التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

الأهل وأهل البيت ، والآل وآل البيت .. بين الأصيل والدخيل

د.طه حامد الدليمي

 

أهل الرجل وأهل بيت الرجل

هناك فروق دقيقة قد لا ينتبه لها بين: (أهل الرجل) و(أهل بيت الرجل)، و(آل الرجل) و(آل بيت الرجل):

  1. أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به؛ لذا يدخل فيه الأقارب الأدنون.
  2. وأهل بيت الرجل: سكان بيته وأولهم الزوجة؛ فلا يدخل فيه الأقارب.

وظل الأمر على أصله؛ فحين يقرأ المسلم قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب33)، لا يخطر في باله من معنى لكلمة (أهل البيت) سوى النبي صلى الله عليه وسلم ونسائه وأولاده. حتى إذا ظهرت كتب الحديث، وتسللت إليها تلك الروايات التي تدخل أقارب النبي صلى الله عليه وسلم في معنى اللفظ، تغير المعنى واتسعت دائرته، حتى وصل معاجم اللغة.. فصار القارئ يتصور أن اللفظ يشمل الأقارب أيضاً. لكن حين تعود إلى أقدم المعاجم التي بين أيدينا تأليفاً، معجم (العين) الذي كتبه الفراهيدي المتوفى سنة (174هـ)، لا تجد فيه هذا التخليط. وهذا يبين دور الحديث الضعيف في تسلل المعنى إلى لغة العرب حتى اقتحم معاجم اللغة!

ثانياً : آل الرجل وآل بيت الرجل

أما آل الرجل: فمن يؤول إليه – أي يرجع إليه ويتعلق به – لسبب ديني أو نسبي أو اجتماعي كالعشيرة والأقارب والزوجة. لكن (آل الأنبياء) هم من يمت إليهم لسبب ديني فحسب، وهم الأتباع. فليس آلهم أقرباءهم أو أزواجهم ما لم يتبعوهم في دينهم. وإلا كان كفار آل النبي صلى الله عليه وسلم داخلين في مقصود المصلي في الصلاة الإبراهيمية. لهذا قال نشوان بن سعيد الحميري اليمني، وهو من أئمة اللغة، كما وصفه الشوكاني (نيل الأوطار:2/336):

آلُ النَّبِيِّ هُمْ أَتْبَاعُ مِلَّتِهِ * مِنْ الْأَعَاجِمِ وَالسُّودَانِ وَالْعَرَبِ

لَوْ لَمْ يَكُنْ آلُهُ إلَّا قَرَابَتَهُ * صَلَّى الْمُصَلِّي عَلَى الطَّاغِي أَبِي لَهَبِ

وبهذا وردت لغة القرآن كمال قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) (القمر:33-35). فلم يدخل في لفظ (آل لوط) لا قومه ولا زوجه؛ لأنهم لم يكونوا من أتباعه؛ فلم يكونوا ضمن فريق الناجين؛ فلم يدخلوا في حكم لفظ (آله). وقال ابن منظور في (لسان العرب): الأَوْلُ: الرجوع. آل الشيءُ يَؤُول أَولاً ومآلاً: رَجَع. وأَوَّل إِليه الشيءَ: رَجَعَه. وأُلْتُ عن الشيء: ارتددت. وفي الحديث: (من صام الدهر فلا صام ولا آل) أَي لا رجع إِلى خير، والأَوْلُ الرجوع.

فإن قيل: إن أقارب النبي صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به يدخلون في قول المصلي: (اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد)، قلنا: نعم ولكن بعموم التبعية لا بخصوص النسَبية، وهذا يعم كل مسلم من الأولين والآخرين، ويشمل أقرباءه الآخرين، وليس حكراً على علي وآله. إلا إذا كان (آل محمد) هم (آل علي) حصراً، وبذلك لم يكن لنبينا صلى الله عليه وسلم من آل. وهذا من أفسد ما يقال؛ فإنه يعني أن (آل النبي) سلبوا منه وأضيفوا إلى علي. وأي إساءة مثل هذه الإساءة إلى مقام النبوة!

 

المشمولون بالصلاة الإبراهيمية هم المشمولون بالسلام في التحيات 

وما سبق يتبين بالرجوع إلى أصل (التحيات)، فإن المصلي إذا جلس قبل التسليم قال: (التحيات لله والصلوات والطيبات) ثم أتبعها فقال: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين): فالمذكورون ثلاثة: النبي صلى الله عليه وسلم والمصلي وبقية المسلمين، ولا رابع لهم: لا من الأقارب ولا من سواهم. والثلاثة.

ثم يقول: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد): فأجمل الثلاثة الذين ذكروا في السلام بلفظ (آل محمد). والصلاة قرينة السلام. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الأحزاب:56)؛ فلو كان أقارب النبي مقصودين في الصلاة على (الآل) زيادة على دخولهم في عموم الأتباع لفصّل ذكرهم في التسليم.

إن هذا المعنى الدقيق يخفى على عامة الناس؛ فوجب على العلماء التنبيه والبيان. لكن كيف ومعظم العلماء لا يدركون هذا المعنى؟! وذلك بسبب هذا الخلط الذي تسرب إلى لغة الناس جراء الأحاديث الضعيفة التي يصححها علماء الحديث والفقه لأدنى سبب دون تفكير في العواقب الوخيمة التي تنبني على ذلك.

تخصيص العام لسبب يقتضيه لا يناقض عمومية القاعدة

هذا لا يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يخص بلفظ (آل محمد) أقاربه المؤمنين، ومن تحرم عليهم الصدقة من نسائه وأقربائه، لقرينة تدل على هذا التخصيص استثناء من العموم لسبب خاص يقتضيه. وتخصيص جزء من كل، أو ما اصطلح عليه بلفظ (تخصيص العام) قاعدة لغوية أشهر من أن تذكر أو تحتاج إلى دليل، وتطبيقاتها كذلك. ومعرفة المخصَّص تتم بقرينة تدل على تخصيصه أو استثنائه في هذا الموضع من حكم العام. وبهذا لا يلغي الخاص حكم العام، ولا يلغي العام حكم الخاص في موضعه.

فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله في (الصحيحين): (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً). وفيهما أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم: (لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال). وقوله في الأضحية: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد) رواه مسلم. وقول عائشة رضي الله عنها (في الصحيحين): (ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر).

قال الشوكاني (نيل الأوطار:337): ويؤيد ذلك معنى الآل لغة، فإنهم كما قال في القاموس: أهل الرجل وأتباعه، ولا ينافي هذا اقتصاره صلى الله عليه وسلم على البعض منهم في بعض الحالات كما تقدم، وكما في حديث مسلم في الأضحية: (اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد).

على أنني لا أستبعد أن يكون ذلك من تصرف الرواة باللفظ حسب فهمهم ولغتهم، لاسيما بعد تغير معاني اللفظ بمرور الزمن. ودخول الأعاجم ميدان الرواية من أوسع أبوابه. وقد أجاز علماء الحديث الرواية بالمعنى، ولا بد. ويؤيد ما أقول أن البخاري روى حديث الصدقة بلفظ (إن آل محمد لا يأكلون الصدقة)، بينما رواه مسلم بلفظ (إنا لا تحل لنا الصدقة). ولا شك أن هذا الاختلاف إنما جاء من قبل الرواة، وإلا فإن النبي إما قال هذا أو هذا، أو لفظاً ثالثاً يدل على المعنى حسب اجتهاد الراوي.

لفظ ( آل البيت )

وأما لفظ (آل البيت) فلا أظن له أصلاً في لغة العرب، إنما تسلل اللفظ إلى لغة الناس بسبب الخلط بينه وبين لفظ (أهل البيت). ولو افترضنا أن له أصلاً فلا يتعدى معناه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما لم يتعدَّ لفظ (آل الرجل) إذا أطلق على النبي صلى الله عليه وسلم إلى أقاربه، بينما هو يتعدى إليهم إذا نسب اللفظ إلى غير الأنبياء عليهم السلام.

2020/9/10

 

اظهر المزيد

‫10 تعليقات

  1. جزاك الله خيرا // د. طه حامد الدليمي
    لقد أوضحت لنا فكرة لربمى غابت عن الكثيرين في ما يخص معناها وأصلها في اللغة والحديث والفروقات في اللفظ و الى صلتها الى النبي محمد (صل الله عليه وسلم) ،، فا هذه المقالة حد لمن ينسب أهل البيت على انهم اقارب النبي فكما نعرف ان دين التشيع قد نسب آل علي على انهم أهل البيت وهذه اكذوبة شيعية فارسية
    فكما ذكرت ان أهل البيت هم نساء واولاد النبي محمد
    (صل الله عليه وسلم)
    مقالة ثرية و ضربة قاضية لمن يحرف على هواه وتفصيل دقيق وواضح شكرا جزيلا لحضرتك شيخنا .

    #شمعة_راوة 🕯

  2. قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) (القمر:33-35). فلم يدخل في لفظ (آل لوط) لا قومه ولا زوجه؛ لأنهم لم يكونوا من أتباعه؛ فلم يكونوا ضمن فريق الناجين

    كأني لم أقرأ تفسيرا من قبل ، استشهاد موفق دكتور

  3. مع هذه البينات نتساءل كيف اهتدى الدكتور طه حامد الدليمي الى ارجاع هذه الكلمات الى أصلها القراني وكيف غفل متخصصواللغة العربية ؟!
    حين اقرا الواقع الجامعي اليوم ومنظوماته التي تسجن اي فكرة راقية وتعدم اي راي مخالف فمنظومة التعليم بالعراق لايمكن ان تعطي رسالة تخالف المنظومة الشعوبية تعطي فكرة عربية صافية او شخصية اسلامية سامقة بل تمدح على الطعن بالامة ورجالها ولهذا منذ بدأ تسنم الموالي المدارس النظامية اصيبت العقلية العربية بالعجمة التي تريد ارضاء الوزير العباسي ( المولى ) ونيل الحظوة عنده وبهذا وقعنا بعد عهد في منظومة اعجمية تناقلتها الاجيال واصبحوا يدافعون عنها كأنها الوحي المنزل من السماء .

  4. الحصيلة
    آل النبي.. اتباعه وهذه قضية دينيه وليست عشائريه.
    وأهل بيت النبي.. ازواجه ألاتي اخصهن الله في كتابه؟
    وهذاالناتج اخرج لنااكذوبة
    آل البيت.. ادخيله على دين الاسلام.
    سدد الله خطاكم وسلام

  5. بسم الله الرحمن الرحيم
    جزى الله الدكتور الدليمي خير الجزاء
    كم صوب لنا من المفاهيم الخاطئة التي غزت فكر المسلمين ونحن بحاجة أن نعيها ونحملها معنا فكرا نطرحه في مجالسنا حتى تغدوا ثقافة عامة بين المسلمين

  6. كلمة مختصرة الفرس وشيعتهم اما اختلقوا او اخترقوا الدين والاحاديث والتاريخ بكل خبث وعداوة وتم تحريف وتزوير الكثير والكثير من تاريخنا الاسلامي
    احسنت دكتور استمر وواصل تركيزك وجهادك حول هذا الموضوع فأنت على ثغر من ثغور الاسلام رفع الله قدرك ومتعك بالصحة والعافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: