مقالات

كيف أنزل المؤرخون التاريخ من مستوى التأمل والنظر إلى مستوى السرد والخبر؟

أ.العنود الهلالي

يشكل التاريخ وعي الحاضر، ومستودع الخبرة للتجارب الانسانية التي تسهم بصورة كبيرة في صناعة الثقافة. “فالتاريخ مستمر في الحاضر استمرارا تفرض وجوده وعناصره ثقافة الأمة الحالية المتوارثة من الأجيال السالفة” فإن كان تاريخاً مبنياً على الأساطير والروايات المزوّرة كان الوعي أسطوريا مشوّهاً بالأكاذيب، لا يمكن أن يفيد حاضرنا فضلاً عن استثماره في توجيه مستقبلنا.

ومما لا شك فيه أن دواوين التاريخ التي أورثها لنا السابقون حملت في طياتها ركاماً وأكداساً من الحوادث والأخبار، فقد كان الهم الأول لكتبة التاريخ ورواته جمع الأخبار والروايات بلا نقد ولا تمحيص؛ حتى تضخمت المدونات التاريخية بأحداث وأساطير لا يقبلها إلا العقل السقيم، وحجتهم في ذلك (من أسند فقد أحال) و ( إنّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدّي إلينا) ! أي أن مهمتهم كانت تتمحور حول جمع المادة التاريخية وكتابتها بغض النظر عن صدق الراوي من عدمه؛ لأن إيراد السند يكفي – في نظرهم- لمن أراد التثبت والبحث في حقيقة الاخبار والحوادث ..!

وبذلك صارت آلية رواية الخبر التاريخي تعتمد على منهج الاسناد، الذي يهمل الدوافع والميول النفسية والسياسية للراوي، وهنا مكمن الخطر؛ فاعتماد المؤرخين الاوائل على “اخلاقية الناقل” فقط دون محاكمة الخبر التاريخي إلى مدى اتساقه مع السياق الشامل للمجتمع الذي حدثت فيه، ليُرى إن كان ثمة توافق مع طبائعه أم لا. وإلى مدى اتساقه مع قوانين الطبيعة والسنن الجارية[1] ؛ أفسح المجال لأصحاب الأهواء والبدع والفرق الباطلة لدس الأخبار الكاذبة والروايات الساقطة من أجل تزييف كثير من حقائق التاريخ وتشويه العديد من أحداثه ورجاله.

ومع ذلك فحتى منهج الاسناد الذي اعتمدوه كانوا أقل صرامة في تطبيق معاييره النقدية على رواة الأخبار؛ قياساً على ما اصطلح عليها علماء الحديث في “باب التشدد في أحاديث الأحكام والتساهل في فضائل الأعمال” وهي قاعدة خطيرة وضعها المحدثون وحجتهم في ذلك الخوف من ضياع كثير من الحديث (ولو كان ضياع الحديث مخيفاً إلى هذه الدرجة لجمع النبي صلى الله عليه وسلم منه ما نحتاج إليه في أحكام الشريعة، ولن يتجاوز ذلك نصف حجم المصحف الشريف. فلم أعرض عن ذلك بالكلية؟ ثم يأتي أقوام من بعده  يكونون أحرص منه على دين الله! حاشى لرسول الله![2] ).

طريقة توليّ علي رضي الله عنه الخلافة

من الأقوال التي يكاد يجمع عليها المؤرخون القول بأن (الخلافة انتقلت إلى علي رضي الله عنه بطريقة الاختيار بعد أن استشهد عثمان رضي الله عنه على أيدي البغاة الخارجين. فبعد أن قتلوه رضي الله عنه ظلما وعدوانا قام كل من بقي في المدينة من الصحابة رضوان الله عليهم بمبايعة علي بالخلافة…)

هذا المثال شاهدٌ عدل على فساد المنهج التاريخي الذي يعتمد على الرواية والاسناد دون اعتبار للسياق التاريخي للحدث، ودوره في فهم الوقائع والافعال.

إن القراءة الموضوعية للتاريخ ودراسة الحدث ضمن سياقه التاريخي بعيدا عن الافكار المسبقة تمكننا من استيعابه وفهم حيثياته. وعند النظر في تفاصيل هذا الحدث نجد ان (أمر تعيين وتنصيب الخليفة إنما هو من حق أهل الشورى وحدهم في حال لم يتمكن الخليفة السابق من تعيين خلف له لأي سبب. وقد قتل عثمان رضي الله عنه وهو محاصر مسلوب القوة، فلم يتمكن من نقل السلطة لأحد).[3] ومنطق الحدث يقول أن البغاة الذين قتلوا الخليفة لازالوا مسيطرين على المدينة بل ويتحكمون بالقرار السياسي والعسكري فيها، والواقع أنهم كانوا يبحثون عن واحد من كبار الصحابة يقبل بالبيعة لينصبوه حتى يتخلصوا من المصير المجهول الذي ينتظرهم فيما لو بقيت الأمور معلقة حتى وصول الجيوش من الأمصار وتطويقهم ثم تسليمهم للقضاء بعد اختيار الخليفة باتفاق أهل الشورى ” فعرضوها على الزبير وطلحة وسعد وعلي وابن عمر وغيرهم، وكلهم رفضها بمن فيهم عليّ أول الأمر، فالكل يعلم أن القتلة لا يملكون حق تولية الخليفة. لهذا تفاجأ كبار الصحابة حين تغير الأمر بعد أيام قليلة فإذا علي يوافق دون علم منهم على قبول تنصيبه خليفة.”[4] وقد يكون لعلي رضي الله عنه عذرٌ لا نعلمه.

إذن تم تنصيب علي رضي الله عنه والبيعة له على غير شورى ولا اجتماع لأهل الحل والعقد من الصحابة، إنما بضغط من قتلة عثمان رضي الله عنه. وعليه فإن القول بانتقال الخلافة إلى علي رضي الله عنه عن طريق الاختيار قول لا دليل عليه، فلا مجلس الشورى انعقد ولم يتم التنصيب من أهل الحل والعقد. لكن الثقافة السنية السائدة تتطير من نسبة الخطأ إلى علي رضي الله عنه، وتقفز عن الحقائق غافلة عما تعانيه من تشيعٍ ثقافيٍ كان نتيجة لما جناه المؤرخون السابقون على وعي الأمة التاريخي؛ حين أنزلوا التاريخ من مستوى التأمل والنظر إلى مستوى السرد والخبر، وعطلوا البحث في معقولية الخبر؛ فصار تاريخنا كلأً مباحا لعبث الرواة، وغايات ودوافع المخبرين فنفثوا فيه سمومهم بسهولة وحرية لتتهيأ لهم الأمور في اختطاف وعي الأمة ، وإعادة تشكيله على هواهم. وقد صدق الدكتور طه الدليمي وأصاب عين الحقيقة حين قال: (تاريخنا كتب ببنان سني، لكن بلسان شعوبي ).

2021/11/25

___________________________

[1] قانون المطابقة لابن خلدون الذي يحتم الرجوع إلى نظرية الاجتماع البشري.

[2] د. طه حامد الدليمي

[3] طه حامد الدليمي، الملك الراشد خلافة على منهاج النبوة

[4] المصدر السابق

اظهر المزيد

‫7 تعليقات

  1. احسنت تسليط الضوء على هذا الموضوع
    والاشارة لخطورة الاهتمام بالاسناد واهمال باقي العناصر المتعلقة بحيثيات الخبر التاريخي!١

  2. هذا المقال احدى ثمار التجديد الذي دعى إليه الدكتور طه الدليمي ..مبارك يا دكتور هذا الجيل الجديد..
    ماشاء الله مقال ممتاز جدا
    بارك الله في الدكتور وتلاميذه النجباء

  3. جزاك الله خيرا وبارك فيك
    مقالة مهمة جدا وبحث مهم
    لما تمر فيه الأمة السُنية العربية
    من مهازل التاريخ وثقافة فارسية سوداء
    جعلت تاريخنا المضيئ مظلم وبعيد كل البعد
    عن الحق والحقيقة…حفظ الله شيخنا المجدد
    لما يقدم من علم رباني متكامل حتى يعيد للأمة مجدها البهي المتألق.

  4. ‏‎بوركت جهودكم استاذه عنود نعم أهل السنة بحاجة ماسة إلى هذه المقالات التي تخص الثقافة السنية في مجال التاريخ المختلق
    الروايات والأحاديث والمخترقة التي جعلت من السني يدافع ويكافح وينافح وهو لا يدري الى أي جهة تصب هذه الثقافة ولمصلحة من…‏‎حتى جاء التيار السني وأنصاره بمنهجية قرآنية سنية واقعية أسسها الدكتور المجدد طه الدليمي حفظه الله لهدم هذه الثقافة السائدة التي نغرست بالعقل السني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: