الإخوان المسلمون .. رحلة نحو القاع

الحلقة الثالثة / الحيرة والتردد بين العمل الجهادي والعمل السياسي

د.طه حامد الدليمي 

مرحلة بعد مرحلة.. وسنة بعد سنة.. ويوماً بعد يوم، تطفو على السطح علامات مريبة لسلوك جماعة (الإخوان المسلمين)، ومنها علاقة الجماعة بإيران! في كل مرحلة نكتشف شيئاً أعمق.. وشيئاً أعمق، وباستمرار! ويلح سؤال: ما السر؟ في البدء كنت أراها انحرافاً في المنهج. ثم توالت الأحداث لتنفرج عن أمور تُجبرك على أن تنزل في البحث إلى ما تحت السطح. رياضية السر تفصح عن خطأ في النتيجة لا يكفي الانحراف وحده لتفسيره. المعادلة في حاجة إلى عامل آخر لكي تستقيم. ترى! ما هذا العامل؟ أو ربما كانت هناك عوامل أَخرى، من يدري؟ في خريف 2008 كتب الأستاذ محمد أحمد الراشد – وهو من كبار إخوان العراق – كتابه (نقض المنطق السلمي) في انتقاد من أسماهم (مجموعة العمل السياسي) في (الحزب الإسلامي). قرأت الكتاب فوجدته في حاجة إلى نقد هو أقرب للنقض منه إلى النقد. فكان كتاب أسميته (المنطق السليم) انتهيت منه مطلع 2009. هو محاولة أو رحلة للغوص نحو القاع. في عشر السنوات اللاحقة وقعت أحداث محلية وعالمية وحصلت لي تجارب صادمة جعلتني أنظر إلى كتابي على أنه مسافة انتقالية تمهد للوصول إلى حافة الغوص إلى هناك. لكنها مسافة مهمة لا يستغنى عنها للذين يستهويهم الغوص الهادئ إلى الأعماق. إليكم حصيلتها كما كتبت آنذاك. على شكل مقالات نصف أسبوعية. ومن الله نستمد السداد والتوفيق.

 زهد السياسيين بالعمل الجهادي

توصل الراشد إلى أن الحل هو العمل الجهادي، حين يتكامل ويتواصل مع جناحه الآخر: العمل السياسي. والاثنان ينطلقان من عمل دعوي تقوده جماعة راشدة، هي التي تحرك الجناحين وتتحكم بهما.

وهذا جيد، وإن لم يكن سراً يعيي الحلماء والحكماء أن يعرفوه أو يدركوه. بل هو كما عبّر فقال (ص3): “مفاد البديهة، وتجربة الحياة”. لكن المشكل يكمن في ثلاثة أشياء:

  1. المنهج المتبع، الذي هو أساس الخلل.
  2. تحديد آلية واضحة لتنفيذ الفكرة، ولقد ظلت غائبة عن الكتاب كله، سوى بعض الإشارات.
  3. وفي تطبيقها وظهورها على أرض الواقع.

إن هذا وهم وأماني لا تليق بمثله من العاملين الصادقين، فكيف بغيره؟!

يسنده وهم آخر يتراءى لهم عند الإحراج فيقولون: “لماذا لا نَكون نحن الجناح السياسي للمقاومة؟”!

وهذا غير منطقي فالقانون الكوني والاجتماعي يفرض أن يكون الأقوى هم الممثل والقائد من بين الفرقاء. ولا هو ممكن ما لم يكن تنسيق وموافقة سابقة من المقاومين. والأهم من ذلك أن يكون انبثاق الجناحين أو الخيارين من جسم واحد أصلاً هو الذي يقود ويوجه ويحصد الثمار. وهو ما صرح به الأستاذ الراشد في بداية كتابه، وكنا نقوله منذ الأيام الأولى. وليس هو بخاف على أحد، ولكن ثقلة تكلفة الجهاد تقود إلى مثل هذه التعلات والأماني السائبة. التي يلخصها الراشد في (ص63)، مضيفاً إلى ما قلت قواعد أساسية أُخرى، بقوله: “وفي أواخر حُججهم: أن المشروع الجهادي ينبغي أن يكون تابعاً للمشروع السياسي، وليس العكس، وأن ذلك هو عُرف العالم والحركات التحررية. وذلك صواب وقول صحيح، ولكن متى ما كان المشروع السياسي وفياً للهدف، حريصاً على التزام حكم الشرع في الجهاد، صلباً لا يبدي اللين، آخذاً بالعزائم لا يميل إلى الرُخَص ولا يُسارع إلى أحكام الضرورات الاستثنائية زاعماً حصول الحرج”.

  1. إما فعل ذلك بقرار فردي خارجاً على توجيهات الجماعة. وقد حصل لهم بعد ذلك ما حصل من الإقصاء والتهميش. والأستاذ الراشد نفسه صرح بأن الجماعة لم تتبنَّ هذا الخيار يوم انطلقت حركة المقاومة، وذلك بفتوى صادرة، وقال في محاضرة له مطولة في (20/9/2003) في مركز الكرخ الجنوبي للحزب الإسلامي، كنت أحد حضورها: “تبين خطأ هذه الفتوى، والفتوى إذا تبين خطأها ليست ملزمة”. وأقول: من الذي تبين له خطأ الفتوى بعد هذه المدة: هو كفرد؟ أم الجماعة كجماعة؟ وكم مر من الوقت بعدها لتتدارك الجماعة الخطأ؟ إن معلوماتي تفيد بأن الراشد نفسه كان في البدء يرى ما يرى الحزب والجماعة من عدم جدوى المقاومة. لكنه ربما كان أسرعهم إفاقة ورجوعاً إلى الصواب.
  2. وإما كان ذلك في وقت الأزمات الكبرى التي تتوحد فيها مشاعر الناس بصورة جمعية، ويندفعون إلى الهدف بفعل المجموع لا بفعل الفرد ولا الجماعة الخاصة، مثل معركة الفلوجة الأولى، وربما الثانية؛ فالناس يتوحدون عند الأزمات العامة في مشاعرهم وسلوكهم توحداً يعلو على الفوارق الخاصة ذاتية كانت أم فئوية؛ فالتصرف الكائن في هذه الحالة لا يعبر عن موقف جماعة بقدر ما يعبر عن موقف جمعي، له علاقة بالجمهور أو المجموع الأوسع. فإذا انتهت الأزمة الموحِّدة عاد كل عنصر من العناصر التي توحدت فيها إلى وضعه الخاص، المعبر عن جماعته أو مجموعته أو عشيرته أو ذاته.
  3. وإما جاء الفعل متأخراً بعد ثبات المقاومة ونجاحها وظهورها على ساحة الأحداث كعامل رئيس من عوامل الصراع، وعنصر فاعل من عناصر الحسابات في أي معادلة مؤثرة: سياسيةً كانت أم غيرها. فالجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية (جامع) ظهرت بعد قرابة عام من الاحتلال. وأما (حماس العراق) فهي عبارة عن جماعة انفصلت عن (كتائب ثورة العشرين) في أواخر سنة (2006)، أي بعد سنتين ونصف من الاحتلال. وهؤلاء مجموعة إخوانية حملت السلاح في بداية الأمر دون موافقة الجماعة، بل خروجاً على أمرها. هذا ما رأيناه ولمسناه بالمشاهدة المعززة بالمعلومة المباشرة منهم. والله أعلم بالسرائر.

ما مطلوب أكبر

يبدو للقارئ الذي تصدمه حقائق الكتاب بقوتها وتنوعها وتحليلاتها القيمة وكونها صادرة من داخل الصف أن صاحبها قام بدوره وأدى ما كان عليه أن يؤديه. غير أني لا أرى أن هذا هو كل المطلوب من شخص كالأستاذ الراشد، ومن هو في موقعه في الحزب الإسلامي ومنزلته في جماعة الإخوان حيال انحراف كبير – كما هو مقتضى توصيفه – فشا في جسد حزبه الذي يحبه وينتمي إليه، ويعتز بهذا الانتماء. يترك السفينة بين  أمواج المحيط بأيدي ملاحين فاشلين، ليسبح على جذع أو لوح، أو يستقل سفينة قريبة إلى الشاطئ، ومن هناك يلوح بيديه يقول: “من هنا من هنا، هكذا هكذا، انتفضوا أيها الركاب على الربابنة، غيروهم قبل أن يغرقوكم”.

 

2020/12/18

 

التخطي إلى شريط الأدوات