مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

يوم الشهيد .. الذكرى الـ (39)

*مقتبس من فصل (الأقفاص) في رواية (هكذا تكلم جنوبشت) للكاتب

د.طه حامد الدليمي 

ومرت سبع سنين أُخرى ولم يأت ذلك العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. بل كانت الأعوام تعصرنا.. وعاماً بعد عام!

واشتقت إلى عمي رحيم كثيراً.

لماذا لا أستعين بصاحبي (جنوبشت)؟ بدل أن يسافر بي إلى بابل مرة وإلى الكوفة مرة، ليسافر بي إلى إيران هذه المرة؛ لعلني أرى عمي في زنزانة من تلك الزنازين، أو قفص من تلك الأقفاص. وخرجت منتصف ليلة. لم يكن في الشارع من أحد. ناديت على (جنوبشت)، وناديت. لم يجب.

لا أدري كيف قادتني قدماي إلى ذلك البستان أبحث عن الكهف! كان الظلام دامساً كليلة رجعت من مجلس العزاء. رأيت عينين تقدحان في الظلام، وقهقهة تجلجل في المكان قادمة كموجة من هناك. أوجست في نفسي خيفة. كدت أطلق ساقيّ للريح. استحييت وتماسكت. أخرجت مسدسي الصغير، الذي أستصحبه دائماً، من الحقيبة، وتقدمت وإصبعي على الزناد. ثم خطرت ببالي فكرة. استعذت بالله من الشيطان بصوت عالٍ. ليس هو طيفون اللعين! من إذن؟

– وهل غير صديقك؟

وعرفته من صوته:

– هكذا تفعل بي يا جنوبشت؟ ثم لماذا هذه القطيعة؟

– أما هذه فأعجبني أن أمازحك. وأما ما أسميته بالقطيعة فإن كمية ما تلقيته من دروس أنت في حاجة إلى وقت لطبخها وهضمها وتمثلها.

– شكراً لك يا صديقي! لكنني اشتقت إلى عمي رحيم. أريد أن أبحث عنه في معسكرات الاعتقال في إيران.

– لا بأس لكن عليك أن تعلم أن الرحلة ستعود منها بجروح لن تندمل سريعاً. وقد تصاحبك إلى الأبد.

– مهما يكن سأذهب إن ساعدتني على الذهاب.

– لا بأس ولكن للأمان سأعمل لك تدريباً خفيفاً واختباراً قصيراً.. (تراي) كما يقولون لأرى مدى قوة التحمل لدى قلبك. تعال معي الآن لندخل الكهف.

وفي لحظة طوينا ألفاً وسبعمئة عام!

**

رجل يلبس بزة الملوك وعلى رأسه تاج كبير، يجلس على كرسي مرصع بالذهب والياقوت وجواهر لا أحسن تسميتها. خلفه قلعة عظيمة مدعمة جدرانها بالأبراج وعليها الحرس. وأمامه بساط أخضر عريض طويل من سجاد محبوك النسج، وحشد كبير من الناس يقفون على حافة البساط الأخضر صفوفاً صفوفاً قد حنَوا رؤوسهم جميعاً وأيديهم مشبكة على صدورهم كأنهم في صلاة، وجنود من حولهم يملأون الرحب.

وهمست في أذنه: من هذا؟

وهمس في أذني: إنه سابور الثاني بن هرمز.

– سابور ذو الأكتاف؟!

– أجل.

– وأين نحن؟

– في مدينة الحضر جنوبي نينوى.

التفتّ على صوت جلبة ورائي. خيول تساق اثنتين اثنتين. ورجال مكبلون يقربون من المئة وجنود يسوطون ظهورهم!

أشار الملك فابتعد الناس، وحل محَلهم الأسرى والخيول.

بخفة ومهارة ربطت يدا أحد الأسرى كل يد إلى فرس. وبينما يربط آخرون أسيراً ثانياً بالطريقة نفسها ضرب جنديان الفرسين الأُوليين بقوة وسرعة وهما يزعقان، وصرخ الأسير صراخاً رعيباً شعرت أن القلعة اهتزت له، وما هي إلا لحظات حتى خلعت إحدى يديه من كتفه وهوت على الأرض تسحبها إحدى الفرسين، وتمزقت اليد الأُخرى من منتصفها. في الوقت الذي كانت فيه الفرسان التاليتان قد انطلقتا. ثم تبعتهما الفرسان الأُخريان. وبالإيقاع نفسه تقدمت الفرسان اللتان بعدهما.. وهكذا حتى تم النصاب!

الصراخ والزعيق يملأ الفضاء، والدماء تصبغ الرمال. والملك.. يا لَلهول! يدني الكأس من فمه يعبه وهو يضحك ضحكاً هستيرياً ويقول: “أرب سگ أرب سگ”! وكانت مذبحة رهيبة.. مقرفة!

لم أنتبه إلى (جنوبشت) لحظة أن أدنى فمه من أذني وهمس:

– هيا قبل أن يجعلوا منك سگاً مخلوع اليدين يا أربي!

أُجفلت كأن سوطاً من تلك السياط قد لسعني، ثم تماسكت وهمست:

– وما السگ بالله عليك”؟

وهمس لي ضاحكا:

– الكلاب أجلك الله!

– هكذا إذن!

– هيا كفاك أسئلة!

**

لم يمهلني جنوبشت حتى قطع بي قفزة واحدة تلك القرون المتطاولة فإذا نحن في منطقة (البسيتين) بالبصرة عند غروب يوم 29/11/1981، في ميدان معركة، كانت تدور منذ يوم أمس بين الجيش العراقي والجيش الإيراني، على وشك الانتهاء.. لا بل انتهت وجموع كبيرة من الجنود العراقيين خمنت عددهم، إنه قرابة ألف وخمسمئة جندي، يساقون أسرى.

لم يطل بنا الوقت كثيراً حتى تم تقسيم الأسرى إلى مجموعات، كل مجموعة لا تتعدى مئة فرد. “ما هذا؟”.

وابتسم صاحبي بمرارة وهمس في أذني: “أنت للآن لم تعرف الفارسي وحقده!”

“يعني؟”.

“يعني؟ هه.. لكي يتم إعدام كل مجموعة بطريقة تختلف عن طريقة أختها”.

وشهقت ولم أقل شيئاً.

وتوقفت سيارة عسكرية، نزل منها ضابط كبير وصرخ في الجنود: “ذبح کردن”! وكرر العبارة عدة مرات. ناوله أحد الجنود حربة من النوع الذي يركب على البنادق فقام بنحر أقرب أسير إليه، ثم ثانٍ وثالث. واندفع ضباط آخرون ففعلوا فعله. بعد دقائق بدا أن هستريا جمعية أصابت الجنود فأخذوا يتدافعون وبأيديهم الحراب، صار كل واحد منهم يتناول أسيراً ويذبحه بيده ذبح الخروف! وبعضهم يطلق الرصاص على الأسرى ويقتل منهم كيفما اتفق، وآخرون يضربون جموعهم بالهراوات يهشمون بها رؤوسهم وأدمغتهم.

لم يكد هذا المشهد الاحتفالي ينتهي حتى تقدمت ثلاث دبابات نحو إحدى المجموعات ومالت عليهم دهساً بسُرفها. وانطلقت أعداد من الجنود في أيديهم علب ملأى بالبنزين يرشون ما فيها على مجموعة أخرى من الأسرى. ثم ابتعدوا عنهم وتقدم واحد من المجموعة غير بعيد ليلقي عليهم عود ثقاب، وسمعت صوتاً أشبه بالانفجار فإذا المجموعة تتحول إلى كتلة من لهب!

لم تحتمل أعصابي بشاعة المشهد. العرق يتصبب من جبهتي ووجهي بغزارة. دار بي الفضاء، هبطتُ مضطراً إلى الأرض كالمغمى عليه. أومأت إلى جنوبشت فأسرع إلي حركت يدي بإشارة إلى رجليّ فرفعهما كما أشرت. كانت أصوات صرخات رعيبة تخترق أذنَيّ، وامتلأ المكان بدوي الصراخ. جلست.. نظرت إلى ما حولي. مجموعة أخرى تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم بالفؤوس والسيوف والحراب! أردت أن أصرخ من هول ما أرى فوضعت يدي على فمي فخرج صوتي كالفحيح. وبينما نحن كذلك تناهى إلى سمعي أصوات طائرات هليكوبتر. “ما هذا؟! يا إلهي!”. أسراب من الأسرى يلقى بهم من أفواه الطائرات إلى الأرض!

وكانت حفلة موت مبتكرة، تنوعت فيها المشاهد، لم تكد تشرف على الانتهاء حتى سمعت الضابط الكبير يرطن كأنه مجنون لأحد حراسه بكلام لم أفهمه. وحالاً أقبلت سيارتان عسكريتان. تقدم الحرسي من أحد الأسرى، وبيده سلسلتان طويلتان، قيّد كل يد بسلسلة، ثم ربط كل سلسلة بسيارة ثم ابتعدت السيارتان عن بعضهما، وسرعان ما انفصلت يمينه، وسارت السيارة الأُخرى تسحله من شماله، قطعت به مسافة والجنود يركضون من حوله وهو يصرخ بكل ما في حنجرته من قوة ويتقلب جسده ورجلاه، ثم توقفت السيارة، تقدم منه بضعة جنود أطلقوا على رأسه الرصاص فقضى مكانه.

– سابور اللعين ورب الكعبة!

هكذا صرخت دون وعي! لم ينتبه أحد لصرختي في وسط ذلك الضجيج. وكانت مذبحة ولا في الخيال!

عندما انجلى الغبار رأيت مجاميع من الجنود ممن شارك في ذبح الأسرى وتعذيبهم يتكلمون اللغة العراقية. تفرست في وجوههم عبر الغلالة التي على وجهي.. إنها وجوه عربية! وقال لي صاحبي:

– إنهم من (فيلق بدر). انظر إلى ذاك الشاب الذي بالقرب من الضابط! ونظرت.. إنه يشبههم! قلت:

– من هذا؟

فابتسم بمرارة وقال:

– إنه أبو حسن العامري.

وسألني:

– أين كنت في تلك الأيام؟

– كنت في المرحلة الثانية من الكلية.

سكت قليلاً ثم قال:

– والآن وقد تم التدريب هل ما زلت مشتاقاً لعمك رحيم؟

– بل ازداد شوقي.

– ضع في بالك أنك قد ترى هناك ما هو أبشع مما رأيت، وأنني لن أذهب معك.

– لن تذهب معي؟!

– أنت تريد زيارة عمك، وأنا؟ هل لي من عم هناك؟

ضحكت بنبرة ذات مغزى وقلت:

– أنت، أنت.. هناك أخوالك.. أليسوا هم (أهل البيت)؟

وبادلني ضحكة بضحكة وقال:

– أها؟ أهل البيت! (وحملق بعينيه مستغرباً) إنه مسمار طويل يا شيخ! لكن لا بأس؛ ما دامت القسمة بيننا بالتساوي.

قلت في نفسي: “لأستمرَّنّ معه حتى النهاية”:

– بل لا سواء يا (جنوبشت)، ألا تدري؟ نحن العراقيين نقول: “ثلثين الولد ع الخال”!

لم يغضب، كما توقعت، ورد بهدوء وقد اكتسى وجهه بحزن عميق وكان صوته أشبه بالأنين حين سمعته يقول:

– سل أعمامك لماذا زوّجوا والدي ممن صرت أُعَيَّرُ بخؤولتهم؟!!

لقد أفحمني فلم يكن أمامي إلا أن أقول:

– صدقت!

وإن رددت مع نفسي: “مسؤولية المقدمات لا تغير من واقع النتائج”.

لا أدري كيف سمع ما هجست به فقد قال:

– صدقت.. “مسؤولية المقدمات لا تغير من واقع النتائج”. ولكن أعمامك يُحَمّلون الضحية تبعات القضية!

استحييت أكثر حد الخجل وقلت بصوت خفيض:

– صدقت.

لكنه عاد إلى أصل الموضوع فقال:

– سأزودك بكل ما أنت في حاجة إليه. ومعك الرداء والغَلالة. في الأخيرة ميزة تجعلها تستجيب لك وتزودك بكل ما تحتاج من معلومات، وهي تعمل بطريقتين.. وسأعلمك كيف تشغلها لتكون عارفاً بكل ما يحيط بك. ها ماذا قلت؟ أما زلت مصراً على الذهاب إلى.. إلى أخوالي؟

وقبل أن أجيب تابع:

– إلى أخوالي؟ أم إلى عمك؟

وأجبته وكأنني لم أسمع تعليقه الأخير:

– لقد قلتُ وانتهيت.

ودار بيني وبين نفسي بداية حوار ذي شجون! حرصت فيه أن لا يسمع منه صاحبي شيئاً: “نحن نجري في متاهات الأرض نبحث عن أعمامنا أين هم؟ بدلاً من أخوال جنوبشت الذين ملأوا أرضنا طولاً وعرضاً!”، لكن سَرعان ما لاحت لي معالم الكهف العجيب.

عند باب الكهف ودعني جنوبشت، وقال:

– كل شيء جاهز لديك. التعليمات سهلة وقليلة.

ثم مدّ يده إليّ بخوصة سعف وقال:

– للاحتياط إذا وجدت نفسك في حاجة إليّ فادْعَكْ أي موضع من الخوصة ثم استنشق عبيره حتى تملأ رئتيك تجدني عندك… وداعاً.

– وداعاً.. شكراً لك.

 

1 كانون الأول (12) 2020

اظهر المزيد

‫4 تعليقات

  1. رحم الله شهداء العراق من عهد سابور الى عهد لاطمي الصدور , هذه هي العداوة الابدية بين الفرس و العرب , كي لا ننسى الحقد نفسه علىمر العصور.

  2. جزاك الله كل خير.دطه الدليمي.
    دائما انت سبّاقٌ ووفيٌّ ومبدع..
    للشهيد نقول..
    يا ساقيًا هذي القلوبَ البلسمَا..
    هانَت حياتكَ فاعتليتَ الأنجمَا.
    هانَت حياتُك حين أبصرتَ الوغى..
    فهممتَ تنصب للمعالِي سلَّما.
    ألقَت عليكَ يدُ المنونِ وليتها ألقَت..
    بمَن سلبُوا ديارَك والحمى.
    ليس حب أعظم من هذا، أن يبذل أحد نفسه عن مبادئه وقيمه..
    وكم من شهيد دفع حياته ثمن محبّته لوطنّ أو عائلة أو دين..
    أوليست الشّهادة إذًا أسمى ثمار المحبّة وأعظمها واصدقها.؟
    كثيرون هم الّذين، بشهادتهم، كتبوا رسالة إيمان ترسّخت في العقول وأدفأت القلوب وجددت ماانهدم من القيم ..
    كثيرة هي الرّوايات التي كُتبت بحبر دماء الشّهادة، مسجّلة ذكريات أبطال طبعوا بصماتهم على صفحات تاريخ سوّدتها غبار الحروب وشظايا الاضطهادات، أبطال وقفوا في وجه الموت مدركين أن نهاية حياتهم ما هي إلّا بداية جديدة لقيم هي بأمسّ الحاجة لشجاعة تحميها من نار إيران وهمجيتها المجوسية …
    كثيرة هي صفحات التّاريخ المبلولة بدموع الأّمّهات الثّكالى، عديدة هي الصّور التي لم تُفارق قلوب الآباء المتألّمة..
    كلّ دمعة تُذرف على شهيد هي قطرة تروي ظمأ قيم سامية تعطّشت للتجديد والشّهامة والشهادة.
    لن ننسى حتى نتذكر فركبنا ماعجزت صولاته ولاكلت حرابه ففي ذي قار ألهب النعمان جذوته وفي القادسية سل سعد سيفه ونهاوند معلما غرس النصر رايته وابطال العراق في القادسية الثانية جددوا النصر وجرّعوا الخميني سُما يعتصر حصرته..
    فلله درهم أبطال القادسية أبطال الشهادة والشهامة..
    نسأل الله أن يتقبلهم بواسع رحمته وجميل عفوه وكرمه.

  3. مقال يفصح عن تاريخ عميق يتسلسل بالتدرج مع الأحداث الإجرامية التي قادها الفرس المجوس إلى مرحلة شيعون في زماننا ليسلك المسير نفسه والثقافة الدموية التي تربا عليها من اجداده الفرس ليعتاش على دماء العرب السنة ليروي من حقده الدفين جسده المملؤ بعقدة الانتقام،، الفارسي الذي جلس على الكرسي المرصع في القلعة وهو يتسلى ويتشفى بذبح الأسرى، نفس المسار الذي سار عليه الخميني الدجال في تعذيب الأسرى العراقين وأذاقهم أنواع العذاب ، وكانت نهايته إلى جهنم وبئس المصير ثم أكملَ المشوار من بعده خامنئي (لع****) وأمر اتباعة من قادة الفرس في زماننا بقتل أهل السنة على يد الجحش الشيعي المجرم بفتوى فارسية مجوسية شيعية خبيثة تنبع من نفس الأسلوب المعقد لقادة الفرس..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: