تمارين بسيطة لكنها فاعلة .. في تنمية طاقة التدبر بأنواعه

د. طه حامد الدليمي

قاعدة منهجية ثابتة

بدل أن تمنحني وردة علمني كيف أزرع شجرتها.

هذه قاعدة منهجية ثابتة في (الفكر الرابع)، فكر (المشروع السني)، لا بديل عنها في سبيل تنمية المهارات العقلية وإطلاق طاقة التفكير في شتى المجالات وأولها القرآن الكريم.

لهذا اتبعت الأسلوب الآتي في توصيل الفكرة التي أردت. فشرحت الخطوات التطبيقية والمعاناة العملية التي مررت بها وصولاً إلى حزمة الأفكار التي نتجت عن تلك الخطوات والمعاناة وأنا أتملى إحدى السور الكريمة في مواجهة حزمة من التحديات ستنكشف لكم بالتتابع أثناء الحديث:

سورة ( الحج ) .. المفتتح والخاتمة

ليلة أمس كنت أقرأ في سورة (الحج) فتفكرت – على طريقة د. فاضل السامرائي – في العلاقة بين أول السورة وآخرها، بعد أن استعرضتها بحثاً عن المحور الرئيس الذي ينظمها.

بدأت السورة فكان أولها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (الآية:4). وثمت آيات أُخَرُ بعدها تتعلق بها.

ثم انتقلت إلى أواخر السورة حتى انتهيت إلى خاتمتها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الآيتان:77،78).

انظر! هناك (في المفتتح) مشهد مزلزل من مشاهد يوم القيامة. وهنا (في الخاتمة) دعوة إلى العبادة والجهاد وبقية الأمور المعروضة أمامكم. فما الرابط الموضوعي بين ما هناك وهنا؟ بحثت في الألفاظ فلم أجد، وفي المعاني المشتركة فكذلك! وتفكرت ودعوت وحاولت ولم يفتح عليّ بشيء! أغلقت المصحف وانصرفت لشأني.

في الصباح كانت المفاجأة ..!

وفي الصباح – قبل قليل – وأنا أقرأ مفتتح سورة (المؤمنون) التالية لها، وجدت ما يدفعني للعودة إلى سابقتها والتفكير فيها من جديد.، قطعت القراءة وعدت إلى (الحج).

وكانت المفاجأة!

هذه هي العلاقة التي أعيتني الليلة وبتفاصيل عديدة تلوح أمامي كالشمس! حتى صرت أسأل نفسي: أين كنت منها الليلة؟ لكنني قلت من وحي من الخبرة: هذا هو القرآن كتاب عزيز لا يمنح عطاءاته إلا لمن هز الجذع وبذل الجهد في تحصيلها!

ثم انظر! المفتتح: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ). والخاتمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) إلى آخر ما جاء فيها: هذه تفاصيل التقوى التي نواجه بها ذلك الموقف المزلزل العصيب. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) خطاب إلى الناس جميعاً قبل أن يؤمنوا  داعياً إياهم إلى أن يتقوا ربهم ويقوموا بتنفيذ مفردات التقوى. فإذا فعلوا ذلك صاروا مؤمنين. وهنا ينبغي أن يتحول الخطاب من عموم الناس إلى خصوص المؤمنين؛ لهذا تحولت صيغة الخطاب في الختام من (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) الذي افتتحت به السورة، إلى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا).

التقوى .. بين التفصيل بدايةً والإجمال نهايةً

وحين خاطب الناس في المفتتح ودعاهم للتقوى ذكر في الخاتمة أن التقوى تتحقق باتباع دين الإسلام؛ فكونوا مسلمين. والإسلام هو الاسم الذي اختاره لعباده الأولين والآخرين: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا). فهل هناك أعظم وأجمل من اسم اختاره الله جل جلاله لعباده! والإسلام ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام. وذِكرُ النبي إبراهيم أنسب ما يكون لخطاب البشرية؛ لأن أتباع الديانات الرئيسة من الناس كلُّهم يدينون بالتبعية لهذا النبي الكريم، الذي دعا الله جل وعلا فقال: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ) (الشعراء:84). واستجاب الله له فجبل قلوب الناس فتواطأت واتفقت على حبه.

وعلل سبحانه ما سبق من أوامر وتقريرات بشيئين عظيمين: (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ). والسؤال: متى يكون هذا؟ والجواب: في الدنيا أولاً، ويوم تقوم الساعة أخيراً. إذن الساعة مذكورة في آخر السورة كما ذكرت في أولها: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ)، لكن في صورة ثانية هي الشهادة على الناس.

وعلى طريقة البلاغة في القرآن كانت الخاتمة تذكيراً أخيراً مختصراً بمفردات التقوى: (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).

نور غامر في رحاب ( المؤمنون )

من هنا دخلت إلى رحاب السورة التالية ثانيةً فإذا شعاع غامر من نور الكتاب يتقدمني يكشف عن العلاقة الموضعية بين خاتمة (الحج) وبادئة (المؤمنون):

انظر! في الآية الأخيرة من (الحج) تجد: (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ). وإذ تنتقل إلى سورة (المؤمنون) تجد في أولها بشارة تنتظر من آمن وصلى وزكى من المؤمنين: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)! إلى آخر ما جاء في مقدمتها من مفردات التقوى والفلاح، وأولها (الصلاة والزكاة) التي جاءت في ختام (الحج).

ثم نظرت فإذا الآيات الأولى لكلتا السورتين واحدة! ففي (الحج) ذُكر تخليق الإنسان وموته وقيامته: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (الآيات:5-7). فكان التخليق ثم الموت ثم القيامة.

وفي (المؤمنون) ذكر الشيء نفسه بتعبير وصياغة أُخرى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) (الآيات:12-15)، ثم انتقلت إلى نهاية الإنسان بالموت ثم إعادته إلى الحياة يوم القيامة: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) (الآيتان:15،16). والعلاقة واضحة بين السورتين من هذه الحيثيات الثلاث: التخليق والموت والقيامة.

أخيراً ذهبت إلى آخر الخطوات، وهي استطلاع ما يقوله العلماء عن (العلاقة الموضعية) بين السورتين. وأضع للقارئ على هذه الخطوة ملاحظة مهمة، أن تكون آخر الخطوات في منهجية التدبر، وإلا عرّض قابليته على التفكير والاستنتاج إلى خلل كبير قد تنتهي بالشلل والتعطيل. وذهبت فوجدت إضافة نافعة تتعلق بكلمتي (تُفْلِحُونَ) في الأولى و(أَفْلَحَ) في الثانية. قال د. فاضل السامرائي: قال في خواتيم الحج: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). وقال في أول المؤمنون: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). فترجى لهم الفلاح إذا فعلوا ذلك. وقد حصل الفلاح لمن فعل([1]).

سعادة أكبر وإيمان أربى وأجر أكثر

أخذ هذا التفكير مني ثم كتابة ما توصلت إليه  من نتائج – مع قضاء بعض الشواغل – قرابة ساعة ونصف، لو أراد أحد تخصيصها للقراءة فقط لكانت ثلاثة أجزاء من الكتاب.

لكنني أشعر بالسعادة وزيادة الإيمان أكثر مما لو اقتصرت على القراءة دون هذا التدبر. وأؤمن أن الأجر أكثر؛ فالله تعالى أكد على تدبر القرآن وما شابه ذلك من ألفاظ، وذم من لا يجعله أساساً لقراءته في آيات كثيرة منها قوله سبحانه: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24)، وقد جاءت بعد قوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) (الآية:23)! بينما في القراءة أمر بما تيسر منه، كررها مرتين في آية واحدة جعلها خاتمة سورة (المزمل) فقال: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الآية:20).

والحمد لله رب العالمين.

2021/6/24

……………………………………………………

[1]– التناسب بين السور في المفتتح والخواتيم، ص118، الدكتور فاضل صالح السامرائي، دار ابن كثير، ط1، 1437هـ/2016م، بيروت – لبنان.

التخطي إلى شريط الأدوات