مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

الإخوان المسلمون .. رحلة نحو القاع

الحلقة السادسة / التأخر الزمني والاختزال النوعي في رؤية الراشد لأزمة الإخوان

د.طه حامد الدليمي 

مرحلة بعد مرحلة.. وسنة بعد سنة.. ويوماً بعد يوم، تطفو على السطح علامات مريبة لسلوك جماعة (الإخوان المسلمين)، ومنها علاقة الجماعة بإيران! في كل مرحلة نكتشف شيئاً أعمق.. وشيئاً أعمق، وباستمرار! ويلح سؤال: ما السر؟ في البدء كنت أراها انحرافاً في المنهج. ثم توالت الأحداث لتنفرج عن أمور تُجبرك على أن تنزل في البحث إلى ما تحت السطح. رياضية السر تفصح عن خطأ في النتيجة لا يكفي الانحراف وحده لتفسيره. المعادلة في حاجة إلى عامل آخر لكي تستقيم. ترى! ما هذا العامل؟ أو ربما كانت هناك عوامل أَخرى، من يدري؟ في خريف 2008 كتب الأستاذ محمد أحمد الراشد – وهو من قادة إخوان العراق – كتابه (نقض المنطق السلمي) في انتقاد من أسماهم (مجموعة العمل السياسي) في (الحزب الإسلامي). قرأت الكتاب فوجدته في حاجة إلى نقد هو أقرب للنقض منه إلى النقد. فكان كتاب أسميته (المنطق السليم) انتهيت منه مطلع 2009. هو محاولة أو رحلة للغوص نحو القاع. في عشر السنوات اللاحقة وقعت أحداث محلية وعالمية وحصلت لي تجارب صادمة جعلتني أنظر إلى كتابي على أنه مسافة انتقالية تمهد للوصول إلى حافة الغوص إلى هناك. لكنها مسافة مهمة لا يستغنى عنها للذين يستهويهم الغوص الهادئ إلى الأعماق. إليكم حصيلتها كما كتبت آنذاك. في إطار مقالات أسبوعية. ومن الله نستمد العون والسداد.

**

كعامل في الميدان منذ الثمانينيات، مر بمختلف التجارب، وتعامل مع جميع أو أغلب أصناف الدعاة الموجودين في الساحة على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم وتوجهاتهم، وأقام معهم علاقات، واشترك في مهام ومساعٍ ونشاطات. كل ذلك بروح الفاحص الناقد، وعقلية الطبيب الذي يبغي تشخيص العلة أولاً قبل توصيف العلاج. ورغم أن المؤلف (أ. الراشد) ينطلق من مؤسسة لها جذورها الضاربة في المجتمعات العربية وغيرها منذ سنة 1928. بينما لا نملك نحن مثل هذه المؤسسة أقول: كعامل في الميدان منذ ذلك العهد، ومع الحيثيات المذكورة لم أجد في كتاب (الراشد) من الجديد الكثير على مستوى النقد المنهجي والرؤية الموضوعية الشاملة للخلل: تشخيصاً وعلاجاً.

  • الظاهر أن رؤية الراشد لوضع العراق الصادم – على حد تعبيره هو – لم تكن لديه قبل العودة إلى البلد بعد الاحتلال، وإنما تكونت صورتها لاحقاً نتيجة الضربات المتلاحقة للأحداث. وهو شيء غريب طبقاً لمنطق الأشياء؛ كيف لا والرجل من كبار (الجماعة)؛ فيمكنه بشي من الجهد أن يرصد الخلل الخطير الذي تعاني منه جماعته أنى أقام، وأينما سافر فزار أفرادها ومؤسساتها هناك وشاهد ما هي عليه في هذا القطر أو ذاك!

أحد أصدقائي، وهو من (الإخوان)، سافر خارج العراق قبيل الاحتلال سنة 2003 بقليل، والتقى أ. محمد أحمد الراشد. عبّر لي عن صدمته من التصورات الحالمة التي وجدها لديه عن الوضع في العراق. يقول: كنت أستمع إليه وهو يحدثني عن دعوة (الإخوان) ومدى انتشارها في البلد، وأن التغيير قادم وكأنه أصبح قاب قوسين أو أدنى.

كنت أستمع إلى صديقي وأعجب من هذه (الخيالات) المجنحة.

وصدقَتْ (خيالات) الراشد، فاحتُل العراق. وتسارعت الأحداث الصادمة وتكشفت معها بالسرعة نفسها أسرار وتوفرت معلومات، منها أن جماعة الإخوان شاركوا عن طريق (الحزب الإسلامي) في (مؤتمر لندن) الشيعي الذي عقد بدعم أمريكي في منتصف ديسمبر 2002 للتحضير لمرحلة ما بعد صدام حسين في العراق. الغريب أن بعض الأحزاب والجهات الإسلامية انسحبتْ من المؤتمر لما لمسوه فيه من طائفية، بينما استمر الحزب الإسلامي الإخواني في حضور جلسات المؤتمر حتى النهاية. وربما شارك الإخوان في غيره من مؤتمرات مماثلة.

دفعتني هذه المتغيرات بعد حين إلى التأمل فيما قاله لي ذلك الصديق. وقادني التأمل إلى أنه لا بد أن يكون الراشد على علم بهذا؛ فهل قال ما قال آنذاك في ضوء ما كان يعلمه مما ذكرت؟ ولم تكن أحلامه مجنحة إلى الحد الذي صدم صديقي وجعلني لا أرى فيما قال سوى خيالات لا أساس لها؟ ربما.

وربما كان هذا وراء الاستبشار الذي كنا نلمحه على وجوه الإخوان أيام الاحتلال الأولى، والتطمينات التي كان ينثرها كبارهم في المجالس. ومما يسند هذه الرؤية ما صرح لي به أ. طارق الهاشمي فقال: كنت أرى أن طائفية الشيعة كانت ردة فعل على ظلم صدام، لن تطول سوى بضعة أشهر حتى تزول لنضع يداً بيد وننصرف لبناء البلد. كما كنت أرى أن إيران حريصة على جعل العراق نموذجاً للتغيير على مستوى المنطقة؛ فلا بد أن تحرص على الإستقرار  والسلم الداخلي!

في الوقت الذي كان الإخوان يعيشون هذه الأوهام عن الشيعة وإيران، كنا، ومن دون مؤسسة جماعية، نلحظ وجوهاً خطيرة من الخلل تغزو منهج (الإسلاميين) في الدعوة والتغيير، حاولت أن ألخصها في مصطلح جامع يعبر عن ذلك الخلل المنهجي قدر الإمكان، فكان (المنهج الترضوي). وأن ألملمها في كتاب بعنوان جامع أيضاً فكان (لا بد من لعن الظلام). ذلك الذي بدأت بتأليفه سنة 2001 وانتهيت منه في آذار 2002. وكان مما قلته فيه: “لا بد من التنديد بالباطل وقول الحق الذي يزعج، وأنه لا مناص في منهجنا الرباني من لعن الظلام”.

إن النظر في تاريخ تأليف الكتاب يعطي بالمقارنة فكرة عن مدى التخلف الزمني عن الرشاد المطلوب لرؤية الراشد والمؤسسة الحاضنة له! وأحمد الله جل جلاله على أنني لم أكن آنذاك أنطلق من مؤسسة؛ يبدو أن وجود تلك المؤسسات كان عائقاً أمام التقدم، وكان حجاباً ساتراً يمنع المتقدم من رؤية الطريق!

  • إن ضعف التقيد بالشرع، وسهولة التفلت منه بحجة المصلحة، وهجر القرآن، وتصيد مواطن اللين فيه وفيما ورد عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، والجنوح إلى غير ذات الشوكة كالذي ذكره الراشد (ص59) بقوله: “ومن الغريب بعد هذا البيان أن يكون أحد دعاة التجرد لطريق السياسة دون الجهاد يعتقد أنه قد أطال النظر في القرآن الكريم فوجد أن أكثر ما فيه التركيز على قصص الأنبياء عليهم السلام وحرصهم على تعليم الناس الإيمان، وأما الجهاد فذِكرُه في القرآن أقل، ويستنبط من ذلك أنه طريق عارض واستثنائي.. وهذا اجتهاد غلط سببه الجهل بالأصول وأساليب الاستنباط” إهـ.. كل هذا كان مرصوداً، وكنت أنبه عليه وأحذر منه في خطبي ومحاضراتي وكتاباتي، وفي الجلسات والجولات الدعوية وغيرها، إلى درجة أني كنت أقول: إن الذين ينادون بالرجوع إلى القرآن هم أولى بهذا النداء. لكنني لا أعزوه إلى (اجتهاد غلط سببه الجهل) من فرد أو أفراد كما فعل الراشد، إنما هو نتاج منهج غلط، تسير عليه جماعة. وقلت في تعريف موقعنا موقع (القادسية): “نعتقد أننا في حاجة ماسة إلى الرجوع إلى القرآن ومنهجه الصافي. منخلعين من كل المؤثرات والتصورات السابقة. وكنت أقصد بكلامي هذا – أول ما أقصد – العلماء والشيوخ والدعاة، ومن يطلق عليهم وصف (الإسلاميين)؛ فهم من أحوج الناس إلى الرجوع إلى كتاب الله تعالى في منهجهم، بعد أن اجتالتهم السياسة بعيداً عن السبيل، وأفسد عليهم أمرهم اللهاث وراء ما يسمونه (المصلحة) أو (المصلحة الشرعية). لكننا لا نرى إلا شرع المصلحة، ودين السياسة، وإسلام الحزب. بدلاً من مصلحة الشرع، وسياسة الدين، وحزب الإسلام! واقلب تكسب). وتاريخ التعريف هو (14/6/2006)، ومنشور على الموقع من يوم ظهوره على شبكة المعلومات في 1/1/2007.
  • إن غياب التخطيط المسبق وغيره من ألوان الخلل ذكرته في تلك المواضع والمصادر بالتفصيل، وإن بألفاظ وتعبيرات أخرى. وطرحنا منهجية (التغيير الجماعي) الغائبة تماماً عن أنظار أصحاب (المنهج الترضوي)، الذين لا يعرفون سوى أساليب التغيير الفردي، البعيد عن طريق ذات الشوكة.
  • أما المداورة – كما يقول الراشد – وكتمان الحق وعدم التصريح به والسكوت عن التنديد بالباطل، بل مجاملته والتعايش معه، وربما تملقه والتزلف إليه، فإن رؤيته الواضحة هي السبب الأساسي الذي من أجله كتبت كتابي المذكور آنفاً، وأطلقت عليه ذلك العنوان (لا بد من لعن الظلام)؛ فإن (الجماعة) اتخذت من شعار “بدل أن تلعن الظلام أشعل شمعة” منهجاً لا محيد عنه في مسار التغيير الموهوم. وهو شعار مستورد من الصين أرض (الحرير)، لا نص نازل من السماء على أرض (الأحرار) والتحرير.

فقول الراشد (ص76): “وأما أن نعمل بقوانين جَبْر الخواطر، والدبلوماسية، وأن نَمَسّ الليّن بوَرد الجُورِي، ونلمسه بزهرة القرنفل فقط في يوم تفجّر دماء الأبرار برصاص المستعمرين الأوغاد: فتلك بدعة دخيلة على سلوكنا الدعوي الذي عهدناه يقول للمخطئ: أخطأت، ويقول لمن حاد عن الأمرِ والسبيل: حرمت نفسك صحبة الرعيل”.. هذا القول من الراشد ليس دقيقاً، ولا صحيحاً. إن هذا السلوك اللين المهادن للباطل، المجامل لأهله، لم يكن “بدعة دخيلة على السلوك الدعوي” لجماعة (الإخوان) لا من قبل ولا من بعد. بل هو منهج وجدناها، ووجدنا كل المؤسسات الدينية، تترسم خططه العوجاء، وتسير على خطواته العرجاء.

ومما أود ذكره هنا أنني بعثت بكتاب (لا بد من لعن الظلام) – عن طريق الأخ الشهيد إياد العزي رحمه الله تعالى – إلى الأستاذ الراشد منذ الأيام الأولى لعودته إلى البلد في صيف 2003، مع الإفصاح عن رغبة باللقاء، يدفعني إليها أمران:

  1. الأمل بأن نجمع الخبرتين لنبلور معاً منهجاً جديداً لمواجهة الخطر الشعوبي غير المنهج التقليدي القديم.
  2. وما سمعته من الأخ إياد أن البعض نقل له صورة مشوشة عني.

وكان رد الراشد: لا أستطيع أن أحكم على الرجل إلا بعد قراءة كتبه. فبعثت له الكتاب وبعض المؤلفات الأخرى. لكن يبدو أن التشويش كان شديداً فلم يتحصل لي اللقاء رغم محاولاتي قبل مرور سنة ونصف، سوى لقاء تعارفي عابر في أيلول/2003 في مقر الكرخ الجنوبي للحزب الإسلامي على هامش محاضرة له فيه.

 

17/3 (آذار/ مارس) 2021

اظهر المزيد

‫7 تعليقات

  1. الاخوان الخاضعون للتشيع ومدعين الاسلام الذي تبرأ منهم هم اخوة الشيعة اما عبارتهم بدل ان تلعن الظلام اشعل شمعة انقلبت ضدهم واحرقوا انفسهم والظلام دنسهم .

  2. فكر الإخوان فكر بشري بعيد عن المنهج القرآني قدم السياسة على الدين وجعله من ضمن الوحدة الوطنية التعايش مع الشيعة لأنه اعتقد ان إيران دولة إسلامية وفي نظرية ولاية الفقية المرشد العام (الحكم العادل) ، الإخوان المسلمين يستمدون كل المسار والحركة من المنهج الترضوي وهو الجسر الذي دخلت إيران من خلالهِ إلى الدول العربية السنية كل هذه الخطوات التي سار عليها الإخوان هل تمثل الاسلام؟؟ هذا مستحيل تماماً لأنه يخالف المنهج القرآني جملةً وتفصيلا ، لابد من لعن الظلام للدكتور طه الدليمي كتاب يرشدك إلى القرآن ويعلمك الإسلوب الدعوي أمام كل الطوائف والمناهج الضالة وخاصة التشيع الماكر الخبيث في زماننا وهو مشكلتنا الاساسية قال تعالى (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) .

    1. الإخوان المسلمون امرو بالمعروف
      وتركوا المنكر… التشيع وايران
      الى ان تمكن وتمكن وفعل ما فعل
      وهم عن فضحه ومحاربته صامتون
      الى ان اصبحوا بسياستهم الغبية
      ذراعه الايمن في هلاك الدول السنية العربية..اذن هم بعيدين كل البعد
      في نصرة دينهم والمسلمين
      وهذه نتيجة كل من يبتعد عن المنهج الرباني القراني

  3. معانات و جهود طيبة ومباركة شيخنا الفاضل،أقول حينما تخلت المؤسسات عن تبني هذاالفكرالراشد والرائد، كان
    خيراًوأبقا
    من تلويثه بالأفكار السائدة الترضوية التي عشعشت في عقول الاخوان….؟!وبشرك ( د) انشقة مجموعة تتبرأمن المؤسسة السياسية وتتبناالمنهج الدعوي الترضوي القديم،أوردت حليمة العادته القديمة.كمانقله لي صديق قال نفس الأفكار القديمة الترضوية

  4. “لا بد من التنديد بالباطل وقول الحق الذي يزعج، وأنه لا مناص في منهجنا الرباني من لعن الظلام”
    الاخوان المسلون مارسوا الترضوية والانبطاحية حتى سقطوا في مستنقع الخيانة وتضييع القيم والاهداف التي نادوا بها.
    يتحدثون عن التغيير وبضاعتهم من الشرع تقديم مكاسبهم الشخصيةو التعامل بحزبية بحتة واناشيد وتطبيل وتزمير .

  5. هذا الانحراف في المنهج هوه حب الدنيا ومناصبها الوهميه، وهذا اللين هوه جُبن وتخاذل وبعد عن منهج الله،
    تكشفت نواياهم واتضحت أفكارهم الهشه
    وهيه أقرب للنفاق منه للايمان

  6. “لا بد من التنديد بالباطل وقول الحق الذي يزعج، وأنه لا مناص في منهجنا الرباني من لعن الظلام.”
    استخلصت هذه العبارة من كلام الدكتور طه..لاقول ان جماعة الاخوان المسلمين لم نر منهم سوى شعارات فضفاضة جوفاء خيالية وصدمنا بواقعهم الترضوي الذي ذابت به قيمهم التي كانوا ينادون بهاحتى اودت بهم الى مستنقع الخياينة والانحطاط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: