التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

كيف نخرج بفهمنا للقرآن الكريم من دائرة العلم إلى فضاء الهدى ؟

د.طه حامد الدليمي 

كل مسلم يقرأ في اليوم قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6) عدة مرات. ويتوهم الكثيرون منا أن (اهدنا) بمعنى علّمنا. وأن الهداية تعني العلم. وهذا خلل كبير وخطير في الفهم جرّ وراءه أنواعاً أخرى من الخلل المتراكم بعضه فوق بعض!

من جذور الخلل

لو تتبعنا التاريخ الحضاري للإسلام نجد أن العلوم في بدايتها كانت متداخلة. ثم مع الزمن اقتضت الحاجة وجود نوع من الفصل بينها والتخصص فيها بحيث يأخذ كل علم شخصيته المتميزة، لكن مع بقاء الترابط والعلائق التي تجمع بينها.

وشيئاً فشيئاً انزلق التخصص إلى نوع من الابتعاد ثم الفصام بين هاتيك العلوم يصل أحياناً حد التمام أو التصادم والخصام. فالمحدث يختلف عن الفقيه، ويتحدث بما قد يعرقل الوصول إلى الحكم الفقهي السليم. ويزداد الخلل إذا تجاوز الأمر إلى الإيمان والعقيدة. والفقيه الفروعي يصدر حكمه معزولاً عن بقية العلوم وعن مؤثرات الواقع. وكذا الشأن لدى المفسر والمربي والمؤرخ وعالم الاجتماع والسياسة والاقتصاد… وغيرهم وغيرهم. فأمسينا منذ قرون نفتقر إلى المنهجية الربانية المتكاملة.

إن هذه الأنواع من الشقوق الخطيرة التي خلفها لنا الأقدمون، في جدار السنة بمعنييها: حديث النبي e، وأهل السنة، وتسربت من خلالها نمال التشيع والفارسية المجوسية.. في حاجة ماسة إلى علاج ينبغي أن لا يتأخر طويلاً. ينطلق هذا العلاج من جهد تقوم عليه مؤسسة، لا مجموعة أفراد مهما كثروا سيظل جهدهم محصوراً في أوساط محدودة، ولن يكتب له الانتشار المنشود على مستوى المجتمع.

بين العلم والوعي والهدى

سأضرب مثالاً يتبين به الفرق بين العلم والوعي والهدى.

حين تقول لصبي: لا تكثر من أكل الحلوى؛ فإنها تضرك. هو يفهم ما تقول، لكنه لا يدرك حقيقته أو حجم الضرر الذي يجنيه على صحته فيما لو خالف ما توصيه به، حتى لو شرحته له. ويستمر في التهام المزيد من الحلوى. هذا هو الفرق بين العلم والوعي.
وحين تقول الشيء نفسه لشاب قادر على أن يعي حقيقة ما تقول بتفاصيله، ستكون أمام صنفين: صنف يخالف بعمله ما يدركه بوعيه؛ فأنت أمام حالة غي. وصنف يعمل بمقتضى علمه ووعيه. فأنت أمام حالة هدى. الهدى إذن: علم ووعي وعمل بمقتضى الوعي بما يناسب الحال. وإن علماً بلا هدى أسفار على ظهر حمار.

القراءة التكاملية ، والأسئلة الحضارية الأربعة : ماذا ؟ لماذا ؟ إلامَ ؟ كيف ؟

ما نحتاجه اليوم إحياء القراءة التكاملية للأشياء: علماً ووعياً وهدى. وهذا لا يتحقق كما نريد إلا بوجود جهد مؤسسي، لا فردي فقط. جهد يأخذ – أول ما يأخذ – بنظر الاعتبار الوعي بالشيء أو فقهه، وليس العلم به فقط. الوعي الذي يجيب عن الأسئلة الثلاثة: ماذا؟ ولماذا؟ وإلامَ ؟

العلم بالشيء يجيب عن السؤال الأول: ماذا؟ فيخبرك عن ماهية الشيء، ويبين لك الواقعة كما هي. أما لماذا وقع؟ مَن وراءه؟ مَن المستفيد؟ ثم إلامَ يؤدي.. أي ما مآلات الحدث؟ فهذان السؤالان من شأن الوعي، وهو الفقه الحقيقي. وبهما يكمل العلم فيكون علماً حقاً.
ويبقى السؤال الرابع: وهو السؤال عن المعلوم بـ كيف؟ أي كيف أحول العلم إلى عمل؟ وبهذا يتحول العلم إلى هدى. وهو المطلوب الأعلى من القرآن العظيم الذي تضمنه قوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:1)، جواباً على سؤال العباد ربهم: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6).

2020/11/11

اظهر المزيد

‫12 تعليقات

  1. جزاك الله خيرا شيخنا الجليل على توضيح هذا المفهوم الذي قد يختلفون فيه بعض الشيوخ و العلماء

  2. أغلب العلماء والخطباء يتطرق إلى علم أكاديمي تعلمها وتربا عليها في داخل المدارس الإسلامية وبين سطور الكتب وينتقل هذا العلم من عالم إلى آخر حتى يظن انه على مراد الله،
    وهذ علم نظري ليس عملي لم يتطرق إلى الحلول الجذرية الواقعية الميدانية التي تلامس المجتمع السني أمام ثقافة التشيع الفارسي ،
    وهذه مهمة التيار السني إنقاذ أهل السنة من الفكر المتخلف والمتشنج أمام الواقع.

  3. عندما يخدم العلم واقعه
    ويتعايش مع المجتمع
    في جميع اموره يصبح
    هدى الى الناس جميعاً
    وهذا ما امر الله به في قرانه الكريم
    جزاك الله خيراً شيخنا الفاضل على طرح هذا الموضوع المهم غاية الأهمية في واقعنا اليوم.

  4. وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)
    والأحسن يعني الأنسب والمناسب للمجتمع الذي يلامس الواقع، وإلا أصبح رجماً بالغيب ولايُنتفع به،
    ومن أسباب الإبتعاد عن الهدى العلم الجامد..!!
    الذي لايميز بين وظائف التشريع وكيفية التعامل معها،، التي أشار اليها(د.طه) في كتابهِ (المنهج القرآني الفاصل)
    الكتاب ــــــ التأصيل…
    السنةــــــ التفصيل…
    الإجتهاد ـــــ في فروع الدين.
    وهذه المفاهيم.
    ومفاهيم أُخرى تحتاج إلى مؤسسات كما أشار الدكتور،
    وهذا لايعني أن يتوقف الفرد عن العمل بحجة عدم وجود مؤسسة لهذا العمل الشريف…
    _أدي ماعليك ثم ماعليك”

  5. اعانكم الله وسدد خطاكم وفتح عليكم وألحق بكم الشرفاء،
    نعم يحتاج مؤسسة لهذا الموضوع،
    الذي التبس علينا فماعدنا نفرق بين العلم والهدا حتى أصبح العلم حائلاً بين الهدا والمجتمع

  6. أنت يا دكتور بهذه المقالات الدقيقة تحرر عقولنا مما رسخ فيها من آثار التعليم التلقيني الذي لا اقول اعتمدته المؤسسة التعليمية الممثلة في المدرسة والجامعة فقط بل وحتى الحلقات العلمية لكثير من العلماء لا بل وحتى المستويات العليا من التعليم والتي يفترض أن تكون مساحة للتجديد والقراءة الفاحصة لا مجرد تمجيد للسابق وتحقيق للمحقق وقراءة مكرورة ينتج عنها مجلدات لا تسمن ولا تغني من جوع..
    بارك الله في هذا الموقع وسدد حرفكم يا دكتور

  7. مقال شيق وفهم عميق يستحق القراءة والتأمل لإعادة النظر في طريقة فهمنا ..
    شكرا لهذه الدرر القيمة .

  8. بسم الله الرحمن الرحيم
    جزى الله الدكتور الدليمي خير الجزاء
    رغم قصر المقالة إللا أنها غنية الفكرة وتفريق جميل بين العلم والوعي والهدى وتوضيح رائع لمراد قول الله تعالى (هدى للمتقين)

  9. اهدنا الصراط المستقيم ، لماذا نكرر هذه الآية في كل صلواتنا ؟ لان الله انزل القران بعلمه ولان الله سبحانه وتعالى يعلم ان الناس سوف يقع اغلبهم في الشرك وتعظيم القبور لذلك ارشد الله سبحانه وتعالى المؤمنين ان يسألوه في صلواتهم هداية ك هداية الذين انعم الله عليهم من الأنبياء الذين كانت دعوتهم الاولى هي التوحيد

  10. جزاك الله خيرا شيخنا
    انت من القلة الذين يدفعون بنا لتحرير العقل والانطلاق في إنقاذ النفس والأهل
    انقاذنا بهذا النهج لتخلص من العلم الذي أصبح معوق لحل مشاكلنا
    بارك الله فيك وجزاك الله عنا كل خير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: