الأيام الخواليديوان القادسية

في الذكرى ( 16 ) للهجرة إلى الغرب

الفصل ( 47 ) من رواية ( هكذا تكلم جنوبشت )

د.طه حامد الدليمي

في يوم 5 حزيران أُخرجت من وطني مهاجراً إلى الشام.

لم يكن في البال هذه المرة أن أكتب شيئاً في المناسبة. ومر يوم أمس بصمت؛ فما الذي طرأ حتى غيرت رأيي وكتبت، وبهذا الحجم من المكتوب؟!

شيء لفتني ليلة البارحة وأنا أقرأ مع ابنتيّ أحد فصول رواية (هكذا تكلم جنوبشت)، وقد وصلنا في مسلسل القراءة الستيني إلى الفصل (47). فإذا أنا أتعثر بهذه العبارة ” حتى حلّ يوم الخميس.. الخامس من حزيران”! أها! يوم الخامس من حزيران! إنه ينادي: أين أنت مني؟ أفأقعد عن نداء يوم حبيب! الغريب أن هذا التاريخ يمثل – بالنسبة لي – يوم هجرة أو تهجير سابق لكن داخل الوطن. كان ذلك سنة 1997.

لقد اجتمعت المناسبتان مع يوم الذكرى في جِلسة قراءة من غير تخطيط. قلت: إنها الأقدار! ولعلها مقصودة. وكأن المصادفة القدرية تقول لي: لا بد أن تكتب. قلت: نعم لا بد. لم أستغرق أكثر من دقيقة للتفكير في مادة الموضوع. لقد أجاب الفصل عن كل شيء. طيب وطول الفصل كيف تعالجه؟ الأمر يسير بإذن الله. أكتب أوله على الصفحة الرئيسة (للتيار)، ثم أكِل البقية إلى حقل (الأيام الخوالي) في (ديوان القادسية).

وإليكم إرهاصات الخروج أو الإخراج من (هناك) والعودة إلى الموطن الأول.

( 1 )

تسارعت عجلة الأحداث، تمحو بصلافة كثيراً من الخطوط التي رسمتها على الورق.

سهم البوصلة يأبى إلا أن يتجه نحو الشمال.

لا بأس. لكن الانسحاب المنظم وسِعَتْه الورقة ولم تَسَعْه الأرض الرحبة.

تربة الواقع غير صالحة لاحتضان أجمل شتلات الحُلُم البهيج. وطاقة أفراد معدودين في مواجهة طوفان أمة مستيقظة ليلَها ونهارَها، أعجز من أن تنتصب لواجب نكصتْ عنه أمة نائمة ليلَها ونهارها.

حقاً نحن نعيش في عصر غير عصرنا. النغمة المنفردة لا تجد لها أذناً في سوق الصفارين. التربة في حاجة إلى استصلاح أولاً، والسوق ليس هو المكان المناسب للعزف الجميل. وقومنا لا يحسون بنا حد الغيبوبة.

الغيبوبة؟ يا ليت!

إذا بلغت الأشياء مدياتها انقلبت إلى الضد، كمن يوغل في الاتجاه إلى الشرق.. سيستيقظ يوماً ليجد نفسه في عين الغرب! إذذاك تختل الظواهر وتأتي نتائجها مغايرة لمقدماتها.

لقد بلغت الغيبوبة مداها.. نعم وانقلبت إلى أضدادها، لا في النوع فحسب، إنما في الاتجاه أيضاً! تحولت إلى يقظة.. يقظة نعم، ولكنها ضدنا! فلا بغيبوبتهم استرحنا، ولا بيقظتهم انتفعنا.

أما نحن فاستيقظنا منذ زمن بعيد. لكن ثبت أننا في حاجة إلى يقظة في اليقظة!

استيقظنا لنعزَفْ لحننا الهادئ الجميل. وفي أيدينا شتلات تبحث عن أرض تحضنها قبل موسم الجفاف.

ولو كنا مستيقظين في اليقظة لاكتشفنا عند أول أنملة تسلقت سُلَّم العزف أن سوق (الصفارين) يخنق اللحن الهادئ الجميل. هذه الأماكن لا يناسبها سوى حنجرة تمزقت أوتارها من الصراخ. الدف المشقوق أفضل آلة للطرب في هذا الضرب من الأماكن، المشحونة الأجواء بأنكر الأصوات وأبشع الصور.

**

تأملوا هذه المعزوفة الغريبة بين تلك المطارق العجيبة.. وهذا الحلم البهيج وهو يتدحرج رأساً على عقب، وعقباً على رأس في أرض مزروعة بالجلاميد!

بين محافظتي الديوانية والنجف ثمت مدينة تسمى (الشامية)، تقع وسطاً بين المدينتين، وتتبع الأولى إدارياً. فيها جامع اسمه (جامع الشامية الكبير). آخر موظف سني شهده الجامع مؤذن عابث. لقد بلغ عبثه أن كان يستخدم الحرم مناماً له ولعائلته بمن فيهم زوجته! وفي إحدى الليالي أقام حفل زفاف ابنته وسط الحرم! لا أدري من هو؟ ومن أين؟ وإلى أين ذهبت به صروف الدهر. سوى أن الجامع أُغلق وراءه. ومرت على ذلك سنين.

استغل القوم غيبوبة قومنا وغيبتهم عن المكان، متبعين آلية الاستيلاء المنظم.. حولوا الجامع إلى حسينية أسموها (جامع علي الهادي).. هذا أولاً. وإمعاناً في التغطية على ما فعلوه، وإخفاءً لآخر معلم للجريمة، وزيادةً في التعمية على وجود الجامع الأصلي، بنوا حسينية في مكان آخر من المدينة وأسموها (جامع الشامية الكبير)!

في وسط هذه المطارق انبعث لحن خافت.

وصل الخبر إلى الشيخ حميد الجنابي رئيس لجنة التوعية الدينية، فالجامع يقع ضمن محيط مسؤوليته. وكلّف الشيخ حميد نائبه السيد سعيد الياسري بمتابعة الموضوع. بعد جهود ومشاجرات وصعود ونزول تم إرجاع الجامع رسمياً إلى وضعه السابق. لكن هذا لا يكفي ما لم يشغل الجامع إمام وخطيب ومؤذن. وعُين خليل خطيباً للجامع يأتيه يوم الجمعة. يصحبه فالح كوكز إماماً سكن قريباً من الجامع. وباشر بفتح (دورة قرآنية). قلت لسيد سعيد:

– إن بين خليل وبين المنبر مسافة ربما انقطع فيها عنقه. ما زال الوقت عليه مبكراً.

– وماذا أفعل؟ لقد أديت ما عليّ من واجب رسمي وزيادة. الجامع جامعكم، فهاتوا البديل.

– أرى وجود إمام في المسجد يؤذن فيه ويقيم الصلاة ولو وحده يكفي في هذه المرحلة.

ومرت الأمور على المنوال الأول دون تعديل. وكان ما كان من بعدُ من شأن خليل. وكان هذا المسجد بداية انطلاقته في رحلة الفتنة التي مررنا بمحطاتها من قبل.

ليس هذا محور الكلام. إنما شيء آخر. شيء تعلمنا منه ومن مثيلاته أن طاقة أفراد معدودين في مواجهة طوفان لأمة مستيقظة ليلها ونهارها، أعجز من أن تنتصب لواجب نكصت عنه أمة نائمة ليلها ونهارها.

استيقظ فالح على صوت مريب.. طرقات متتابعة على شباك حجرة النوم، وصوت كفحيح أفعى يوسوس له بقوة: “اخرج وإلا خطفنا أولادك وقتلناهم”!

لم يستجب فالح للتهديد.

ومرت أيام..

أذّنَ فالح لصلاة العشاء. انتظر قليلاً كما هو المعتاد. وإذ لم يأت أحد – كالمعتاد أيضاً – قام يصلى وحده. ما إن أهوى إلى السجود حتى هوى أحدهم على رأسه بهراوة قلبته على جنبه يتلبط بدمه الذي ساح إلى المحراب. صحا بعد ساعة وحمل نفسه إلى المستشفى. كان وراء ذلك أفراد من جهاز الأمن والحزب، عرفهم سيد سعيد بأسمائهم.

ماذا نفعل يا سيد سعيد؟

أرسل الرجل أحد الأشخاص بديلاً عن فالح، وزوده بمسدس كي يحمي نفسه. دهم رجال الأمن المسجد، فتشوا الشاب وعثروا على المسدس فاعتقلوه وقلبت القضية ضده. وتحت مطارق التعذيب أجبروه على الاعتراف بأنه أحد الضالعين بقتل أحد المراجع في النجف، مع تأليف قصة طويلة عريضة، أبطالها بعض تلاميذ سيد سعيد.. اعتُقِلوا جميعاً لدى دائرة أمن المحافظة.

هكذا أخذت الأمور منحى آخر تماماً. لم يعد الجامع موجوداً على أي نقطة من نِقاط مساره.

واستُنفدت الطاقة.

عليك الآن أن تبذل ما تبقى منها حتى الثمالة في تخليص رقاب الشباب من حبل المِشنقة، الذي أخذ يلوح أمام عيوننا.. وعيونهم أيضاً! والهدف الأول والأخير – لا شك – رقبة سيد سعيد.

كانت المسافات طويلة.. طويلة جداً بين أقبية الأمن وفضاء الحرية. قطعناها وحدنا أنا وسيد سعيد، نصبح في مدينة ونبيت في قرية.. ونغادر إلى مكتب، ومنه إلى بيت. وكنا نحتال على طول المسافات ورهج الطريق بأشياء منها حكاية الطرائف حتى ألِفناها. من يرانا ونحن نبتسم مرة ونضحك مرة يقول: ما أسعدَهما! على أن قوله لم يكن بعيداً منا. لقد كنا سعداء حقاً، لكن سعادةً مؤجلة لعناء معجل، ندرك تمام الإدراك أنه الثمن لما نطلبه وراء الأفق الباسم السعيد.

هكذا انتهت قصة جامع الشامية الكبير في رواية كبيرة، ذات فصول متنوعة كثيرة. هل تعلم ماذا كانت الأسئلة التي يوجهها رجال أمن المحافظة في التحقيق مع الذين اعتقلوا؟

– لماذا تصلي خمس مرات لا ثلاثة؟

– لماذا لا تصلي على تربة؟

– لماذا لا تقولون في الآذان: أشهد أن علياً ولي الله؟

كان التحقيق يجري والضحية معلق بحبل إلى السقف، وتسلط عليه أنواع ألوان المطارق. ويُجبر على التلفظ بـ(كلمات) بحق الصدّيقة أم المؤمنين! ولا عجب فعضو القيادة، ومدير الأمن، والمحافظ، وأمين سر الفرع.. هؤلاء كلهم (عربشتية)! وهؤلاء كلهم (بعثيون)!

هكذا يكون “البعثي كعمر بن الخطاب في حصانته ضد الانحراف”. كما يقول السيد الرئيس حفظه الله ورعاه. و(إذا قال الرئيس قال العراق). هكذا يكتبون.. (رفاق عربشت) ويعلقونه لافتاتٍ على الجدران. ويعيشونه واقع حال يأخذ بأعناق وخناق وأرزاق أبناء العراق.

هذا أحد فصول الرواية.. عرضته بأقصى ما يكون الاختصار.

( 2 )

طريقان فقط يؤديان إلى القرية. عند مدخل كل طريق نصبت سيطرة تفتيش بإدارة أحد مجاميع (عربشت) في موسم زيارة (الطاق المُذَهَّب). لكن عربشتية السيطرة تركوا كل شيء وانشغلوا بـ(إدارة) المصلين القادمين إلى المسجد من خارج القرية يوم الجمعة. أحدهم شاب كانت معه زوجته، وكانت تلبس على وجهها خماراً…. وتطور الأمر فأنزلوا الشاب من السيارة وأوسعوه ضرباً على قارعة الطريق بعد أن أشبعوه شتماً داخلها!

بعد الصلاة ذهبت بالشاب إلى بيت الشيخ عواد شيخ القرية، فلم أجده. وحمدت الله على أنني لم أجده؛ فشيخ القرية شر من في القرية عنفاً وفساداً وتصابياً رغم تجاوزه السبعين عمراً! من أقواله (الخالدة): “أكرم الناس الكاولي: يذبح لك نعجته ويفرش لك زوجته”! حدثني صديقي شيخ الدين صبار الغراني أنه قصده يوماً مع رفيق له لجمع تبرعات من أجل بناء مسجد. يقول صديقي: لما انتهيت من كلامي قام الشيخ عواد وغادر المجلس دون أن يرد عليّ بشيء. قلنا: الحمد لله سياتينا بالفلوس. بعد قليل دخل علينا حاسر الرأس وقد شد على وسطه يشماغه وغرس فيه طبلة ثم أخذ يوقِّع عليها بيديه ويرقص على إيقاعها برجليه رقصاً واضحاً جداً أن صاحبه محترف وعلى مستوى عالٍ من الاحتراف والانحراف! وذهلنا مما نرى! بعد دقائق لم تطل توقف فجأة عما هو فيه وقال: “هه يريدون مني أتبرع لبناء جامع! أنا وين والجامع وين؟ هل رأيتموني يوماً أصلي؟ عمي أنا رجل كاولي. أنا شيخ الكاولية يا شيوخ الدين!”.

لا تضحك ولا تعجب إن قلت لك: إنه من أصدقاء السيد الرئيس، يزوره ويستزيره ويُهديه في كل موسم سيارة حديثة من الطراز الراقي مع (عليقة). ماذا نفعل إذا كان “البعثي كعمر بن الخطاب في حصانته ضد الانحراف”؟

واستدرت بالسيارة نحو مقر السيطرة. وليتني استدرت بها نحو بيتي. صرخ أحد أقارب الشيخ بالشاب قائلاً: “نحن الحزب.. نحن صدام، الحزب أكبر من الكل.. أكبر من الجامع.. أكبر من (… وأستغفر الله) كيف تكذبني؟!” وانهال عليه ضرباً!

طبعاً هذا (الحزب) الحميت الدسم يدير في المدينة مصرِفاً حكومياً رتع فيه إلى آذانه بحماية خاله الأدسم شيخ القرية. وبينما نحن لكذلك إذ أقبل ابن الشيخ نحونا كما يقبل البعير الهائج وهو يردُم ويهدر. لم يكن أمامي في آخر لحظة سوى الانسحاب حفاظاً على آخر قطرة من الكرامة. وكوفت بأحد ذراعيّ حول عمامتي كأنني أحميها من شيء، وأبقيت اليد الأخرى توجه مقود السيارة، وانصرفت. وكان أحد العربشتية يحمل بندقيته ويركض وراء السيارة التي غادرت موضع الرُدام ويقول: “قفوا قفوا”!

قال ابن منظور: رَدَمَ البعيرُ والحمار يَرْدُمُ رَدْماً: ضَرطَ، والاسم الرُّدامُ، بالضم.

في الليلة الفائتة كانت السيطرة الأخرى قد ألقت القبض على ثلاثة من شباب القرية المقابلة لقريتنا، كانوا يسمرون عندي بعد صلاة العشاء، أحدهم طبيب عسكري برتبة نقيب بحجة أنهم من حزب الدعوة.

– “حزب الدعوة؟!”.

– “بلى”.. أو بَلاء، لا فرق”.

– “كيف بالله عليك؟!”.

– “هه كيف؟ الكيف والطرب عند شيخ القرية وشلته، مو عندنا”.

– “أرجوك!”.

– “ولا يْهِمَّك! كان بيد الطبيب كتاب مستنسخ من تأليفي، وجدوا فيه الخميني. كنت أرد عليه وأفند حججه”.

– “هذا يعني أنهم ضد حزب الدعوة. فكيف يكون العكس؟!”.

– “هذا في منطق البشر. أما عربشت فله منطق آخر. ما دام اسم الخميني مذكوراً في الكتاب؛ إذن أنتم من حزب الدعوة”.

– “معقول؟!”.

– “من حقك أن تعجب، وأن تضحك؛ أنت لم تجرب العيش في بيئة عربشت. ولو جربت بعض تجربتي عرفت مثل معرفتي. صدقني ذلك ما حصل تماماً”.

( 3 )

صبيحة اليوم التالي توجهت إلى (جرف الصخر) وجاء معي اثنان من شيوخ الجنابيين، أحدهما الشيخ عبد الستار. وقصدنا مدير أمن المحافظة، وهو سني من عائلة بغدادية معروفة. وكان أحد حضور الجدال الذي دار بيني وبين عضو القيادة خضر الأفيلي. بدا المدير متفهماً للوضع، ووعدنا خيراً. لكنه فاجأني فقال:

– لولا الشيوخ ما قابلتك؛ كيف تكلم عضو القيادة بتلك اللهجة؟ (والتفت إلى الشيخين) تصوروا..! السيد المحافظ يقول لي: أنا المحافظَ لا أقدر أن أخاطب عضو القيادة هكذا!

كان وقع الكلام عليّ شديداً. لكن ماذا أفعل؟ ماذا أقول له؟ وقلت.. قلت:

– أتعرف من أنا؟

لا بأس.. سأخبرك.

أنت تعلم أن بيتي بجوار بيت الله!

أنا جار الله إذن.. هل تدري؟!

ومن كان هذه صفته لا يقال له هذا الكلام يا أستاذ!

وأشاح الأستاذ بوجهه نحو السقف، وظل ساكتاً.. لم يرد بشيء!

وظل الطبيب النقيب معتقلاً في وحدته العسكرية بـ(العمارة)، ولم يفرج عنه إلا بعد ستة أشهر جرى فيها ما جرى، تاركاً لخيالكم أن يتمدد ليحزر ما جرى.

لا يمكن أن تتجمع هذه الشواهد اعتباطاً. شيء ما يُدَبَّر!

ومرّ بي صديقي ماجد العلواني وهو في طريقه إلى بيته، وأفضى إليّ بجُمل مشتتة، هكذا هي كما سمعها من هنا وهناك، عن مؤامرة تدبر لي في الخفاء، دفع أجورها محامي له مكتب في مركز المدينة اسمه كُمَيل مظلوم، وصلت إلى جيب شيخ القرية.

لقد كان الموقع السابق أفضل حالاً من هذا الموقع. هذه القرية، رغم ما يبدو عليها من جمال وهدوء وسكون، ليست هي المكان المنتخب إذن.

( 4 )

حتى حلّ يوم الخميس.. الخامس من حزيران.

في ذلك اليوم عند المغرب جاءني شابان أرسلهما مختار القرية يدعوني إلى العَشاء في بيته لمناسبة خاصة. قلت لهما: حتى أنتهي من محاضرتي الأسبوعية وأصلي العِشاء. فذهبا وعادا، ثم ذهبا وعادا. وخرجت من الحرم بعد العِشاء فوجدتهما أمامي ينتظران بلهفة!

كان المجلس كبيراً عامراً بالحضور في فسحة واسعة من أرض مفتوحة على الفضاء تتصل أخيراً ببستان خارج حدود الدار. بعد حوالي ربع ساعة دخل المجلس شيخ القرية متوشحاً مسدساً يبدو أنه من هدايا السيد الرئيس، فقد زاره يوماً وأهداه سيارته وبندقيته ومسدسه الشخصي.

نظرت إليه من طرف عيني.. كان وجوده بين الحاضرين مثل جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب، أو كصوت منكر بين لحن جميل. تحرك في مجلسه. تطلع إلى اليمين وإلى الشمال ثم قام وترك المجلس فحمدت الله. لكنه عاد بعد قليل. ومن دون مقدمات أخذ يكلمني عما حصل قبل ثلاثة أسابيع عند السيطرة بلهجة ساخرة غاضبة. وزاد فهاجم أهل اللحى والجوامع متهماً إياهم بالتآمر على الدولة. قلت له:

– أنت تعلم من الذي تآمر على الدولة، ومن أي الأوكار خرجوا. مساجدنا بعيدة عن ذلك.

زادت كلماتي من شحنة غضبه. قلت: “ينبغي أن أهدئه لا أن أثيره”. لكن كيف وقد تعدى الحدود! مع ذلك حاولت أن أحتوي الموقف إلا أنه لج في غيه وتصاعدت نبرته وتنوع هجومه واتهامه، وطغى فصار يستعرض عضلاته، وأنه سيكسر رؤوساً ويحلق لحى.

لا، لا بد من الرد. وفعلت وأنا أنظر إلى الجالسين لعل أحداً منهم يكفه أو يكفيني أمره. حتى أهل البيت لم يقم أحد منهم بما تفرضه عليه أخلاق العشائر وأعراف المجتمع من حماية الضيف والدفاع عنه! لقد جبن الكل سوى أن بعضهم كانوا يشيرون إليّ همساً بالسكوت.

أخيراً أطلق عبارة بذيئة هابطة؛ فرأيت أن الانصراف أولى وأجدى. وبينما أنا أفكر في انسحاب يحفظ ماء الوجه عاجلني فقام من مكانه وهو يصرخ:

– قم قم.

قلت له وقد نهضت من مكاني:

– أنا الذي يريد أن يقوم؛ فهذا هو استحقاق هذا المجلس، يا للَأسف! والإناء ينضح بما فيه. ووجهت إلى الحضور كلمات انتقدتهم فيها ولمتهم على موقفهم. ومضيت. وبقي الجميع ساكنين ساكتين كأن على رؤوسهم الغربان!

لم أنم تلك الليلة؛ فأنا لا أدري ما الذي قد يفعله ذلك الشيخ الأحمق. كنت أتقلب والبندقية معي في الفراش حتى برق الفجر. أذنت للصلاة دون سماعة لانقطاع الكهرباء وكان آخر أذان. وصليت وحدي، وكانت آخر صلاة لي (هناك). ثم جمعت أهلي في السيارة وأقفلت البيت وخرجت من القرية إلى غير رجعة..

تلك إرهاصات العودة. وهكذا عدت إلى (أرض الميعاد).

وكنت في حالة لا أحسد عليها.

بحثت في ذاكرتي عن شيء.. شيء أعالج به الشرخ الجديد الذي تغلغل في أعماق نفسي قبل أن  يطول عليه الأمد فيستوطن هناك.

فجأة ظهر على الشاشة دعاء الرسول عليه السلام يوم أخرج طريداً من الطائف. كانت حروفه تضيء متوهجة متلألئة. وكان عزائي وعزوتي: “اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي وَقِلّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ. يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ! أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي. أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ. لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك”. كان لذيذ الوقع.. يشبه تساقط البرَد أواخر الربيع. والودق أوائل فصل الخريف.. أقصد أيلول. وجعلت أتمتم به وأنا خائف أن يكون ذلك عقوبة من الله لي على ذنوبي.

ووالله إن لم تكن عقوبة فهي كرامة وأي كرامة! أليست الوراثة كما يقول العارفون أن ترث عن النبي، لا علمه وخلقه وجهاده فحسب، وإنما ابتلاءاته ومصائبه أيضاً؟

وكان يوماً كيوم الطائف. أو هكذا خُيِّل إلي.. وهكذا أنا رجوت.

وهكذا حرصت أن يكون، حتى إنني لما ذكرت كيف أن النبي عليه السلام أبى أن يدعو على من أخرجه طريداً شريداً، لم أدعُ على الرجل لا في تلك الليلة ولا بعدها. اكتفيت بنظرة ألقيتها على بيته حين مررت قريباً منه وأنا أغادر القرية مع الفجر. وفي قلبي كنت أقول: “سلمتك بيد من تسلم الأمور إليه، وأفوض أمري إليه”.

( 5 )

وصلت الأخبار إلى وزارة الأوقاف.

وأرسل إليّ مدير المساجد. بدا متحمساً جداً. كتبت له تقريراً مفصلاً عن الحادث. أرفقته بمطالعة إلى الوزير. وجدت عنده أول ما دخلت عالم الحديث الشيخ صبحي السامرائي رحمه الله. تأثر جداً بما سمع. أخذ التقرير بنفسه ودخل به على الوزير وعاد منه مستبشراً يقول: “لقد تفاعل الوزير مع الموضوع بشدة، وكتب به إلى عدة جهات منها ديوان الرئاسة”.

ومرت الأيام تتلوها الأيام.. ثم سمعت.. نعم سمعت، مجرد سماع، بأن تحقيقاً جرى عن القضية أوعز به ديوان الرئاسة. هه! هل تعلم مَن الجهة التي تولت أمر التحقيق؟ ما رأيك لو قلت لك: إن رئيس اللجنة هو الرفيق خضر عضو القيادة؟ وأن أحد أعضائها أمين سر شعبة القضاء الشعوبي الحاقد أبو منتظر، المعروف بإتيان الدنايا علناً. حدثني صديقي ماجد أنه حضر يوماً حفل عرس في القرية، أتوا فيه بكاوليات يغنين ويرقصن. ورأى بأم عينه ذلك (الأمين) يسحب إحداهن من يدها أمام أنظار الجميع ويدخل بها حقل الذرة… ولم لا ما دام “البعثي كعمر بن الخطاب في حصانته ضد الانحراف”؟

وتم كل شيء دون أن تُرسل اللجنة إلي. وانتهى الأمر إلى لا شيء! لا شيء بالنسبة إلي. لكنه كل شيء بالنسبة إليهم.

هكذا يتآمرون.. هكذا يخططون.. هكذا ينفذون.. هكذا يميعون الأمور ويوظفونها لصالحهم. فيهم الخصام وهم الخصم.. وهم الحكم!

هذه هي دولة السيد الرئيس.. مظهر يبدو قوياً، لكنه مجوف، منخور.. تسللت ديدان الشعوبية إلى أحشائه حتى النخاع. هكذا انتهت هذه الدولة المنخورة، الغائبة عن الواقع، المخمورة بغُسَالة التاريخ. وكنا أول ضحاياها، من قبل أن تنهار.. وعند انهيارها.. ومن بعد الانهيار. وكذلك كان مصير كل من حاول الإصلاح. الصيحات تملأ أذنيه من كل صوب، والأحجار تصيبه من كل حدَب.. يعرف مصدرها لكن من يصدقه إذا كان الحامي هو الرامي؟ ومن ينصفه؟ ومن يحميه؟ إصلاح فردي بين خراب جماعي، لا سند له: لا من دولة ولا مجتمع ولا عشيرة.

هكذا جنى علينا الفكر الوطني بأجنحته الثلاثة: الإسلامي والقومي والليبرالي، أضف إليها الجناح العشائري. كل الأجنحة تُهوّم خارج أجوائها.. وتعالِج خارج موضع الداء. لقد وفرت الغطاء للجاني المتربص، وأغرت الضحية لتغط طويلاً في نومها الهانئ اللذيذ.

ويسمع بما جرى سيد سعيد فيأتيني بعد أيام زائراً ومستفسراً ومؤازراً. لم يكن أمامي إلا أن أضحك ساعة أخبرني أنه كان في النجف قبل أن يأتيني، عند وكيل المرجع الكبير. لقد وجده يعرف كل شيء حتى إنه قص على زواره ما جرى في القرية وبالأسماء والمواقع والعناوين! ولاح له من بين كلماته نصلاً برأسين يبرز قليلاً كلمعة البرق ثم يختفي. لم يتمكن من رؤية المقبض ولا اليد التي تمسك به على وجه التحديد.

لم يؤلمني هذا كما آلمني لسان نبز من بين الأمة النائمة ليلَها ونهارَها: “دكتور ياسين يعمل مشاكل حيثما حل”. بعيني رأيت فحيحه مرقوماً بين ثنايا كتاب يتهيأ للتحليق على متن ريشة لا أظنكم في حاجة لأن تعرفوا من أي جناح من تلك الأجنحة نُتفت.

* *

لا تحزن..!

فمن بين قبضة الأقدار تخرج جبابرة الأفكار.

أوجاعنا.. عذراً.. أوضاعنا استثنائية فهي في حاجة إلى فكر استثنائي.

كل ما جرى إرهاصات لا بد منها لميلاد فكر جديد كانت خيوط رايته تنسج في ذلك الحي.. وهذه القرية.. وتلك المدينة.

تباً لكِ أيتها الأجنحة الكسيرة.. أيتها الأفكار الحسيرة! لا بد من بديل رابع، يكون بصمة ثابتة على راية مرفرفة ترفع ساريتها سواعد شابة.

حين ذكرت الراية المرفرفة انقطع تدفق الأفكار.

ذكرتني الراية وخيوطها، وبصمتها بالمنديل الأبيض وخيوطه التي نسجت من ذهب، والكلمة التي في وسطها!

وابتسمت.

الراية والمنديل.. الخيوط المنسوجة.. البصمة والدائرة. ثم الحب والفكر.. كأنها مترادفات لشيء واحد! وتوقفت مستغرباً عند المترادف الرابع. ثم قلت: بل ما أقوى الترادف!

القضية حالة عشقية.. لا تطلع ولا تربو إلا في قلبِ عاشق كبير.

والعشق عندي أنا حالة لا تنفك عني.

كل الأشياء التي تعجبني أعشقها.. تجتاحني فتغرقني.. أغرق فيها.. أتلبسها أو تتلبسني. ولولا ذلك ما تلبستْ بي قضيةٌ لم أَجْنِ منها سوى المرارة والبعد عن أغلى أشيائي الحبيبات.. وطني، بلدي، مدينتي، قريتي، روائحها، أشجارها، أنهارها، تراب أزقتها، سكة القطار المار بجانبها، تلك التي طالما تمشيت عليها وفي يدي كتاب.. وحدي أو برفقة بعضٍ من صحاب.. رفاق طفولتي، أحبابي، بناتي، ضفاف دجلة، شواطئ الفرات، كتبي التي جمعتها كتاباً كتاباً سنين عدداً ثم تفرقت عني جملة واحدة في لحظة كارثة. هل تدري كم كنت أفرح حين أجمع من (يومياتي) القليلة دراهم معدودة فأذهب بها إلى بغداد كي أشتري كتابين أو ثلاثة أعود بها مسروراً كأنني حزت الدنيا بحذافيرها! كم وضعت على حواشيها من سطور هي عندي قطرات شرايين تومض بالفكر وتنبض بالعشق. ما زلت أحبها.. أحن إلى تلك السطور التي خرجت مني قِطَعاً من قلبي. لكن أين هي الآن؟ أين؟

هذه بعض (أشيائي الحبيبات).

أقول: لولا حالة العشق التي تتملكني مع كل محبوب ما بت مع قضية فراشها الحسك، وطعمها المرار.

حقاً.. القضية حالة عشقية.

وهنا ضحكت ورفعت صوتي، كما رفعت إصبعي كأنني أغرسه في وجه العاديات وقلت:

– ونحن قوم إذا عشقنا احترقنا. إذا عشقنا احترقناآآ.

وردد الفرات والنخل والمرج وفختية الليل والمنديل والراية… والكون من حولي.

ونحن قوم إذا عشقنا احترقنا.. إذا عشقنا احترقنا.

* * *

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: