأحواز ودول الخليج العربي أن يقفوا معهم، ويعدون أي قضية غير قضيتهم إنما هي توهم!
ألم يخجلوا من ملايين القتلى والمهجرين والمعتقلين، الذين كانت إيران خلف قتلهم وتهجيرهم واعتقالهم؟
ألم يخجلوا من مئات الآلاف من الأرامل والأيتام؟
لا أعرف كيف ستُحرر فلسطين مع هذا التيه والتمييع في الدين والثقافة وهذه المهاترات والمتجارات البشعة؟!

2020/7/25

________________________________

١. الموقع الرسمي لحركة حماس.
٢. الكضية: هكذا تُلفظ كلمة “القضية” في اللهجة الفلسطينية، حيث يقلبون القاف كافا.
٣. أخرجه البخاري (١٥٠٠) واللفظ له، ومسلم (١٨٣٢).
٤. كإيران مثلا، فإيران بالواقع لها دينها، أي بمعنى أنها غير إسلامية، لكن الإسلامويين أدخلوها في المنظومة الإسلامية، كما أدخل القوميين الشيعة في المنظومة العربية.

اظهر المزيد

‫6 تعليقات

  1. مشكلة الأخونة أن الدين كله متغييرات.
    وأن عندهم فتوى في الكذب.
    وأن المال السياسي ليس عليه حرج شرعي!

  2. بارك الله بك اخي معاوية على هذه المقالة الرائعة.. ويا ليت القوم اكتفوا بمهنة التجارة بقضيتهم التي ادرت عليهم المليارات .. فقد باتو يتقنون مهنة الدياثة السياسية على بلداننا واوطاننا ليكونوا بفكرهم الخارجي وعمالتهم اخصب تربة تغري الفرس والترك لزراعة الادغال والنبتات السامة في بساتيننا الخضراء ,, نعم هناك فترة استغل الاخوان فيها حب الناس للتدين فانخدععو بدعوتهم .. ولكن بعد ان انكشفت علاقتهم مع ايران وولاءهم للتركي فان من لا يزال يؤيدهم لا يعدو ان يكون واحدا من اثنين .. اما ان يكون مستفيدا ولا يجرؤ على معارضتعم فيفقد امتيازاته التي اعطته اياها جماعته او جاهلا ساذجا لا يدري كوعه من بوعه في عالم ملؤه التوجيه المؤدلج والممول بملايين الدولارات لقنوات كالجزيرة وغيرها همها نشر ثقافة الفوضى في بلداننا الامنة واستهداف الدول التي كانت ملاذا امنا لهم في يوم من الايام .. ولكن ها هي تباشير اليقظة تلوح في الافق .. فبعد السعودية والبحرين ومصر والامارات ها هي المملكة الاردنية تقرر مكافحة هؤلاء الشراذم وتغلق مكاتبهم في الاردن -الذي توسط ملكه الراحل الحسين رحمه الله بنفسه للحصول على المصل المضاد للسم الذي حقن به خالد مشعل في عام 1997- ليصفهم الملك عبدالله (بالذئاب في ثياب حملان) .
    لقد فظح الله الاخوان المفلسين في كل دولة اخرجوا رؤوسهم فيها وبانت عوراتهم بعدما كانو مستترين في سراديب العمل السري والزوايا المظلمة وما احسبها الا تمحيص للصفوف وتطهير للافكار وتهيـئة ارضية الركائز والدعائم للتستقبل مجتمعاتنا وتحمل اركان الفكر السني القادم باذن الله .

  3. تجار القضية الفلسطينية هم كثر وأخطرهم على الاطلاق حماس الذراع الايراني الثاني في المنطقة بعد الحزب في لبنان
    واقولها بكل ثقة : لن تتحرر القدس قبل تحرير غزة كما أنها لن تتحرر فلسطين قبل ازالة حزب الاحتلال الايراني في لبنان،
    أما عن الاموال المنهوبة باسم القضية فالجمعيات التي تسمى خيرية مساهمة بشكل كبير بهذا الامر ومن المضحك المبكي أن يحاصر ملايين السنة في سوريا والعراق ويمنع عنهم ابسط متطلبات الحياة ولا نجد تلك النخوة والغيرة والحماس في مساعدة اولئك الذين جوعهم راعي حماس

  4. مقال و معلومات، تدلل على انتباه ودقت الكاتب للمسار الصحيح في المشروع السني موفقين أستاذ معاوية.
    اماموقف أهل السنة من حماس الشيعية؟
    كيف خدعة المؤسس العسكرية الشيعية حماس الفارسية(الجمهور السني)
    النائم على اذانه،
    السبب المسار الخطئ في كل مؤسسات أهل السنة ،
    العسكرية أو السياسية وكذالك الدعوية أو الاسعافيه الاغاثيه……..
    التوفيق للجميع

  5. لا أقول الا ما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث كعب بن مالك الأنصاري رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلـم قال: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ»[1].

  6. أرجو أن يطلع الدكتور طه إ على تعليقي الذي جاء في فقرتين ولم يتم نشرهما كما لم يتم الرد من خلال الإيميل مع الشكر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: