دور الاهتمام بالعلم والتفريط بالثقافة في نجاح المشروع الفارسي

د.طه حامد الدليمي 

الثقافة هي التي تميز بين العراقي والسعودي والشامي والمصري، أكثر مما يفعل العلم.

العلم – في حقيقته – واحد لدى الجميع على اختلاف دولهم وانتماءاتهم؛ ومدارسهم ومصادرهم. لكن الثقافات تتعدد، وتختلف حتى في البلد الواحد بين مدينة ومدينة، بل بين عشيرة وعشيرة. ويجتمع في مؤسسة دراسية واحدة مجاميع من الطلبة من عدة مجتمعات داخل دولة، أو من دول متعددة، يدرسون المواد العلمية نفسها، ورغم ذلك تبقى الشخصية الجمعية لكل مجموعة مختلفة بعضها عن بعض تبعاً لاختلاف خامتها الثقافية المجتمعية، التي لا يشكل العلم سوى خيط واحد من نسيجها.

العلم أحد عناصر الثقافة، والثقافة بمجموع عناصرها المتفاعلة فيما بينها هي التي تصنع الشخصية المميزة للإنسان والمجتمع.

وإذا كان العلم أحد عناصر تكوين الثقافة؛ فالثقافة – بطبيعة الحال – أشمل من العلم. وهي – بطبيعة الحال أيضاً – أكثر تأثيراً في حركة المجتمع. فثقافة أي مجتمع هي التي تحدد دوافعه وموقفه العام تجاه مختلف الأشياء والقضايا، أكثر مما يفعل العلم. كما أن أثر الثقافة في توجيه الحركة العامة للفرد والمجتمع أكبر من حيثية أُخرى هي أن ميدان الثقافة الأكبر هو الجمهور، بينما ميدان العلم الأكبر هو النخبة. ومن هنا تستطيع الثقافة أن تصنع رأياً عاماً، وتسلط ضغطاً ناعماً أقوى تأثيراً وأدوم واعمق أثراً مما يفعله العلم.

الفرس يحرصون أكثر على التثقيف والعرب يحرصون أكثر على التعليم

الفرس يحرصون أكثر على التثقيف والعرب يحرصون أكثر على التعليم. علماً أن الثقافة منها متخلفة ومنها متقدمة.

هل أدركنا الآن لماذا يحرص الفرس وشيعتهم على (الثقافة) و(التثقيف) أكثر من العلم والتعليم. بل هم يحرصون على الخرافة المناقضة للعلم كل التناقض، ويعرضونها على أنها علم ودين واعتقاد وشريعة.. كل ذلك من أجل أن يصبغوا المجتمع الذي يستهدفونه بثقافة متخلفة تجعله يتوحد وراءهم في المسير ضمن المسار أو سياق الحركة الذي يخدم الصابغ.

من هنا تأتي أهمية الثقافة وخطورتها.

المشكلة أن العرب – بما لديهم من شخصية ذات طبيعة أبوية ونزوع حضاري – انصرفوا إلى التركيز على العلم ونشره أكثر من الثقافة وإشاعتها. كما أن الفرس – بما لديهم من شخصية أنوية متخلفة – اهتموا بالثقافة والتثقيف المتخلف على حساب العلم.

والحق وسط بين هذا وذاك.

لعل سائلاً يسأل : ما هي الثقافة إذن ؟

الثقافة ظاهرة اجتماعية تتمثل في الشخصية الجمعية للمجتمع، وتظهر للعيان فيما يصدر عنها من قول وفعل وسلوك وخلق، وتشكل الباعث الأكبر المحرك لروح الجمهور، الكامن وراء ما يصدر من ذلك كله.

تتكون الثقافة من منظومة عناصر تفاعلت فيما بينها عبر الزمن بفعل شتى المؤثرات فكونت تلك الشخصية الجمعية أو العامة لأي مجتمع أو أمة، تجعلها تنفرد بصفات معينة اجتمعت فيها وتفرقت في غيرها. مثل الحِلم أو التهور، والكرم أو البخل، والشجاعة أو الجبن، والعدل أو الظلم، والعلمية أو الخرافية. وهكذا.

من تلك العناصر الدين والعلم والمعرفة واللغة والتاريخ والفن والقيم والتمدن والبداوة والجغرافيا والمُناخ والتقاليد والأعراف والأساطير والخرافات والتحديات بأنواعها: الخارجية كالحروب والداخلية كالاقتصاد…. وغيرها. هذه هي العناصر الأولية التي تتكون منها ثقافة أي مجتمع، بل وأي فرد أيضاً، بشرط أن تتفاعل فيما بينها تفاعلاً كيميائياً كما تتفاعل عناصر الطبيعة من أوكسجين وهيدروجين – مثلاً – بوجود شرارة كهربائية لتنتج الماء. والماء شيء ثالث لا يشبه ما تكوّن عنه من العنصرين المذكورين قبل التفاعل بواسطة الكهرباء.

2H2 + O2 ——2H2O

وغير ذلك من العمليات التي تتفاعل فيها المواد الأولية: من العناصر الأحادية أو المركبة مثل تفاعل ثالث أوكسيد الكبريت مع الماء في وسط حراري لينتج حامض الكبريتيك.. تتفاعل تفاعلاً كيميائياً تفقد فيها خصائصها الأولية لصالح خواص الناتج المطلوب. والمواد الثلاثة تختلف في خواصها كلاً على حدة. لكنها بعد التفاعل تعطي ناتجاً ذا خواص واحدة تذوب فيها خصائص كل عنصر لصالح الخاصية الكلية للمجموع.

SO3 + H2O —— H2SO4

كذلك الثقافة.

هكذا تتكون الثقافات وتختلف فيما بينها تبعاً لموادها الأولى وطريقة تفاعلها فيما بينها.

عجزوا عن اختراق القرآن الكريم فاتجهوا إلى ما دونه من المصادر

حين عجز الفرس عن اختراق القرآن الكريم اتجهوا إلى مصادر التأثير العلمي والثقافي الأُخرى من أجل اختراقها وتشكيلها بما يخدم ثقافتهم وأغراضهم.

ولأن هذه المصادر – سوى القرآن – لم يتعهد الله تعالى بحفظها فقد نالوا منها بقدر غفلة حراس الأمة وضعفهم في أداء واجب الحراسة. وكان للصوص الفارسية المجوسية وسائلهم المتعددة في تلويث دين الأمة وثقافتها. منها كتب الحديث والتاريخ والأدب والقصص والطرائف؛ لأن هذا اللون من المكتوبات – على تفاوت بينها في نسبة الجذب – تشتهيه النفوس بطبعها، ويتهافت عليه الجمهور على وجه الخصوص. فكان أن امتلأت الدواوين بقصص وطرائف مبطنة وصريحة تسيء إلى ديننا وثقافتنا عظمائنا وتشوه سيرتهم في الذاكرة الجمعية للشعوب العربية والإسلامية.

التشيع الثقافي ودوره في إنتاج التشيع العقائدي

إن أخطر ما اخترقه الفرس من مصادر كتب الحديث.

هذه الكتب تسللت إليها روايات شيعية أو خادمة للتشيع؛ لذا تجد عموم تراث أهل السنة محشواً بروايات وتفاسير وآثار وأفكار شيعية، ساهم ذلك كله في صنع خامة لثقافة سنية ملوثة بالتشيع. هذا ما أعنيه بـ(التشيع الثقافي). على أن التشيع الثقافي مقدمة وتمهيد ناعم للتشيع العقائدي، وما تسلل التشيع إلى الأمة إلا تحت جناح التشيع الثقافي، ولولاه ما قبل المجتمع السني الشيعة على أنهم مكون طبيعي ضمن نسيجه الاجتماعي، أو أعضاء صالحين في جسده، بينما هم – في الحقيقة – أورام، وأورام سرطانية لا تنمو إلا على امتصاص عافيته وتدميره في نهاية المطاف.

جرّب أن تقول في مجلس: “أخطأ علي، وأصاب طلحة والزبير”، وانظر كم من العيون ترمقك بالاستغراب أو الغضب، ومنالشفاه ترشقك بالنصْب وترهقك بالنصَب والوصَب! بينما يمكنك أن تنسب الخطأ إلى أي صحابي آخر ولو كان أبا بكر أو عمر أو عثمان، فضلاً عن طلحة والزبير. أما معاوية فهذا حرم مباح وحمى مستباح عند كثير من السنة!

وجرّب أن تقول عن حديث في أحد (الصحيحين) ، ولو ناقلاً عن علماء الحديث المتفق على عالِميتهم وأعلميتهم: إن متن هذا الحديث مشكوك فيه، أو لا أظنه يصح، أو مصدر خطر على ثقافتنا السنية.. ستجد كيف تتوجه إليك سهام التهم من كل جانب! وكيف يندفع أصحابها للدفاع بضراوة عن البخاري كشخص، وعما ألفه ككتاب، غير آبهين بالدفاع عن الدين والمجتمع. مع أننا نحترم الإمام البخاري وكتابه، ونفرق جيداً بين أدب التقدير وهمجية التقديس. ولسنا في صدد التعرض بالإساءة إلى واحد من الشيخين البتة، إنما في صدد الدفاع عن مجتمعنا وثقافته. فأي الفريقين أقرب إلى البخاري وكتابه: نحن أم هؤلاء المغيبة عقولهم عن إدراك ما يفعلون؟ بل أي الفريقين أقرب للدين نفسه: إيماناً ونصرةً؟

هم يدافعون عن الأشخاص ونحن ندافع عن المجتمع السني المخترق من الوريد إلى الوريد وقد آلت حاله إلى ما ترون! والمجتمع مقدم على الفرد ولو كان عالماً. وهم ينافحون عن كتاب معين، وهم ينافحون عن كتاب معين، ونحن ننافح عن (ذلك الكتاب) كتاب رب العالمين، وعن الدين وثقافة المسلمين، ولا نسيء إلى أي كتاب ككتاب، وإنما ننتقد بعض ما فيه مما هو خطر على المجتمع وأمنه الثقافي الممهد لاختراق أمنه العقائدي. ومراعاة الشأن الثاني أولى من مراعاة الأول. ثم ما الذي يضير البخاري: شخصاً وكتاباً إن كان في كتابه طائفة من الأحاديث ضعيفة؟

لقد ساهمت هذه الثقافة المتشيعبة (شيعية-شعوبية) مساهمة كبيرة في إضعاف مناعة المجتمع السني ضد الشيعة والتشيع والخطر الماحق الناتج عنهما. ولو كانت ثقافتنا سنية خالصة ما غزينا في عقر دارنا، وتسلط الأنجاس الأرجاس على أرضنا وعرضنا وديننا، وتحكموا في مصيرنا ومستقبل أجيالنا، وحولوا بغداد عروس المدائن إلى خرائب ومزابل تنعب في قماقمها وقُمامها غربان الخراب وبوم اليباب.

24 تشرين الأول 2021

 

 

التخطي إلى شريط الأدوات