قصص وخواطرمقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

صديقي .. بائع الكـتب

قصة قصيرة

د.طه حامد الدليمي

الخميس 2004/7/8 كان يوماً عادياً كباقي أيام الصيف القائظة التي مرت كما مر غيرها من الأيام على جسر الشهداء. ذلك الجسر الذي يصل بين الشواكة في الكرخ وسوق السراي الذي يلتقي في نهايته بشارع المتنبي في الرصافة. هذا إن قسناه بالمفهوم المجرد للزمن، لولا أن صباحه كان ينتظر بعد قليل لحظة غير عادية. نحن في زمن الاحتلال الشرقي للبلد!

لا يمكنني أن أمر من هناك دون أن أقف لحظة مهما استحثني الوقت! لشواهد التاريخ هناك أثرها الذي يفعل فعله في القلوب الضاربة جذورها عميقاً في تربة الوطن. يكفي أن ترى أمامك إلى يمين الجسر بناية المدرسة المستنصرية، ما زالت قائمة تتحدى الأيام وتتكلم بصمت هو أبلغ من كل ما نسج الفصحاء على حواشيها من حروف! ولبغداد أنى اتجهت أثر ينطق، وكلمة تتسربل بجلال الصمت.

**

على مسافة أربعة أيام بعد ذلك الخميس مررت بصديق لي في بغداد. وبينما هو يناولني كأس الماء ألقى إلي بخبر آلمني كثيراً عن صديق لي فرقتنا الحوادث منذ زمن طويل! شعرت بالحزن، ودار في ذاكرتي شريط طويل من الصور.. بعضها جميل، وبعضها تود لو أنك قادر على أن تمحوه بلمسة وتستريح أبد الدهر.

كان خفيف الظل دائم البشر، لا تكاد تفارق الابتسامة ثغره، ولا البشاشة وجهه رغم حالة الضيق والعوز الشديد الذي يعاني منه. رغم كل شيء لم يسلك طريقاً غير طريق الله. تلك حقيقة لا يشوبها شك، ولا يختلسها ريب.

تعرفت عليه بداية ثمانينيات القرن الماضي في مسجد (الحرية) في حي العيواضية. كان يسكن ذلك الحي وكان المسجد قريباً من سكنه، وقريباً كذلك من كلية الطب التي كنت آنذاك أحد طلابها. كان حريصاً على حضور الجماعة فنلتقي هناك كلما قصدنا المسجد للصلاة. وقد يأخذنا الحديث بعد الخروج من المسجد فنغيب في أزقة الحي المسكونة بشجر القلمطوز عن يمين وشمال، ودروبه الكثيرة ماشيين نتحدث عن الدين والتاريخ والشعر والحرب المشتعلة والتحديات والأوضاع.. ولم تكن الأمور الخاصة بمعزل عن أحاديثنا.

– متى تتزوج يا علي؟

يضحك ثم يجيب مع مسحة حزن يخفيها بضحكة خجول:

– الله كريم!

وتذكرت ضحكته المميزة.

كانت عالية بعض الشيء لكنها دافئة حانية.. لا تفارقه، حتى وهو يأخذني مرة إلى شقتهم المتواضعة في عمارة مزدحمة بالسكان والضجيج. ورأيت هناك.. وسمعت كل شيء. الشقة قالت. هو لم يقل. كما لم أره يوماً يشتكي أو يقول شيئاً أو يشير إلى شيء.

وتخرجت بعد سنين قلائل.. وغادرت الكلية وحي العيواضية ومسجد الحرية، وابتلعتنا دروب الحياة المزدحمة بالعمل والكفاح وأشباح الحرب.

تمكن صديقي من إنهاء دراسته بتفوق في معهد التكنولوجيا. كان من العشرة الأوائل. ثم أصبح أستاذاً في معهد بمحافظة كركوك شمالي العراق، لكنه لم يتمكن من مواصلة العمل فيه طويلاً؛ لقلة الراتب وبعد المكان وصعوبة الظرف. علمت منه ذلك يوم التقيته صدفة بعد عشر سنوات في شارع المتنبي بائعاً للكتب.

– هل تزوجت يا صديقي؟

ويضحك، ضحكته تلك التي لا تفارقه، هي نفسها.. العالية بعض الشيء الدافئة الحانية! وقال:

– مو بس تزوجت، بل وجاءنا عمر!

– ما شاء الله! الله يخليه.

أبو لؤلؤة ( العربي ) فوق جسر الشهداء

كان من القلائل من بين باعة الكتب الذين تجرأوا على تحدي القراصنة ليعرضوا رسالة الحق تحت الشمس. واستمر على ذلك رغم التهديد! قال لي صديقي البغدادي أنه رآه قبل ذلك الخميس بأسبوع في مكتبته في شارع المتنبي، فقال له: لقد توعدني العلوج. لكنني قررت أن لا أستجيب. سأستمر على ما أنا عليه ما أعان الله!

أكيد قالها وهو يؤدي – بأمانة – ضحكته تلك التي لا تفارقه.

في ذلك الصباح، يوم الخميس 2004/7/8 كانوا هناك يكمنون. وأقبل علي المشهداني يمشي فوق الجسر قادماً من بيته في حي (الرحمانية) إلى محل عمله في شارع المتنبي.

وفجأة انطلق صوت انقبضت له القلوب.. إنها رصاصة، بل صلية رصاص تكررت مرتين! وبأسرع من البرق التمع سؤال ألفته الذاكرة الجمعية حتى صار جزءاً من نسيجها: من الضحية هذه المرة؟

انظر! لم يسألوا عمّن نحر الضحية؟!

وتبعه على الأثر صوت.. كلب عوى فإذا هو يقول: “وهابي قذر”!

وعلى بعد خمسين متر اً كانت سيارة شرطة ترقب ما يجري بهدوء. لم يتحرك منهم أحد!

لكن الملئكة كانوا يرقبون ما يجري أيضاً… وربما كان علي يعلم بما يدور هناك! حتى إذا تم كل شيء ارتفعت إلى السماء تحمل في أكفافها صوتاً آخر، مختلفاً تماماً كاختلاف الروح عن الطين المسنون.. يهمس بحنان وإيمان: “لا إله إلا الله.. محمد رسول الله”. تاركين في المكان أخاً له ممدداً على الجسر يتأوه من جروح بالغة!

وسجل تاريخ العراق، الذي كتبناه بأيدينا قبل أن تطاله أقلامهم – كما في كل مرة – بعفن زورها.. نعم سجّل: إنها المرة الأولى التي اغتيل فيها بشارع المتنبي رجل سلاحه الوحيد كلمة.. ذلك الشارع الذي صار مسرحاً للمجوسية المبرقعة.

وكانوا.. كانوا هم البادئون!

23 آذار 2021

 

 

اظهر المزيد

‫16 تعليقات

  1. ما أكثر أهل السنة على شاكلة صديقك (رحمه الله تعالى) لم يكن سلاحهم سوى الكتاب والكلمة، فمن سيسجل ما حدث لهؤلاء؟ ومن سيوثق أسمائهم لكي لا يزور التاريخ مرة بعد مرة؟ لتعود إلإخوة الشيعية السنية من جديد تحت غطاء وطني أو قومي أو أو أو ضع ماشئت،لينجو المجرم الشيعي من جرائمه كما حصل في كل مرةعبر التاريخ.

  2. الله اكبر، رغم الألم التي في القصة ؛ الا انها لبنة من تلك اللبنات التي لابد ان توضع في جدار اهل السنة الذي لا يمكن خرقه وتكون حصناً حصيناً تلك القصص التي هي بالالوف امثالها، كيف لنا ان نعيش يوماً مع هؤلاء؟!

  3. نعم هم البادئون … ولكن النهاية ستكتب على أيدينا إن شاء الله.
    رحم الله تلك القلوب الصادقة…..

  4. اللهم ارحم شهداء السنة الذين ذهبوا ضحية الغدر الشيعي ، نعم انهم البادئون والبادي أظلم..بوركت دكتورنا قصة معبرة بطريقة أدبية شيّقة ومعبّرة.

  5. منذ وجودهم وإلى اليوم.. في كل مرة هم المعتدون، والفعل فعلهم، لكنهم يسبقوننا ليشتكون؛ ليصبحوا المجني عليهم ونحن الجناة.

  6. سلام على الساعين إليه بأرواحهم الفتية.. وقلوبهم الموقنة..
    وسلام علينا حين ترتعش دموعنا بين السطور ..

  7. لن تزول ذكراهم من قلوبنا شهداء القضية رسموا لنا الطريق ونحن عليه سائرون ، التاريخ سطور كتبت بدمائهم وعلينا الا ننسى هذا التاريخ.

  8. ألبا دئون بالعدوان هم البادئون من وإلى يومنا هذا هم المعتدون ؟ وأهلنا في الوهن تائهون، فسلاماً
    على عباد الله المجدد ون المصلحون

  9. وفاؤك أيها الأستاذ المعلم طرزته كلمات حنينك تحت حنايا آهات مشتاق، ذكريات حفرناها داخل أعماقنا وصوراً حفظناها في عيوننا حنين عظيم حبسناه داخلنا والأشواق باتت واضحة بكلماتنا.
    ذِكْرَى يَعُودُ إِلَى الفُؤَادِ حَنِينُهَا… دَوْمًا إِذَا ذَاقَ الفُؤَادُ أَسَاتِ. دَعْنِي أُمَتِّعُ بِالتَّذَكُّرِ خَطْرَتِي… وَعَلَى الطُّلُولِ أُمَتِّعُ النَّظَرَاتِ مَا زِلْتُ أَذْكُرُ هَاهُنَا خَطَوَاتُنَا… وَعَلَى الرِّمَالِ وَنَقْذِفُ الحَصَوَاتِ.
    زَمَنٌ تَوَلَّى مِنْ رَبِيعِ حَيَاتِنَا…فِي ظِلِّهِ مَا أَجْمَلَ الأَوْقَاتِ
    أَتَذَكَّرُ الأَصْحَابَ حِينَ يَضُمُّنَا… لَعِبٌ عَلَى سَاحٍ مِنَ السَّاحَاتِ.
    نَجْرِي وَنَجْرِي لَيْسَ نَدْرِي أَنَّهَا… تَجْرِي بِنَا الأَعْمَارُ فِي السَّاعَاتِ.
    وَمَضَى الزَّمَانُ وَنَحْنُ نَجْهَلُ سَيْرَهُ… حَتَّى قَضَى لِجَمَاعِنَا بِشَتَاتِ.
    وَأَفَقْتُ يَوْمًا عَنْ رِفَاقِيَ بَاحِثًا…أَيْنَ الذِينَ بِوَجْهِهِمْ بَسَمَاتِي؟
    أَيْنَ الصِّحَابُ؟ وَأَيْنَ جَمْعُ أَحِبَّتِي؟وَمَشَيْتُ فِي تِيهٍ مِنَ الخَطَوَاتِ.
    وَمَشَيْتُ فِي دَرْبِي أُرَدِّدُ قِصَّتِي… وَأُحِسُّ فِي التِّذْكَارِ بِالنَّسَمَاتِ.
    مَا أَصعب الأَيَّامَ تَمْضِي غَفْلَةً…زَمَنُ الصَّفَاءِ يَمُرُّ فِي عَجَلاَتِ.
    نعيش وسط همجية فارسية في مجتمعنا تذبح الكلمة كما ذبحت المتكلم اغتالت الذكرى الجميلة والإبتسامة البريئة وزرعت الحزن واثمرت الموت وامطرت نار المجوس بحقدها لتحرق زهرة الحياة فخلفت أطلال آهات لم يبق منها إلا الذكريات.

  10. ( هم البادئون)
    يهجمون ويقتلون ونحن المدافعون
    وجاء التيار السني يوقف هذه المهازل
    لايطالب بحقوق اهل السنة ويكتب
    في التاريخ ماصنع شيعةالفرس بارض
    الرافدين من ظلم وظلمات ومنكر وموبقات.

  11. رحم الله صديقك علي ابو عمر
    وكل شهداء اهل السنة في العراق
    الذين قتلوا على يد الفرس وشيعتهم الكفار
    33

  12. الشيعة يطبقون كل أدوار الغدر والمكر والقتل والحقد الطائفي على رؤس اهل السنة وفي نفس الوقت يتهمونا بهذه الجرائم الوحشيه وهم البادئون بالعدوان، والمثل الشائع العراقي يقول
    (ضربني وشتكه وغلبني بالبجه ) هذا دور الشيعة في وسط المجتمع السني، كيف تعيش ايها السني مع حاقد ولص ومغتصب وغادر وقاتل ومجنون أمثال الشيعة

  13. رحمه الله هو جندي من هؤلاء الجنود المجهولين في الارض مشهورين في السماء بأذن الله كم شخص مثله لا نعلم بقصصهم ضحوا بارواحهم في سبيل الحق والثبات عليه

  14. رحم الله ابو عمر ورحم الله كل شهداء أهل السنة الذين دفعوا حياتهم ثمن التوحيد.
    في هذه القصة عبرة لكل من ينادي بالاخوة مع الشيعة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: