التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

نحن سنةٌ عقيدةً .. فهل نحن سنةٌ ثقافةً ؟

د.طه حامد الدليمي

 

من مظاهر غلبة الثقافة الشعوبية الفارسية على الثقافة العربية هذا الدفاع الذي نواجه به من قبل الشعوب العربية عن الفرس دون باقي القوميات. لا أقصد الأحزاب (الإسلامية) فحسب، إنما عامة الجمهور السني الذي لا يفرق بين الحقائق الماثلة على شاشة الواقع، من أن لكل شعب خصائصه أو صفاته المميزة له عن غيره، والتي تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل. فللعرب خصائصهم وللترك خصائصهم وللفرس كذلك… وهكذا.. وبين الأوهام المعشعشة في العقول المبرمجة.

وإذا غادرت الواقع المنظور لتتلمس الحقيقة في النص المقروء فإنك ستجدها، مثلاً، في هذا النص الوارد في (الصحيحين) وغيرهما من رواية أبي هريرة عن معلم البشرية صلى الله عليه وسلم، إذ يقول: (الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا). فالإسلام لا يغير المعدن وإنما يصلحه ويحسنه. ويبقى الناس معادن مختلفة، ولكل قوم معدنهم الذي يمنحهم خصائصهم وصفاتهم المميزة لهم عن غيرهم.

هذا مع أنه لم تسئ للإسلام والعرب في تاريخهم أمة كالفرس! لكن جرب أن تقول بين الجمهور، الذي هو سني العقيدة: فعل الانجليز كذا وكذا واشتمهم وحذّر منهم. واشتم الفرنسيين والإيطاليين والأميركان.. لن تجد من ينكر عليك كما لو حذرت من الفرس وأشباههم ودسائسهم وما فعلوه بالأمة قبل الإسلام وبعده حتى اللحظة.

يقول المعترضون: “في الفرس مسلمون”. وكأنه ليس في الانجليز والأميركان وأشباههم مسلمون! وفيهم مسالمون كذلك. نحن لا نقصد المسلمين ولا المسالمين إلا من لم يتغلب إسلامه على معدنه وعنصريته. ويقولون: “هذه عصبية جاهلية”، ويغيب عن بالهم أننا نتكلم عن تاريخ قرأناه وواقع عشناه. وما نقوله ردة فعل وانعكاس ثانوي للفعل الابتدائي.

جميع الفرق الضالة مصدرها فارسي

نستطيع القول بلا حرج أن جميع الفرق الضالة – ربما دون استثناء! – في تاريخ الإسلام كان مؤسسوها من الفرس. لكن الإعلان عنها يكون من أرض العراق لسببين:

  1. مركزيةُ العراق آنذاك في قيادة الأمة جمعاء.
  2. وقربُ العراق من فارس. وهذا مؤشر أصيل على زيوفة المعدن الفارسي إلا القليل.

إليكم بعض هذه الفرق الفارسية التأسيس والمنشأ، والتي مارست دورها في تطويع الثقافة العربية السنية للثقافة الفارسية الشعوبية، وميلها الجمعي اللاواعي للفرس:

الجهمية، المعتزلة، الخوارج، القدرية، الجبرية، المجسمة، التناسخية، الحلولية، الثنوية، المنصورية، الخطابية، الكيسانية، الجارودية، الغرابية، السبعية، القطعية، القرامطة، الحشاشون، الواقفية، الناووسية، البزيغية، الفطحية، الواقفة، الهاشمية، إخوان الصفا، الإسماعيلية، الاثني عشرية، الشيخية، البهائية، القاديانية، العلوية، الدروز، النزارية، البهرة، العلي إلاهية، الفاطمية… وفرق أخرى يصعب الإحاطة بها.

هل اليهود استحدثوا هذه الفرق أو ما يوازيها؟ أم الأمريكان أم الإنجليز؟

فإن كان ما نقوله حقيقة فما ذنبنا فيما نقول؟

الفاروق يحمل راية التحذير

لسنا بدعاً من رجال الأمة الذين حذروا من الفرس وسموهم باسمهم وحذروا منهم، وأولهم الفاروق عمر رضي الله عنه. خذ هذه النظرات البعيدة الثاقبة حول النشاط العسكري ومآلاته المستقبلية، ومعرفته الدقيقة بالشخصية الفارسية، وذلك على سبيل التمثيل لا الاستقصاء:

– موقفه المتوجس من التوسع في الفتوحات، الذي يصل حد التعارض. على العكس من شغف القادة العسكريين كابن الوليد وابن العاص به.

– نهيه الصحابة عن التزوج بغير المسلمات.

– قوله المأثور عنه: “يا ليت بيننا وبين فارس جبلاً من نار”. وقوله الآخر: “احذروا الفرس فإنهم غدرة مكرة”.

– نهيه الصحابة عن استقدام العلوج إلى الحجاز.

قارن بين تفكير الفاروق وتفكير الجمهور السني اليوم، خصوصاً قبل أحداث العراق والمنطقة منذ 2003 حتى الآن، واسأل: لماذا؟ وإذا كان الفاروق أحد عمالقة ذلك الجيل الذي أوصانا الله تعالى باتباعه فقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (التوبة:100). فلماذا؟ ثانيةً.

إنها الثقافة المتشيعنة المتشيعبة

إنها الثقافة السائدة في أوساط الجمهور السني عقيدةً، المتشيعن المتشيعب ثقافةً، هي التي توجه الجمهور دون وعي منه وتسوقه هذا المساق، المحفوف بفهوم خاطئة لنصوص صادقة كقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13)، مطعمةً بأحاديث حُبّرت لنا تحبيراً، وتواريخ زورت علينا تزويراً. ولو توقف المسلم/السني قليلاً فتفكر ووعى لكان له فهم آخر، وموقف آخر.

من آثار هذه الثقافة الشعوبية الغالبة على الجمهور السني أنهم يعادون أتباع أمريكا وإسرائيل كعباس وصائب، بينما يعتذرون لذيول إيران والشيعة كمشعل وشلَّح، مع أن إيران والشيعة أشر وأخطر وأضل عن سواء السبيل! هكذا ركب الفرس وشيعتهم ظهورنا على قناطر جمهورنا، وعاثوا في بلاد السنة فساداً، وآخرها كارثة بيروت، والحبل على يد الجرار كما يقولون. وقانا الله شر الأشرار ومكائدهم.

أيها السنة عقيدة، أنتم في حاجة ماسة إلى أن تكونوا سنة ثقافة

أيها السنة عقيدة، أنتم في حاجة ماسة إلى أن تكونوا سنة ثقافة؛ فبالسنية المتكاملة عقيدة وثقافة.. بها وحدها تكونون سنة حقيقة. وتحمون قناطركم من أن يمتطيها قردة الشعوبيين إلى ضفتكم.. الضفة التي طهرها ومهدها لكم صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وتركوها وديعة عندكم: جيلاً بعد جيل.

 

12 آب 2020

 

اظهر المزيد

‫8 تعليقات

  1. ياترى كم من الاوقات والمجهودات التي بذلها الفرس في تخطيط وتكوين ودعم ونشر هذه الفرق الضالة نوعا وكما .. في المقابل لم يرتق التصدي من قبل السنة لتلك الفرق الى حجم الهجمة سوى مواقف بعض كبار الائمة والعلماء .. اين جمهور اهل السنة مما حدث؟! ولا يزال يحدث ؟! .. اين تخطيطهم وهجماتهم المضادة ؟ . ربما نستطيع ان نضيف اختيار سيدنا عمر لهذا الدعاء “اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة” الى نظراته الثاقبة في ما سيؤول اليه عجز اصحاب الحق واتباع السنة عن الدفاع عن حقهم وسنيتهم .. لانه يعرف القانون الذي يحكم معادلات التغيير والسنن التي لا تحابي احدا..

    1. جزاك الله خيرا شيخنا العزيز
      نعم شيخنا المشكلة متعلقة في ثقافة الفرد المقابل واستيعابه للتجديد وتكوين ثقافة تكمل ما تعتقدبه في سنيتك وانه لك الحق في وضعها هوية تحميك من شرور الفرس وبيان حضارتنا العربية وفخرنا بانفسنا كا سُنة عرب والمشروع السُني بإذن الله وبأننا كا شباب تتغير ثقافة الشيعنة في السنة الى ثقافة متسننة في عقيدة السُنة وصدق الامام عمر (رضي الله عنه) قوله المأثور عنه: “يا ليت بيننا وبين فارس جبلاً من نار”. وقوله الآخر: “احذروا الفرس فإنهم غدرة مكرة

      🌷الحمدلله لله رب العالمين 🌷

  2. جزء من المشكلة يكمن في تقوقع العالم والمتخصص داخل تخصصه مهملا مهمته ودوره المجتمعي..فإن عتب الجمهور على العالم والمتخصص الذي اختار مجالاً ضيقاً وظل يدور في فلكه طوال حياته العلمية فإن عتبه في محله.. فالجمهور يحتاج إلى من يوجهه ويأخذ بيده ويحوّل له العلم الى ثقافة تسري في جسده وتصنع هويته الثقافية التي يتميز بها عن بقية الهويات…
    أما المشكلة الأكبر فحين يكون المتخصص الذي غرق في بحور العلم مصابا بأميّة ثقافية !!

  3. حفظك الله يا دكتور، وامد الله في عمرك .
    لا حرمنا الله مداد قلمك وعلمك…
    مقالك هذا في غاية الأهمية في بناء وتحصين المجتمع السني…
    ..
    نعم قد تركت الكثير من الكلمات بين الحروف وبين السطور تنطق دون ان تكتبها حفظك الله …
    المجتمع السني لو قسمناه بين جمهور وقادة.
    الطامة الكبرى اننا نجد ثقافة الشيعنة اصيب بها قادة السنة اكثر من الجمهور..!! والجمهور يطبل دون تفكر ..!
    وانت هنا حفظك الله اشرت الى الخلل الحقيقي في ثلاث مفاصل ( مفايهم خاطئة لنصوص صادقة، واحاديث حبرت تحبيرا، وتواريخ واحداث زورت)
    اذن التنقيب يكون في هذه المحاور الثلاثة.
    جزاك الله عنا وعن المسلمين كل خير.

  4. والعجيب ان الفرس ان كتبوا لانفسهم أظهروا كوامن خباياهم الفاسدة فمن مصادر التشيع الاربعة الكافي وفقيه ما لا يحضره الفقيه والاستبصار الى زهر الربيع تجد الاباحية الفارسية بارزة في ثقافتهم وان أصعب الكتابات التي تبهرج الفرس هم المتطوعون العرب من كتاب التاريخ والفقه والحديث وعلوم القران والادب ويعود السبب هو المدارس النظامية التي أعدتها الوزارة العباسية في ظل انشغال الحاكم العربي بالتوسع العسكري وترك الامن الثقافي في يد الموالي الفرس حتى استطاعوا ان يطردوا عربيا مثل الامام الغزالي من مدارسهم النظامية .

  5. والعجيب ان القلم الفارسي يترك آثاره الثقافية التي تاباه الطبيعة العربية فضلا عن المسلمة فكتاب الدين الشيعي من الكليني للقمي للطبرسي الى المراجع الشيعية في مسائلها المنتخبة لفقهها تجد فيها من الاباحة ما تعافها النفوس السوية الا ان من زخرف للعرب دين الفرس ورفع قدرهم اولئك العرب الذين دخلوا تحت منظومات المدارس النظامية التي يقودها الموالي ويفكر لهم طواعية عرب استهوته الموالي باسم النصرة لدولة بني العباس التي استوزرت الفرس ولعنوا كل ما هو عربي وسني وما مأساة الامام احمد مع هذه المدارس النظامية عنا ببعيد ومن بعد الامام ابو حامد الغزالي الذي طردوه لمخالفته اهوائهم لقد أنشأت هذه المدارس غماء في التاريخ والحديث والفقه والادب وكآفة العلوم تطعن بالعرب وتعلو من فارس وجعلت العربي يجلد ذاته ويهجر قصره وكل ما في حياته قبر يأوي اليه .

  6. عندما يحمل الفرد السني
    هويته السنية
    وقضيته السنية
    وثقافتة السنية
    وتاريخه السني
    هنا يحرر نفسه من ربقة الشعوبية الفارسية

  7. تغلغلت الشعوبية في أهم موردين من موارد الثقافة : التاريخ والحديث؛ وما لم يتم اعادة قراءة ونقد هذين الموردين ستبقى ثقافتنا متخمة بالثقافة الشعوبية الفارسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: