التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

مدرسة جنديسابور الطبية .. هل هي سريانية عربية أم ساسانية فارسية ؟

د. طه حامد الدليمي

C:\Users\DR\Desktop\جنديس.jpg هذا المقال يأتي شاهداً مؤكداً للمقال السابق (ليس في تاريخ الفرس قبل الإسلام عالم ولا كتاب)، وكاشفاً – في جزء منه – عن بعض طرائق الفرس التي يتبعونها لتزوير الوقائع والواقع الحضاري.

في هذا الإطار يجيء الحديث عن مدرسة جنديسابور. كما يجيء جواباً عن سؤال ربما يحتار فيه الكثير من المتلقين: وماذا تقول عن مدرسة الطب في مدينة جنديسابور، ومساهمتها في إثراء علوم الطب في المشرق؟ كيف ينكر دور الفرس في هذا المجال على النحو الذي سبق أن ذكرته سابقاً؟

سؤال وجيه. دعونا نجيب عنه بهدوء وبنائية تتبع أسلوب الـ(خطوة خطوة)؛ فما ضاعت الحقيقة كما تضيع وسط الضجيج وخلط الأمور.

جذور التأسيس

كان لمدرسة جنديسابور جذور أولية للتأسيس. وهذا شيء طبيعي في نشوء أي مشروع، لكن التأسيس الذي يمكن اعتباره تأسيساً إنما كان في القرن السادس الميلادي في عهد كسرى أنوشروان (531-579م). لقد بدأت جذور هذه المدرسة بعد هجرة السريانيين من شمالي بلاد الرافدين خصوصاً سوريا، إلى جنديسابور في الأحواز جنوبي إيران الراهنة؛ وذلك على أثر الاضطهاد الذي تعرضوا له من قبل السلطات البيزنطية نتيجة الاختلاف المذهبي بين الطرفين، ومحاكمة زعيمهم الذي ينتسبون إليه الراهب (نسطوريوس) بطريرك القسطنطينية في مدينة (أفسس) عام 431م، ونفيه إلى صعيد مصر، فهاجر أتباعه إلى (الرها).

ثم أصدر الإمبراطور (زينون) قراراً بطردهم منها فهاجروا إلى إيران وحلّوا في جنديسابور. وحين أغلق الامبراطور (جوستنيان) جامعة أثينة عام (529 م) بحجة أنها مدرسة وثنية، لجأ عدد من علمائها إلى بلاد فارس واستقرّ بعضهم في جنديسابور أيضاً. وبفضل هؤلاء أصبحت هذه المدينة في عهد كسرى أنوشروان مركزاً علمياً امتزجت فيه الثقافات الإغريقية والسريانية والفارسية. ألحق به بيمارستان ومدرسة طبية تابعة له.

حقيقة المدرسة

من خلال التدقيق في سطور التاريخ عن مدرسة جنديسابور تبرز أمامنا على هذه المدرسة عدة نقاط في غاية الأهمية:

  1. السريانيون عرب أكاديون هاجروا من جزيرة العرب إلى الشمال وسكنوا بلاد ما بين الرافدين في سوريا والعراق. وهؤلاء أهل حضارة وتمدن، هي أقدم حضارة بعد الحضارة الجزيرية في شبه جزيرة العرب.
  2. إن هذه المدرسة جاءت في القرن الأخير من حكم الفرس الذي استمر (12) قرناً. إذ انتهت هذه الدولة سنة (636م)، أي بعد موت أنوشروان بـ(57) سنة. فما قيمة هذه الفترة التي قصرت فلم تبلغ قرناً واحداً إلى تلك القرون المتطاولة الملأى بالجهل؟ ولا تنس أنها بنيت على أيدي العرب السريانيين.
  3. مع التأخر التقني في ذلك الزمان لا تعد فترة (60 – 80) سنة كافية لتأسيس علم معقد كعلم الطب فضلاً عن إنتاج أطباء، بله علماء طب في هذه الفترة القصيرة. فإذا أضفت إليها التخلف العلمي والقصور الذاتي في الشخصية الفارسية عن تناول أطراف العلم، استطعت أن تفسر عدة أمور رافقت هذه المدرسة، سأذكرها فيما يلي:
  4. كانت اللغة السريانية (وهي إحدى لغات العائلة اللغوية العربية التي عرفت خطأً بالسامية) هي لغة العلم في مدرسة جنديسابور، وليست الفارسية. وهذا يدلنا على عدة أشياء خطيرة، منها قصور اللغة الفارسية عن استيعاب مفردات العلم ومصطلحاته ومادته. ومنها كون علماء المدرسة ورؤسائها من الغرب الرافديني وما جاوره، وليسوا من الشرق الفارسي.
  5. لفت نظري أن بعض البحوث ذكرت أن المدرسة كان يشرف عليها أكبر شخصية دينية في المدينة. وهذا يدل على عدة أمور، منها:

أ. إن الفرس عجزوا عن أن تكون لديهم شخصية علمية تشرف على مدرسة علمية بحتة، وإلا ما لجأوا إلى شخصية دينية تقوم بهذا الدور. الطريف أنهم مارسوا هذا الدور نفسه عند الاحتلال الأمريكي الفارسي للعراق سنة 2003.

ب. إن دور الفارسي ووظيفته لم تكن تتجاوز التحكم في شؤون المدرسة، بالضبط كما رأينا المعمم الشيعي بعد الاحتلال.

جـ. إن إشراف رجل الدين على مؤسسة علمية خارج نطاق اختصاصه، يعرقل حركة العلم ويرسخ الجهل. ويؤدي إلى أن تنشأ بين رجل الدين ورئيس أو مدير المؤسسة المتخصص، وكذلك الفريق العلمي من حوله، نفرة وحساسية واستقطاب يكون أحد أسباب ذلك العوق العلمي. وهذا ما حدث في العراق بعد الاحتلال. فكان المعمم الشيعي، وهو لا يملك شهادة الدراسة الابتدائية، يقتعد له مكتباً في المستشفى ليمارس من فوقه دوره في (إدارة) المستشفى والإشراف عليه، والتدخل في عمل الأطباء والتحكم بشؤونهم دون وجود أدنى مؤهل يرشحه لذلك. سوى تلبية ذلك الشعور الخفي بعقدة النقص.

6. مدرسة جنديسابور يغلب عليها حركة الترجمة، ومنها ترجمة كتب الطب الموجودة لدى الأمم الأخرى، مثل الهند والعرب واليونان. ولم يذكر التاريخ كتباً للفرس في الطب باللغة الفهلوية جرت ترجمتها، عدا أن بعض المؤرخين كان يعتقد – مجرد اعتقاد – بوجود مدرسة للطب ومستشفى ملحق بالمدرسة.

7. أما الأهم من هذا كله، وهو مدار الكلام وزبدته، وله تعلق جذري بموضوعنا الأساسي – أي عدم تقديم الفرس للبشرية علماء في أي علم من العلوم، ومنها الطب – فهو أن مدرسة جنديسابور لم تقدم لنا طبيباً فارسياً واحداً تخرج فيها، مع أن التاريخ يحتفظ لنا بأسماء أطباء درَّسوا وأطباء تخرجوا، منهم الحارث بن كلدة الثقفي. وقد جاء في (طبقات الأطباء:1/83) أن جورجيوس بن جبرائيل السرياني كان يرأس المدرسة على عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور. فقد استمرت بعد مجيء الإسلام. تأمل أصحاب الحضارة والطبع الحضاري من يختارون لترؤس مدرسة الطب!

أما المستشفى الملحق بالمدرسة، فيقول الباحث الأستاذ عبد الله الضحيك: إنه عبارة عن مستشفى شخصي دعت إليه حاجة الملك الفارسي، ولم يكن مؤسسة منتشرة لها ما يماثلها في باقي أرجاء المملكة الفارسية.

20/9/2020

 

اظهر المزيد

‫8 تعليقات

  1. أين للفرس وغيرهم في الطب علم والالواح الطينية تظهر اول دستور ظهر في العالم على لوح طيني مقسم الى ثلاثة حقول الحقل الاول يظهر فيه اسم الدواء والحقل الثانية الحالة المرضية ( ليس اسم المرض )والخقل الثالث فيه يبين طريقة الاستعمال وكان هذا في حدود 2200 ق.م ويوجد هذا اللوح في متحف بنسلفانيا . كتاب وقائع المنطلقات الاساسية لدراسة تاريخ العلوم عند العرب في 15-16/ايلول /1997م .
    ان شعار اهل الطب والصيدلة والذي يظهر كلا او جزءا منه في جميع المحافل الطبية والصيدلانية العالمية قد طهر في وادي الرافدين (لكش) يمثل غصن لشجرة تلتف حوله أفعيان ويوجد هذا اللوح في متحف اللوف بباريس ، ورمز الثعبان قد أخذ من قصة كلكامش ويعود تاريخه الى 2144ق.م . نفس المصدر

  2. العرب و جنديسابور
    اتصل العرب بأكاديمية جنديسابور قبل الإسلام، وأتيحت الفرصة لبعض الطلاب أن يواصلوا دراستهم هناك، ولعل أشهرهم الحارث بن كلدة الثقفي، كان من الطائف، وسافر إلى اليمن وفارس، وتعلم الطب في جنديسابور، وعاش أيام الرسول محمد ومكث حتى عهد معاوية بن أبى سفيان، وروى أن سعد بن أبي وقاص أصيب بمرض شديد فأمرهم الرسول محمد أن يدعوا له الحارث بن كلدة، فداواه فبرئ من مرضه. وكان ابنه النضر بن الحارث طبيباً أيضاً، وهو ابن خالة النبي محمد.
    جنديسابور معناها:(معسكر سابور)
    #شمعة_مضيئة 🕯

  3. آن للعقل العربي الذي اختطف حينا من الدهر أن يستفيق من هذا الخدر .. وينفض عنه ركام ثقافة ربّت في نفسه أن الفرس لهم يد في حضارة المنطقة ولهم أثر وتأثير !!!
    فـ (الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فليغيروا هذه الافكار البالية، والثقافة المسمومة، ويستمعوا لصوت الحقيقة الذي يلمع بريقه في الأفق مؤذنا بعهد جديد للفكر والثقافة العربية الخالصة.

  4. كانت مدرسة طب جنديسابور في أوج مجدها حين فتح العرب بلاد فارس سنة (19هـ-642م) في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وقد التقت فيها حضارة اليونان بحضارات الشرق بفضل العلماء السريان، فجعلوها مركزاً مرموقاً بين مراكز الدولة الإسلامية العلمية. كانت لغة العلم في جنديسابور السريانية والعربية.

    1. السريانية لغة عربية يا أختنا الكريمة نهاوند، سوى بعض التغييرات الجزئية بسبب الانتقال من موطن العربية العرباء (الأصلية) في الجزيرة إلى العراق والشام وشرق الخليج. وتسمى بالأكدية. ويسمونها زوراً بالآرامية لكونها لفظاً توراتياً، وكل المقصود من عدم ربط هذه اللغات بأمها العربية هو التعمية وصرف نظر الناس عن كون العربية هي أم اللغات.
      وكذلك الفينيقية والكنعانية والآشورية والكلدانية والعبرية وأخواتها.

  5. في كتاب الطب في العراق القديم للدكتور عبداللطيف البدري وكتابه من منشورات المجمع العلمي /بغداد ط/محرم1421الموافق نيسان 2000 يشير فيه الدكتور أن مهنة الطب كانت من المهن المترفة في المجتمع العراقي القديم وانه لا يمكن لاحد ان يتداولها حتى يحصل على إجازة في ممارسة هذه المهنة الا على يد آس خبير وأنه لا يجاز الا بعد موافقة مدربه وأدائه القسم وإعلان ولائه للملك وفي رقيم كاهن آشوري اسمه (عشتارـ شم – ارش يقول فيه ( الكتبة النساخون والعرافون والاشبة والاساة (الأطباء )الذين يسكنون المدينة عليهم ان يؤدوا قسم مهنتهم في السادس من شهر نيسان وفي اليوم التالي يؤدوا قسم الإخلاص للملك ) وهذا يعني ان هناك نظام تخرج لطلبة الطب وان عليهم قسم ان يؤدوه تجاه مهنتم وتجاه ملكهم .

  6. علم الطب من أوسع مجالات العلوم الحياتية التي كان لعلماء العرب فيها إسهامات بارزة على مدار عصور حضارتهم الزاهرة، وكانت تلك الإسهامات على نحو غير مسبوق شمولاً وتميزا نحن تاريخنا واسع في مجال الطب قديماً علي يد عباقرة العرب ومنهم
    ابو بكر الرازي
    أبن النفيس
    أبن سينا
    وغيرهم من علماء العرب أما الفرس لا مكان لهم في هذه الميزة والخصوصية التي يختص بها العرب ، الفرس بارعين في التزوير والتشوية وسرقة جهود غيرهم ليس لهم أثر في أحياء الحياة الاجتماعية وصحيح هو العكس تدمير الحياة الاجتماعية بكل مفاصلها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: