مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

بين دهشة وفرحة .. !!

د. طه حامد الدليمي

http://www.hodaalquran.com/thump/plants/naqala1.jpg قبل سنيهات قليلة، وكان الشهر رمضان.. جلست أقرأ سورة (الملك) قراءة تدبر، استمتع بظلها الوارف، وأهز بيد التأمل جذعها الباسق. حتى وقفت لدى قوله سبحانه: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ولِمَ جاء بعد قوله الكريم: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ)؟

بعد هنيهة انثال عليّ عذقا الآيتين بجميل عطائهما، وغمرني العطاء إلى حد أنني.. دهشت..!

دهشت لهذا الترابط العجيب بين الآيتين.

وحتى حزنت..!

حزنت لغياب هذا المعنى العميق عني طوال عمري.. الذي مضى وانقضى.

ثم سرعان ما انزاح عني الحزن وحل محله شعور غامر بالفرح؛ إذ تذكرت طبيعة كلام الله، والطريقة التي يمكن بها أن نجعله يلقي على قلوبنا الندية بمعانيه الشهية الجَنِية؟

إن من طبيعة القرآن الكريم، أنه لا يمنح عطاءه إلا لمن وقف عند شجرته يهز جذعها ويستمطر ظلها، رغم أنه لا حد لعطائه ولا نهاية لكرمه. وهذا هو التدبر الذي أرشد الله تعالى إليه. وإن في تلك اللمسات الحانية التي تستشفها في كلمات عيسى عليه السلام (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) (مريم:25) أول إطلالته على الوجود، يخاطب بها أمه.. لإشارة ما أرقها وما أعمقها إلى ذلك المعنى الكريم والقانون الكوني العظيم.. هل تريد؟ عليك أن تبذل. أن تتدبر.

ولو كان هناك من أحد في حاجة إلى العطاء دون مقابل لكانت امرأة في حالة مخاض، وقد هربت من قومها تخشى الفضيحة. فهي تعاني الضعف من الناحيتين: الجسد والنفس.

وإذن..؟

إذن.. عليك أن تفرح وأنت تبذل فتهز شجرة القرآن بما يسّاقط عليك من جنا عطائها. واطمإن لا تخش من عطائه إقلالاً، بل توقع المزيد.. على قدر تدبرك سيكون العطاء.. سيكون الفهم. ودع الحزن على ما فات؛ فإن لاحق الفرح بفضل عطائه كفيل بمحو ما فات من الحزن على سابق منعه بعدله. ولاح أمام عيوني جميل قوله تبارك وتعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).

وعدت أقارن

وعدت إلى الآيتين أتلمس ثانية وثالثة النسيج الحبيك الرابط بينهما.

أنت مع الرزق بين طريقين: إما أن تطلب ما تريد من الله جلّ في علاه متوكلاً عليه ماداً يدي طلبك إليه ملقياً بقلبك بين يديه. تأتي بالسبب وتنتظر نتائج القدر مطمإناً إلى جنابه، وجميل صنعه مع أحبابه. فها أنت وأنت في غمرة الترجي والتخشع أو التذلل تشعر أنك عزيز الجانب، كبير القدر مرفوع الرأس. وإما أن تُعرض عن هذا الطريق فتذهبَ في الأرض كل مذهب مشتت القلب مجتمع الهم، ناكساً رأسك مكباً على وجهك ضعيفاً ذليلاً، تهرق ماء كرامتك على باب هذا وأعتاب ذاك ثم في النهاية لن تجني ما يساوي قطرة مما سفحت، أو معشار ما بذلت، ولن تحصل إلا على ما قدره لك مقدر الأرزاق في سابق علمه، وجزاء عدله.

مثلٌ .. ما أبلغه !

موج في هذه الأثناء قفزت إلى ذاكرتي صورة مخلوق عادة ما نراه في الطرقات منكساً رأسه يتشمم ببوزه زوايا الأرض يبحث عما تناثر فيها من فتات الموائد وبقايا الفضلات.. فأخذني شيء أشبه بالموجة، انبعثت من القلب وانتشرت حتى شملت الصدر، واتصلت بالجلد فكاد يقشعر، وبالعين حتى كادت تفيض.

ولم يكن سواه!

ولا عجب فقد ضربه الله مثلاً لمن قال فيه: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). إحساس مدهش استولى على قلبي، اعتصره بقوة لكن بيد آسٍ رفيق. شعرت أنه يريد أن يبعث فيه طاقة مختزنة، كما تمسك باللولب وتضغطه لتُكسبه طاقة هي فيه أصلاً.

شعرت بقلبي يُعتصر لكن بطريقة وجدت لها لذة غامرة بالرضا ونشوة عامرة بالطمأنينة. أُفلِتَ بعدها ذلك القلب لينطلق سابحاً في ملكوت الله، ولساني يتمتم بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله.. لا إله إلا الله). شعرت بحيوية جديدة زادت من يقيني بأن الرزق بيد الله، وأنني أمام طريقين: إما أن أطلب رزقي مكباً على وجهي، وإما أن أمشي إليه سوياً على صراط مستقيم. وحين وصلت إلى هنا تذكرت لِمَ جاء التعبير بالمشي مع الرزق، والمسارعة مع العمل الصالح، فإذا بي أنتقل إلى قوله تعالى في وسط السورة: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، فسبحت ربي لترابط كلامه، وعلاقة بعضه ببعض؛ وتأخذني موجة أُخرى، أفسح لكم المجال لتتذوقوا بأنفسكم لذاذاتها في طمأنينة وهدوء.

8 أيلول (9) 2021

 

اظهر المزيد

‫12 تعليقات

  1. “فإن لاحق الفرح بفضل عطائه كفيل بمحو ما فات من الحزن على سابق منعه بعدله. ولاح أمام عيوني جميل قوله تبارك وتعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).”
    يا الله .. ما أرق هذا المقطع من مقالك يا دكتور ..
    رقّة توقظ مسامات القلب وتغمر الأوردة براحة اليقين ونشوة الحبور والتجدد ..فتشعر مع كل حرف بارتقائك إلى مرفأ سماوي حيث سدرة الأمل وارائك اليقين..
    سدد الله الحرف وبارك في الفكر وزادك علما وفهما🍃

  2. القران الكريم مثل النهر الجاري الذي يسقي العقول والقلوب فان اردت سقايتهما ما عليك الى تفتح بينهما ساقية لتنهل من تجدده وحيويته، والتدبر هو الجوهر الذي دعانا الله عز وجل له للتعامل مع كتابه (ذلك الكتاب لاريب فيه هدىً للمتقين).

  3. سبحان الله ، لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم , لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه الكريم، و إنَّ هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يُقبِلُ عليه.

  4. لكل شيئ في الكون ترابط و الانسان اعظم الكائنات التي خلقها سبحانه وتعالى وميزنا بالعقل والشعور والانسجام مع هذا الكون البهي و كرمنا الله سبحانه باللغة العربية التي هي لغة القران العظيم وعظيم الايات الكريمة وجلالها فهي لغة الكون ومفتاح الذهن ورونق الروح ورحيق النفس … فقط التامل ياخذك لهذه العوالم الجوهرية فهنيئا هنيئا لمن فكر وتدبر وابحر في هذا الكون العظيم …. سلمت تلك الانامل الجوهرية .

  5. ٣
    ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴿٢٤﴾ ﴾ [الفجر آية:٢٤]
    ﴿يا ليتني قدمت لحياتي﴾ أمُنيات أهل القبور بين يدينا عظة لنا ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ الدنيا دار عمل؛ فلنعمل من أجل رضا الله ثم الفردوس /))

  6. ((عباد الله، إن هذا القرآن أنزل ليكون منهج حياة هي خير حياة وأسعدُها، ومرشداً إلى سبيلٍ, هو أقوم سبيل وأنجحُه، يهذبُ النفوس ويزكيها، ويقوِّم الأخلاق ويعليها، يقودُ من اتبعه إلى سعادة الدارين، وينجيه من شقاوة الحياتين، (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلٌّ وَلاَ يَشقَى وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً) [طه: 123، 124]..))
    بوركت شيخنا المجدد

  7. أجمل ما يتركه الإنسان في قلوب الآخرين هو مشاعر رقيقة تداهم الفؤاد دون طرق باب أو إذن بالدخول.
    كم هو جميل أن تعيش بلاغة الكلمة وبداعة التعبير ومتعة الشعور وسمو الروح..
    بوركت يادكتور ابداعا وتصوريرا ومتعة وشعورا فقد رسمت بريشة كلماتك فاجدت واجملت واشعرت بجمال الحياة بجنة القرآن..

  8. (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)
    احسن الحديث كتاب الله ألفاظه أفصح الألفاظ وأوضحها وأن معانيه أجمل المعاني، هو الخبر العظيم من الله عز وجل فيه من الوضوح والبيان والتأثر والتفكر والتدبر
    في الإيمان والقول والعمل .
    (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) مثاني التكرار في آيات القرآن من القصص والمواعظ والعبر والاحكام والمحكمات من القرآن ، هو كلام الله له كل الخضوع والخشوع وهو معجزة الله الخالدة والمنهج الرباني وحجة الله البالغة إلى قيام الساعة (لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) بهذه الأمثال التي يضربها الله لنا يكون القرآن اقرب طريق الهداية البيانية،
    وأما الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم عن ذكر الله فهم بعيدين كل البعد عن الهداية ،
    (۞ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ).
    معرفة التدبر في القرآن هو ان تعلم ماذا يربده الله منك وهذه هي الغاية التي خُلقنا من أجلها .
    أبداع في التفكر والتدبير بالقرآن بوركت جهودكم شيخنا الفاضل

  9. معاني راقية وجميلة أستخرجها شيخنا الفاضل من سورة الملك،حينما تتدبر أن الرزق المادي الذي قدره الله لعباده ،جاء معناه بالمشي وليس السعي, وبين الرزق المعنوي الشرعي الذي جاء بالسعي .
    الأول : (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ) ،
    والثانية : ( وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ) ،
    ومن عكس إنتكس و خرج عن المعادلة الربانية ، فكان المثل لذالك بلعام إبن باعوراء ،
    ومن توازن في غذاء الجسد والروح نال مراد الله .

  10. مع تسابق الازمان ومرور الوقت لازالت معاني القرآن الكريم المغروسه في كلماته لا تنتهي ، وهذا ذكرني بقوله تعالى ((قُل لو كانَ البَحرُ مداداً لِكلماتِ ربي لَنفذَ البحرُ قبلَ انت تنفذ كلماتَ ربي ولو جئنا بمثلهِ مددا )) فهنيأً لمن تدبر القرآن وكان ممن يهز نخيله لتتساقط عليه معانيه بقدر ماتدبر كما ذكر شيخنا الفاضل..بوركت الأنامل لما كتبت من كلمات تلامس قلب قارئها

  11. التأمل والتدبر في هذه المقال يبلغ قمته ليأخذنا إلى عالم آخر من الجانب الروحاني الذي يطيب النفوس والقلوب.
    التدبر في القرآن ميزة لاينالها الا من يستحقها يارب تجعلنا ممن يستحقونها ويظفروا بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: