صحن الشوربة / قصة قصيرة

د. طه حامد الدليمي

حطت الطائرة على أرض مطار القاهرة الدولي بحمد الله، وواصلتُ السير إلى حي (الأشجار) في مدينة (6 أكتوبر) عصر ذلك اليوم الكئيب. قالوا لي قبل السفر: كل شيء جاهز، وما عليك إلا المجيء، والتهيؤ لإلقاء حلقات رمضان الذي بات على الأبواب. شقة جديدة، فيها كل أسباب الراحة ومكتبة للقراءة والبحث وإنتاج الأفكار.

ودخلت الشقة!

سرير.. تبعثرت عليه قطع الفراش. مكيف.. فاقد لجهاز التحكم. ستائر.. مرمية على الأرض تحت النوافذ. مطبخ.. يعج بأغراض تناثرت هنا وهناك. ثلاجة.. صغيرة عاطلة. تلفاز.. صامت حركته لعل فيه أثراً لروح، فإذا هو غير موصول أساساً بطبق البث. حتى الكتب ليست أكثر من رزم في صناديق بعضها فوق بعض!

وكنت جوعان غاية الجوع. بحثت في زوايا المكان.. “الحمد لله؛ هذا كيس فيه عدة حبات من التمر!”. تناولت حبتين أو ثلاثاً منها، وتركت الباقي خشية العطش، ولا ماء في الشقة ونحن في آب.

حاجتي ماسة إلى الرقاد، دسست جسمي في الفراش، وحمدت الله أن تمكنت من اقتناص ساعتين من النوم. استيقظت بعدها فإذا الجوع يهاجمني.. ينهش أمعائي.

كانت الشمس تدنو من المغيب حين نزلت إلى سوق شعبي صغير قريب من الشقة الخربة. وبينما أنا أشتري بعض الحاجيات إذا مجموعة من فريق القناة. جلسنا في المقهى القريب.

– أيش تشرب؟

ابتسمت وقلت:

– ماء

– ماء فقط!

– ماء فقط

– لماذا؟

– أريد أن أغسل معدتي

بدا أن أحداً منهم لم يدرك مغزى كلامي!

الصداع يشتد. يزحف كلص حذر ويجتاح رأسي شيئاً فشيئاً.. والمعدة، ترسل نداءات استغاثة تترجمها أجهزة الاستشعار المركزي إلى مزيد من الصداع. أخيراً حصلت على وجبة طعام بعد العِشاء بساعة!

وحينما خيم الليل تمكنت من خطف سويعات قلقة تخللها كثير من الاستيقاظ لموعد مهم بقي معلقاً حتى اللحظة.

الزمن يزحف بطيئاً.. خانقاً كمِطرقة ثقيلة، أو ثقل كبير موضوعٍ على رأسي.

ومع الليل ازدادت المعاناة تعقيداً. ما إن أضع رأسي على المخدة حتى تهجم عليّ الهواجس، والوساوس، والأفكار المزعجة نفسها مع بهارات جديدة. وتساؤلات كثيرة تتزاحم على ذاكرتي.. رأسي لا يحتمل المزيد. يكاد ينفجر!

وجاء رمضان. والحال على ما هي عليه، مع إضافات جديدة.

أين أفطر؟ من يعمل لي الفطور؟ وعلى ماذا أفطر؟

والسحور! كيف سيكون.. أين؟ ومن؟ وعلى ماذا؟

لا أدري من الذي كتب ذلك العقد الكاثوليكي البئيس بين صديقي الكويتي (مدير القناة) ومطعم الكنتاكي فطوراً وسحوراً! ولولا طبيعتي المتمردة لانقضت أيامنا كنتاكي على كنتاكي، وربما عيّدنا عليه أيضاً!

**

آه! كم اشتقت إلى صحن (شوربة العدس) من يد أم عمر.. ذلك المعشوق اللذيذ! فنحن العراقيين لا يمكن أن يخلو عندنا إفطار من الثلاثي الجميل: الماء والتمراء و….. الوجه الـ.. عفواً أقصد الشوربة.

ويدعوني صديقي المصري مخرج البرامج على وجبة إفطار، وألبي دعوته بلا تردد.. كنت أحلم بوجبة شهية من شوربة العدس كما يحلم الطفل بلحظة ارتداء ثوبه الجديد ليلة العيد. وإذا المائدة خالية من الصحن الحبيب.. كنت أتصور أن كل الناس مثلنا، بل لم أكن أتوقع أن أحداً في الكون يمكن أن يفطر ولا من شوربة، وشوربة عدس بالذات.

سريعاً جاءتني دعوة من صديق عراقي، تعرفت عليه أو تعرف عليّ، قبل بضعة أشهر. لا أكذبكم القول إن شوربة العدس هي أكثر ما حفزني لإجابة الدعوة.

وذهبت..

لم أكن أدري أنني ذاهب إلى ورطة أخرى!

كان معي في تلك الدعوة اثنان من الأصدقاء. في مدينة (الرحاب) الرائعة الجمال حططنا الرحال. ويا ليتها ما حطت!

ما إن أخذنا مجالسنا في حجرة الضيوف حتى انطلق مضيفي، يعاونه ابنه وكثيراً ما كفاه مؤونة الانفراد بمسؤولية الحديث، وكأنهما على موعد مع مباراة كلامية ضد أحد الصديقين. لم يتركوا شاردة ولا واردة إلا وتلاقفوها بينهم في أحاديث مكررة، انتهت فترة صلاحيتها منذ شهور – إن لم تكن سنين – عن الوضع السياسي، والشيعة والسنة، ووو… وموضوعات محشوة بكل ما لاكته الألسن ولفظته الأفواه، والنفوس أيضاً. وكالمعتاد كانوا يتناهشونها بينهم قبل أن يُتم أحدهم دورته الكلامية التي لا يكاد ينقطع شريطها الباهت الطويل حتى يبتدئ ثانية. وعاودني الصداع مستحثاً مِدفع الإفطار.

قررت الانشغال بتصفح بعض الكتب، مركونة على رف قريب، والإضراب كلياً عن الاشتراك في هذه المباراة الكلامية المليلة، والتي ترمم نفسها مع كل لقاء. ما هذه القدرة الفائقة على الكلام رغم أن السكَّر يكاد يعصف به الصيام كلياً من الشرايين!

أدري أنكم تسألون عن معشوقتي هل وفت بوعدها معي؟ وأقول لكم: اطمئنوا لا حياة بلا شمس، ولا عراقي بلا شوربة عدس في رمضان!

**

في طريق العودة، وكان أطول من يوم الجوع الفائت، استلمَنا المضَيِّف بحديثه ثانية.

كان النسيم عليلاً ونوافذ سيارته مشرعة وأبو وسيم يسرد على مسامعنا قصة هدايته، وكأنه سلمان الفارسي يقطع الطريق بين قرية (جَيْ) في مجاهل أصبهان حتى مدينة (يثرب) في الحجاز.

وفكرت في وسيلة أقطعه بها عن هذه الضوضاء.

لا أعلم أي شيطان نفث في رُوعي؛ فإن الشياطين تقيد في أيام رمضان ولياليه، وكان أن قلت له:

– ما رأيك، أبو وسيم، لو كتبت قصتك الرائعة هذه لنا في أوراق حتى يمكننا الاستفادة منها، سيما وأن الذاكرة لا تقوى على حفظها بتفاصيلها.

لم أدرِ أي ورطة أَخرى دخلت فيها بهذه الكلمات! فما إن سمع أبو وسيم ملاحظتي هذه حتى بدا كأنه نشط من عقال؛ فما غادر صغيرة ولا كبيرة إلا تتبعها، ولا نادرة ولا بادرة إلا واقتنصها، ولا تفريعاً ولا تأصيلاً إلا أتى عليه. مع مخللات ومطيبات تلزم في مثل هذه الحالات.

جربت أن أقطع عليه الطريق ثانية بأن أعدت على مسامعه ملاحظتي نفسها عساه أن يدرك ما أرمي إليه، لكنه ما كان له أن يفهم عني شيئاً. حاولت تغيير الموضوع بطرح جمل اعتراضية مناسبة للتخلص من قبضة القصة، فلم تُجدِ محاولتي شيئاً. جربت وسائل أخرى وأخرى، ولا من جدوى!

أخيراً:

– أبو وسيم! هل تسمح لي بأن أطرح على حضرتك سؤالاً؟

– تفضل.

– كم عددنا نحن الجالسين في السيارة؟

وتلفت قبل أن يقول:

– أربعة.

– متأكد؟

– طبعاً متأكد!

– هذا يعني أن لكل واحد منا حصة في الكلام تساوي الربع. تمام؟

– تمام.

– متأكد؟

– هاي شبيك شيخ؟ طبعاً متأكد!

– أنا الذي أقول لك: ها شبيك! اسمعني جيداً. هل يمكنك أن تخبرني من هذا الذي منحك حق مصادرة الحصص كلها لك وحدك بلا منافس؟ ثم إنني – بحكم كوني الشيخ – مِن الأَولى أن تكون لي حصة الأسد، لتنتفعوا بوجودي، وتستغلوا الفرصة لتبادل آراء أنفع، وأفكار أجدى. أما أن يستحوذ واحد أو اثنان على حصص المجلس كلها دون البقية، فهذا غير مقبول.

أصيب الرجل بصدمة! لم يتمكن من قول شيء! فأكملت بعد أن التفتُّ إلى الوراء وسددت نظرة عجلى إلى أحد الصديقين:

– إخواني! رجاء لينتبه كل واحد منا إلى نفسه عندما يتكلم، وليعلم أنه ليس بأولى من غيره، وليس لديه ما يميزه حتى يستحوذ على الحاضرين بأحاديثه التي قد تكون معلومة، وليس فيها ما يضاف إلى الرصيد.

ونطق أبو وسيم بصوت تشوبه حشرجة. عجز ما تخلف من مفعول الشوربة عن تسويتها، فقال:

– عفواً شيخ! أنا آسف؛ اعذرني.

قلت وقد شعرت بأنه أُحرج:

– لست أنت المقصود حصراً، وإنما قلت ما قلت على قاعدة “الشيء بالشيء يذكر”. إنها ظاهرة عامة وليست خاصة بك وحدك.

بعد قليل أوقف السيارة ونزل منها لبعض شأنه. قال أحد الصديقين، وهو الذي كان يدير معه وقائع المباراة:

– ماذا فعلت به؟ مسكين؛ لقد حطمته!

قلت:

– بل هذا يدعم قراري الذي اتخذته منذ مدة أن أقاطع كل (العزائم) وكل الدعوات؛ ماذا استفدنا من رحلتنا اليوم غير التعب وخسارة الوقت، وهو عمر الإنسان وحياته؟

التفتّ إلى الأمام.. ما عدت في حاجة إلى أن أتفوه بكلمة ولا أن أسمع من أحد حرفاً. أحسست برغبة لا تقاوم في أن أغمض عينيّ مع أن كل شيء من حولي يغمره الظلام. وسرحت.. رحت في تفكير عميق. شعرت أن روحي تحلق وتحلق. أغمضت عينيّ أكثر وأرخيت لروحي العنان وتركتها تحلق وأنا أتبعها كما يتبع الظل صاحبه فإذا هي تسبح في عالم من الأرواح لم أر في حياتي أجمل ولا ألطف منه! وفتحت عينيّ دون أن أشعر أريد أن أرى أصحابها، فإذا أنا ما زلت على الأرض. والكل صامتون سوى محرك السيارة. وذكرت الأنبياء، ترحمت عليهم بيني وبين نفسي، وقلت: أين أنا منهم! كم حرصوا على نفع أقوامهم فلم يلقَوا منهم إلا الصدود، وكلموهم فلم يجدوا سوى آذانٍ صمٍّ وألسنة حداد! (وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ).

**

أدرت المفتاح في باب الشقة الصامتة.
أضأت المصابيح ريثما أتحلل من أسمالي، ثم أطفأتها قبل أن أتمدد على السرير وفي خيالي صحن شوربة آخر، ولكن هناك في بيتي، وبهدوء لا يقطعه سوى رنم رشفات متتالية عقدتها السنين بين شفتي الذابلة وذلك الصحن الحبيب.
بعد صلاة الفجر اتخذت قراراً مفاجئاً. اتصلت بشركة الطيران. لحسن الحظ وجدت كرسياً في طائرة ستقلع عند العاشرة. قلت: هذا أول الغيث!
وما إن أسفر الصبح بنوره حتى كنت قد حزمت حقيبة السفر.
تذكرت موقفاً مشابهاً. ابتسمت ثم استغفرت لأبي وسيم قبل أن أهتف بين جدران الشقة الخاوية:
وداعاً أيها الكنتاكي، قادمون يا صحن الشوربة!

2013

 

التخطي إلى شريط الأدوات