عوامل الإحباط ووميض الأمل

د.طه حامد الدليمي 

كان حلماً.. نعم كان كذلك!

حلماً.. أعرف تأويله معنىً، ولكن أن يأتي تأويله حقيقة.. هذا ما لم أكن أملك غير أن أتخيله وأتمناه وأقول: هل سيكون؟ وهل ستكتحل عيني يوماً بمرآه؟ ثم أقول: وما ذلك على الله ببعيد.

كم من أبواب طرقتها! وطرق سلكتها! صعب على نفوس الأحرار الوقوف على أعتاب اللؤماء، أو كرماء لكنهم لا يدركون ما يريد الأحرار. وأذكر قول المثنى بن حارثة الشيباني رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد المواسم وهو يعرض نفسه على القبائل: (إني أرى هَذَا الأَمْرَ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ مِمَّا تَكْرَهُهُ الْمُلُوكُ).

وأذكر مقولة خالد بن الوليد رضي الله عنه في معركة اليرموك: (إن الناس يكثرون بالنصر ويقلون بالهزيمة). المشكلة أن النصر لا يأتي قبل الناس، والناس لا تأتي قبل النصر، فكيف يمكنني حل هذا اللغز؟! وأي منهما قبل الآخر؟

عشرون عاماً وأنا أعمل مع هذه الجهة وتلك، ثم استولت هذه الجهات على الجهد، الذي تبلور على شكل قلة من رجال وندرة من نساء، فلم يبق منهم معي إلا أقل القليل. وخرجت بعد الاحتلال بسنتين مضطراً إلى الشام، وإذا بي أجد نفسي وحيداً بلا مال ولا مَكِنة سوى أقل تلك القلة!

فكيف أبدأ؟ ومن أين؟ لا سيما والمعركة العسكرية لها استحقاقها الذي يؤثر – ولا بد – على مشروع المواجهة مع الخطر الأول خطر الشعوبية شعوبية الشيعة وشعوبية فارس.

عراقيل

ليس هذا فحسب!

لقد وجدت بعض تلك الجهات تضع العراقيل، وتشوه السمعة بشتى الأساليب والتهم. وقد صار لها شأن وسمعة وتمكن من قلوب وأيدي الأطراف الداعمة في الخارج. فكيف تخرج من هذه الشبكة؟ إن ما يقولونه يلقى هوى عند كثير من السامعين؛ لأن خطنا الذي ارتضيناه خط مواجهة لا خط معايشة وملاينة، وهو ما تكرهه النفوس بطبيعتها: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) (الأنفال:7)، فكيف والتحذير يصدر من جهات لها قبولها وحججها؟! حتى قال لي د. محمد بن سعيد حوى في عمّان يوماً: أنتم والشيعة كلاكما بعضكم يعتدي على بعض. قلت له: هذا ظاهر الصورة. أما الحقيقة فإن الشيعة هم من بدأ العدوان، فكان الفعل منهم وليس للسنة أكثر من ردة الفعل. والشيعة يعتدون علينا بحكم عقدتهم وعقيدتهم وفتاوى علمائهم وولائهم لإيران. فكان جوابه: أنا ما قلت سوى ما تقوله هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي؛ فبأي قول آخذ: قولك أم قولهم؟

كان لي أمل أن يتبنى المشروع من قبل قادة المقاومة. وكم حاولت أن أقنعهم أن ما هم فيه لا يحمل ملامح جماعة حقيقية ذات مشروع متكامل حتى يمكننا تحقيق النصر ومسك الأرض. إن المقاتلين إنما تجمعهم حرارة السلاح، فإذا برد تفرقوا. فبادِروا لسلكهم في مؤسسة مدنية قبل أن تبحثوا عنهم فلا تجدوهم. فلم تلق دعوتي هذه منهم أذناً واعية. يؤسفني أنني وصلت إلى قناعة أنهم – مع احترامي وتقديري لهم – دون فهم ما أقول! وبعضهم متحزبون لا يسمعون ما أقول.

على مفترق طرق

في منتصف 2006 وجدت نفسي أشبه بالوحيد أضرب في شوارع هذه المدينة وتلك. وكنت على مفترق طرق ثلاثة:

– إما القنوط والقعود، وهذا يعني لدي الموت، والموت على نية أُخرى خير وأولى.

– وإما أن أحشر نفسي مع القطيع وأستمر بلا نتيجة، وهذا لا يليق إلا بأصحاب الهمم الهابطة.

– وإما أن أبدأ من نقطة الصفر، وهو – في الواقع – الخيار الوحيد بالنسبة لي.

شمرت عن ساعدي وتوكلت على الله مع من تبقى من حصاد السنين الذي تقاسمته الأيدي وتوزع حصصاً بين (القبائل).

وما إن بدأ الظرف الأمني في العراق بالتحسن النسبي أواخر عام 2007 حتى اتخذت قراراً جازماً بأن يكون الاهتمام الأكبر من الآن فصاعداً بامتلاك مفاتيح الحل. وكانت لحظة ما زلت أذكر مكانها وتوقيتها. تجاوزت الساعة منتصف الليل بهدوة ونحن نتناقش ونقلب الأمور من جنب إلى جنب. صرخت فجأة ولم يكن معي سوى صديقي أبي ضحى، وكنا ساعتها في بيته في تلك المدينة غارقين في التباحث بشأن الحلول، ورسم الخطط. قلت محتداً: كفى! كفانا ضياعاً طوال هذه السنين التي مرت. نفكر ونخطط ثم في نهاية الخط نضع درنا في حُجْر فحام.

مَنْ باعَ درتَهُ الفحّامَ ضيّعَها *** شروى السراجِ الذي في دارِ عُميانِ

ثم لا شيء بعد ذلك سوى الدوران في الدوامة نفسها. ما الذي ينقصنا، ولا ينقصهم؟ ما الذي عندنا وليس عندهم؟ المال والفكر تبادلا موقعيهما وصارا في الوضع الخطأ. أغير ذلك؟ هم يملكون المال فيقودون. لكنهم يفتقرون إلى الأهلية القيادية فيفشلون ونفشل معهم. ونحن نملك الفكر والرؤية وخطط الحل، لكننا نفتقر إلى المال فنفشل ويفشلون. من اللحظة يكون جل اهتمامنا البحث عن مفتاح المال.

قبل قليل([1]) كنت أراسل شخصاً تتناوشه هواجس الإحباط فكانت رسالتي إليه: “لو تعلم كم من الأهداف الفاشلة التي أصبت بها في حياتي وما وجدت غير ابتسامة الهزء من فوق ركام العوامل التي تراودني عن الإحباط! وقد قرأت سورة (يوسف) التي نزلت أوان حصار (شعب ابي طالب)، فأسميتها سنة 1991(سورة الأمل).

كتابي هذا قطعت في ألفيته الثالثة من الصفحات حتى الآن مسافة لا بأس بها. تأملته قبل شهر فلما رأيت تلال الخذلان وعوامل الإحباط علوتها بقدمي وابتسمت من فوقها ابتسامة بلغت في امتدادها أكثر من ثلاثين سنة. أما مساحتها فالله أعلم بها. وما تظن أن تبلغ مساحة قصة أمل يصارع ركام اليأس (منذ ثلاثين سنة)!

أيها الأخ، إنه القدر! ألا تسمعه ينادي في ملكوت من جل حلاله: “نؤدي ما علينا ثم ما علينا”.

22 تشرين الأول 2021

[1]- أكتب هذا في يوم 6 حزيران 2015.

التخطي إلى شريط الأدوات