التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

أزعومة الشعوب الآرية أو الهندو أوربية

هم يكذبون .. ونحن ندفع الثمن ..!

د. طه حامد الدليمي

من الأساطير التاريخية أزعومة عرقية راجت تحت اسم (الآرية أو الهندو أوربية). وهي مخترع تاريخي لا دليل عليه البتة سوى الزعم والدعوى، صنعته – كما صنعت أزعومة (السامية) – مخيلة اللغويين الألمان منتصف القرن التاسع عشر واشتقوا لها اسماً من اسم (إيران)؛ وذلك كله لغايات استعمارية برزت في العهد النازي، وفي مقدمتها السيطرة على (طريق الحرير) والخط الشمالي لنفط المنطقة([1]). وقد بحثوا عن أدلة عليها فلم يجدوا سوى ثلاث كلمات مشتركة بين الألمانية والفارسية، أسفر التحليل اللغوي عن أنها عربية الأصل!

أصل الأزعومة

يقول عبد الستار نور الدين: يمثل القرن التاسع عشر بداية ظهور مفهوم تفوق العرق الأبيض على غيره من الأعراق. ظهرت الفكرة في أوروبا في خمسينيات القرن، وكان أول من دعا إليها الدبلوماسي الفرنسي “آرثر دي جوبينو – Arthur de Gobineau”، مدشنًا سلسلة لا نهائية من النظريات والممارسات العنصرية في أوروبا الغربية.

خلَف (آرثر) السياسي الألماني “هيوستن تشامبرلين – Houston Chamberlain”، والذي يُعتبَر أول من استخدم مصطلح (الآري) ليشير به للعرق الأبيض، ونُسِب لهذا العرق الفضل في كل التقدم الذي أفاد الإنسانية… ثم ذهب تفكير البعض إلى أن تلك القبائل التي تنقلت بين أوروبا وآسيا هم الآريون. وفي النهاية نصل إلى أنه تم تمرير فكرة أن القبائل الآرية القديمة التي احتلت شبه القارة الهندية كانوا من الأوروبيين، تلك القبائل المتطورة التي شكَّل أدبها ودينها وأنماط التنظيم الاجتماعي لديها لاحقًا مسار الثقافة الهندية.

وبطبيعة الحال، كلما كان الشيء قديمًا أكثر، يُعتقَد أنه أكثر شرعية وأكثر تفوقاً، فالقبائل الآرية انتقلت إلى الهند منذ 1500 عام قبل الميلاد. وهنا، نصل إلى محاولة ستر هذه المزاعم العنصرية بساتر شرعي تاريخي، وتمريره بسهولة للعقول؛ فهذا العرق قديم وعتيق جدًا، وبالتالي، له اليد العليا على باقي الأعراق.

اتجهت بعض العقليات المتطرفة إلى اعتبار العرق النوردي (سكان الشمال) والجرماني (سكان وسط وجنوب أوروبا) هم أنقى وأفضل أبناء العرق الآري. ومن هنا، أعلن الألمان – باعتبارهم أبناء العرق الجرماني- أنفسهم أحفاد السلالة الآرية النبيلة القديمة، وأعطوا لأنفسهم أحقية كاذبة في قيادة القارة الأوروبية، ومن ثَمَّ، العالم.

تنقلت تلك الادعاءات حتى وصلت لمسامع (أدولف هتلر) واعتنقها، بل وحارب من أجلها ومن أجل سيادة هذا العرق الآري، وبرر لتلك الغاية إبادة كل ما هو (غير آري)، وغيرها من الأفكار المسمومة التي ساهمت في إشعال حرب عالمية ثانية راح ضحيتها أكثر من سبعين مليون إنسان!

ومع ذلك، ومنذ أواخر القرن العشرين، بدأت بعض الأصوات العاقلة برفض كلٍ من: فرضية الغزو الآري، واستخدام مصطلح (الآرية) كتسمية عرقية. وواجهتهما بحقيقة هذه التسمية، وأنها تسمية عنصرية اجتماعية بدلًا من كونها لقباً عرقياً كما زعموا([2]).

إن هذا السرد التاريخي يبدو أقرب للمنطق إذا طبقنا الأدلة التاريخية والآثارية والحضارية واللغوية فضلاً عن الدينية؛ فجزيرة العرب موطن الإنسان الأول ومنبثق الحضارة ولغتها العرباء أصل لغات العالم. ومنها انساحت أنسال البشرية إلى مختلف جهات الأرض حاملين معهم لغتهم وحضارتهم ومنجزاتهم، وليس العكس بأن تكون الشعوب الآسيوية أوربية الأصل. الأصل لا يعود فرعاً لفرعه، كما أن الفرع لا يكون أصلاً لأصله.

وبهذا يتبين أن مصطلح (الآرية) مصطلح عنصري، يرتبط بالتاريخ ارتباطاً أسطورياً لا علمياً، وغاياته نفعية استعمارية لا جذور لها سوى التلاعب اللفظي.

اللغة تكشف الزيف وتثبت الحقيقة

لقد أبطل المؤرخ السوري المعاصر د. أحمد داود تلك الدعوى الاستشراقية في اختراعها مصطلح الجنس الآري (أو الهندو – أوربي) وإشاعتها أن لغة الفرس (هندو – أوربية) استناداً إلى ثلاث كلمات مشتركة بين الفارسية والألمانية والإنجليزية. يقولون: إن كل الشعوب الهندو – أوربية يشتركون بهذه الكلمات الثلاث:

أُم Mater بالانجليزية الحديثة  Mother
أب Vater بالانجليزية الحديثة   Father
جسر Ponton بالإنجليزية الحديثة Ponton

تخيلوا!

يقول د. داود: الحقيقة أن هذه الكلمات الثلاث عربية الأصل. ولها اشتقاقاتها التي تكشف عن أصلها في لغتنا. بينما لا يعرف أحد في الغرب كيف أتت هذه الكلمات إلى لسانهم؟ ولا ما هي أصولها؟

  1. إن كلمة (Mater) لغة عربية سريانية قديمة. والكلمة من العربية القديمة (مات)، وتعني (الرحم، الأم، الخصب). ولاحقة (er) فتعني في العربية قديمة اسم الفاعل.
  2. وكلمة (Vater) تعني: المخصب، ومنه اشتق معنى الأب الوالد أي المخصب. وقد كان الفينيقيون يلفظون الفاء ( F) بصوت P.
  3. أما كلمة (Ponton) فعربية الأصل أيضاً، فينيقية الفرع، وتعني: المعبر، الجسر، الممر، المضيق، القنطرة. لهذا كان العرب يطلقون على البلاد التي تطل على مضيق باب المندب (بلاد بونت). وكانوا يأتون بالبَخور والمر من بلاد (بونت)، أي جنوب شبه الجزيرة العربية.

إلى أن قال د. داود: إذا كان جهابذة مخترعي النظرية الآرية يعتمدون على هاتين الكلمتين من الهند إلى إيطاليا دون أن يعرفوا لهما أصلاً أو اشتقاقاً أو معنى، فماذا يمكن أن يقول العربي إذن، الذي يجد في كل من الفارسية والهندية والتركية ثلاثة أرباعها من العربية القديمة أو الحديثة، وإن في اللغات الأوربية جميعاً من الكلام العربي القديم والحديث ما تزيد نسبته عن النصف؟ أما الإغريقية القديمة والإيطالية القديمة، فهي – في مجملها – العربية الفينيقية كما أثبتت جميع الدراسات الجادة والموضوعية اليوم([3]).

وفي محاضرة له يقول د. داود عن هذه الدعوى: لو نظرنا إلى القاموس الفارسي نجد أن (90%) من قاموس اللغة الفارسية هو عربي: إما عربي فصيح أو عربي سرياني، وقد دخلت عليه بعض الكلمات من لهجات قبلية بدائية شمالية شرقية، كالمغولية والأردية. أما نسبة الكلام العربي من سرياني (أو ما يعتبرونه آرامياً) وفصيح فهو يشكل ما نسبته 90%.

وهنا تناول د. داود القاموس الفارسي وقرأ شيئاً منه، وكأنه يقرأ كلاماً عربياً مع شيء من التحوير. وقال ساخراً من دعوى المستشرقين الغربيين القائمة على ثلاث كلمات فقط: نحن لا نفتش عن كلمتين أو ثلاث في قاموس اللغة الفارسية، بل عن تسعين في المئة من مجمل قاموس اللغة الفارسية. ثم عقّب مباشرة فقال: إذا كانت اللغة هي التي تحدد التاريخ كما يقول اللغوي الألماني (ﮔريم)، ما الذي يمكن أن يقوله العرب إذن عن هؤلاء الذين تسعون بالمئة من لغتهم عربي، ويفهمه أي عربي حينما يقرأه؟!([4]).

7 آب 2020

_________________________________________________

[1]–  تاريخ سوريا الحضاري القديم (1- المركز)، ص668، د. أحمد داود.

[2]– عبد الستار نور الدين، مقال على موقع (الجرعة اليومية من العلوم)، الرابط:

(https://dailydoseofscience.net/true-aryans-who-were-they-really-and-how-were-their-origins-corrupted/).

[3]– تاريخ سوريا الحضاري القديم (1- المركز)، ص672-674، بتصرف.

[4]– الحلقة العاشرة من محاضراته على اليوتيوب، بعنوان (تاريخ الحضارة – التاريخ الحقيقي للعرب).

اظهر المزيد

‫3 تعليقات

  1. 🌱🌱جزاك الله خيرا // شيخنا العزيز 🌱🌱
    مقاله تعبر عن مدى نُبل لغتنا العربية وانها اصل كل لغة على الأرض
    لقد كرمنا الله تعالى بالقران الكريم الذي هو اصل الغة العربية ومنهاجنا في الحياة وسُنة نبينا محمد النبي العربي الأمي (صلى لله عليه وسلم)
    والحمد لله الذي من علينا بنعمة البصيرة ونسال لله الثبات
    🌸الحمد لله رب العالمين 🌸

  2. بالفعل هذه النظريات والمؤامرات المتسترة برداء العلم إنما كانت تخط ويروج لها لخدمة أهداف أخرى غير ما تبديه أو تبدو عليه.. وهي بالرغم من رواجها الشديد حتى غدت احدى المسلمات التي لا مجال للشك فيها لا تصمد أمام البحث العلمي!

  3. سبب التحريف في معالم الحياة الدينيّة كانت أو الدنيوية، ونحرافهاعن السكه؟
    جمود العلماء على نصوص الدين وعدم الحركة وإلغاء الفكر الرائد في تصحيح المسارات ومطا ردت المجددين، الذين يصلحون مائفسد الناس.
    وجزا الله الشيخ على مايقدم من تصحيح مفاهيم غابة على كثير من اعلام هذه الأمة الغارقة، سدد الله الجميع على طريق التصحيح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: