مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

… من عالم ‘ نعم من عالم ، لا ينفع

د.طه حامد الدليمي

مما قرأناه في الزمن الأول عن الشاعر العباسي أبي الطيب المتنبي أنه ساوم في صباه صاحب دكان يبيع الفاكهة على بطاطيخ، فقال له البائع بغير اكتراث: اذهب فليس هذا من أكلك! فتماسك قائلاً: يا هذا، دع ما يغيظ واقصد الثمن. قال: ثمنها عشرة دراهم. فدفع له خمسة دراهم فلم يقبل. يقول المتنبي: فوقفت حائراً، وإذا بشيخ من التجار قد خرج من الخان ذاهباً إلى داره. فوثب إليه صاحب البطيخ من الدكان، ودعا له، وقال: يا مولاي، هذا بطيخ باكورة، هل تأذن بأن أحمله إلى البيت؟ فقال الشيخ: ويحك، بكم هذا؟ قال: بخمسة دراهم. قال: بل بدرهمين! فباعَهُ البطاطيخ بدرهمين، وحملها إلى داره، ودعا له. وعاد إلى دكانه مسروراً بما فعل. فقلت: يا هذا، ما رأيتُ أعجب من جهلك. اسْتَمْتَ عليّ (غاليت في الثمن) في هذا البطيخ، وفعلت فعلتك التي فعلت، وكنتُ قد أعطيتك في ثمنه خمسة دراهم، فبعتَهُ بدرهمين محمولاً! فقال: اسكت! هذا يملك مائة ألف دينار!

ما أشبه هذا البائع بحال الكثيرين من الناس اليوم وهم يُجِلون بصورة تقرب من التقديس حملة علم جُّلُّ علمهم لا ينتفعون به، ولا هو من العلم الذي ينفع الغير. هو أشبه ما يكون بمسكوكات تاريخية لا تصلح إلا أن توضع في المتاحف يتفرج عليها الزائرون. بل لا يكتفي البعض بذلك حتى يريد أن يجعل منهم قادة يسير وراءهم الناس في أمور هم أبعد الناس عنها خصوصاً ما تعلق منها بالسياسة خاصة وشؤون المجتمع عامة!

هل قيمة الثري في حجم ثروته؟ أم فيما يخرج من بين خزائنه لينتفع به الناس: مباشرة بالإنفاق، أو على شكل مشاريع عامة: معنوية ومادية؟ لا يقول بالجواب الأول إلا من كان على شاكلة ذلك البائع صاحب البطاطيخ. وإذا كان الجواب الثاني هو المتفق عليه بين العقلاء، فتعالوا بنا لحظات نتوقف فيها عند العلم الذي يحمله كثير ممن يتصدر ما يسمى بـ(المؤسسة) الدينية.

قيمة العالم بنفعه … لا بعلمه

كنت أقول: يفسد المجتمع إذا تحولت السلطة فيه إلى دُولة (بضم الدال) بين الأقوياء، والمال إلى دولة بين الأغنياء. حتى إذا زرت أحد العلماء ممن لهم باع في الحديث والتاريخ كبير، له مؤلفات بمجلدات بعضها يزيد على العشرات، يقبع في بلد عربي يائساً من عودة العراق إلى هويته السنية؛ قال لي: من كل عقلك تتكلم عن مشروع سني، وعندك أمل بالحفاظ على الوجود السني في العراق؟! العراق صار شيعياً وانتهى الأمر.. عندذاك سألت نفسي: إذا كان الأمر كذلك فما فائدة العلم الذي يشغل به هذا الرجل نفسه ويدرسه لتلاميذه؟ هل هو من العلم الذي ينفع أم الذي لا ينفع؟ ثراء في العلم لكن… شحة في النفع! وأردفته بسؤال آخر: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم حياً وقد أُخرج من العراق، أيشغل نفسه بطلب العلم عن مجاهدة هؤلاء الروافض الخوارج؟ وأجبت لا والله! إذن حاش لله أن يكون هذا (العالم) على سنة النبي. وأضفت إلى المقولة عنصراً ثالثاً فكانت: إذا صارت السلطة دولة بين الأقوياء، والمال دولة بين الأغنياء، والعلم دولة بين العلماء، فقد تم الفساد وهلكت العباد.

أزمة الـ(فقه)

العلم الذي يستند إليه هؤلاء (العلماء) في صلاحيتهم للتصدر هو علم (الفقه) وعلوم الآلة التي تخدمه من اللغة وأصول الفقه والحديث وغيرها. ولنا على هذا العلم ملاحظ جوهرية:

الأول: إن هذا العلم الذي بات يطلق عليه – منذ قرون – اسم (الفقه) يخاطب المجتمع كأفراد، لا كمجموع. فهو عاجز عن تأسيس مشروع لبناء مجتمع. والإسلام دين أنزله الله تعالى لإنشاء دولة لا لإصلاح أفراد كلاً على حدة.

الثاني: إن 95٪ من مادة هذا (الفقه) تفاصيل وفروع ما عاد حتى الفرد في حاجة إليها فضلاً عن المجتمع. وهي بأمس الحاجة إلى تنشيط وتجديد وتكييف بما يتلاءم وحاجة الواقع الجغرافي لا الوجود التاريخي.

الثالث: إن مستند علماء هذا (الفقه) حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الشيخان عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). والفقه الذي قصده النبي عليه السلام هو الفقه العام الشامل لكل علوم الدين، وليس قاصراً على علم فروع الأحكام العملية الذي اصطُلح عليه في القرون المتأخرة. فإن هذا اصطلاح خاص بعلم (أصول الفقه). وإذا كان (الدين) بالمفهوم الرباني يشمل شؤون الحياة كلها تبين لنا أن الفقه في كل العلوم مشمول بوصف الخيرية.

لذا لو تتبعت آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته تجد الفقه المقصود هو فقه النوازل، أي العلم بالحوادث النازلة أو الواقعة حقاً: عبادية كانت أم معاملاتية، دينية أم دنيوية. ولهذا لم يترك لنا نبينا كتاباً في (الفقه) نلتزم به ويكون العالم به هو الفقيه وهو المرجع؛ لأن الفقه الرباني متحرك لا جامد، يتغير بتغير الزمان والمكان والأعيان. ولو كان هناك فقه مقدس قابل للاعتماد طوال التاريخ لكان هو الفقه الأول.. فقه النبي نفسه. لقد كان السلف على علم بهذا الفهم الشمولي، فكان من تطبيقاته أن مستشاري الخليفة كانوا من جميع أصناف العلماء في السياسة والعسكرية والأمن والفتيا والقضاء والمال وغيرها مما تتطلبه الحاجة الدائمة والآنية للمجتمع. فيكون التنفيذ الصحيح للأمر الشرعي اليوم عن طريق مجمع علمي من جميع التخصصات مرتبط بمنظومة قيادية تمثل أهل السنة. وإلا تعرضنا للحرمان من هذه الخيرية.

من تكلم بغير فنه

في غياب هذا الفهم، الذي هو مظهر من مظاهر التقهقر الناشب في مفاصل الأمة، لم يعد مستغرباً أن يكون ممن أطلقوا على أنفسهم اسم (كبار العلماء) – مع احترامنا لأشخاصهم لاعتبارات عديدة – من اقترف أحكاماً مدمرة فتكت بسنة العراق أيما فتك! وعبّرت عن بعد شديد لا عن الواقع فحسب، بل عن الدين حتى في أصوله! وعن السياسة حتى في مفاهيمها البسيطة!

أحدهم دخل العراق مباشرة بعد الاحتلال سنة 2003، وأصدر مجلة اسمها (الساعة)، صدرت أعداد منها ثم اختفت. جاء في العدد الأول منها: إن دين السنة والشيعة واحد، والطرفان متفقون في 95٪ من عقائدهم وفقههم. وفي أول خطبة بعد الاحتلال يوم 18/4/2003 في جامع أبي حنيفة ببغداد مدح الشيعة فقال ثلاثاً: “بيّض الله وجوه الشيعة”! وقال في 2010 بجواز نكاح المتعة. وادعى في 2012 أن أهل الأنبار نواصب. وشتم أمير المؤمنين معاوية. وأوجب على المسلمين اتباع جعفر بن محمد الملقب عند الشيعة بالصادق وأبيه الملقب بالباقر. ولو كان بين أيدينا فقه محفوظ لأحدهما أو كليهما لربما عذرناه. وسؤالنا له: في أي مصدر موثوق نجد هذا الفقه الموهوم؟ ثم (بعد خراب البصرة) خرج علينا يولول قبل وقت قصير على حسن ظنه بـ(إخوته)!

شيخ آخر لا يفترق عنه كثيراً في نظرته للشيعة. ويصر على أن الصراع السني الشيعي سببه خلاف سياسي. ويقول بأن الكارثة ستنتهي بمجرد رحيل الأمريكان، وأن المليشيات يومها ستزدحم بهم الحدود هرباً! ويتمدح بمقتدى والتيار الصدري. وخرج الأمريكان ولم تزدحم الحدود بالمليشيات ولا بالسياسيين، بل ازدحمت بنا نحن!

وغني عن الذكر ذلك الشيخ الذي خطب في جموع المعتصمين في منصة الكرامة بالرمادي في أواخر ديسمبر/2012 فقال: السنة شيعة والشيعة سنة! وخاض في مجازفات اعتقادية غالية لا نريد الخوض فيها. ويقول عن (مطالب) المعتصمين بأن المالكي يمكنه الاستجابة لها بتوقيع لا يستغرق منه أكثر من دقيقتين! غافلاً عن السياقات الدستورية والقانونية، متجاهلاً العوائق الاجتماعية والسياسية المزمنة. فضلاً عن كون استجابة المطالب – على فرض حصولها – لن تحل أصل المشكلة.

هذا غيض من فيض الشواهد على كون معظم العلم الذي يتمتع به هؤلاء (الكبار) هو من صنف العلم الذي لا ينفع. وأن تقديس البعض وخضوعه لهم هو كخضوع بائع البطيخ لذلك التاجر البخيل. وضحكت – وأنا أقرأ في مقدمة بيان (كبار العلماء) الذي أصدروه في أواخر آب/2013 – قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا). (النساء:83)! مع أن (ولي الأمر) مصطلح شرعي رباني يراد به الحاكم الذي يملك أمر الدولة لا العالم الذي لا يحكم شبراً منها. ولو كُلف أي واحد من علمائنا التقليديين بتولي إدارة أمن ناحية صغيرة ما استطاع بل أضاع. هذا وهم أشهر من ردد مقولة “من تكلم بغير فنه أتى بالعجائب”!

حقاً.. علم مخزون، وآخر غير قابل للحراك في المجتمع مثلُ مالٍ مكنوز لا ينفق منه، أو عملة سقطت فلم تعد تصلح إلا للعرض على رفوف المتاحف.

اللهم نعوذ بك من عالم لا ينفع. وبلاء لا يُدفع. ومن دعوة لا يستجاب لها.

 

 

 

اظهر المزيد

‫9 تعليقات

  1. ومن عالمٍ لا ينفع !
    اي والله .. لكن العالم اذا لم ينفع … حتماً سيضر!
    فعلمه سيجعل له مكانة، ومكانته ستجعل لقوله مكانا وحضورا بين الناس .. فإن لم ينفع علمه المجتمع سيضرّه لا محالة حتى لو بالصمت.. فبعض الصمت خطأ لا يغتفر!

  2. ((قال الإمام الشافعيُّ رحمهُ الله: “لَيْسَ العِلْمُ مَا حُفِظَ، إِنَّما العِلْمُ مَا نَفَعَ”..
    العلم النافع هو العلم الممتد الذي يخدم البشرية، يهيء للإنسان أسباب العيش ليكون خليفة الله في أرضه كما يجب أن يكون. وأمّا العامل، رُبما يفوق مرتبة العالِم. فهي موازين توضع لقياس مدى النفع الذي يعود من كلاهما، فرُبّ عامِل أتقن عمله بما يُرضي الله فيما ينفعُ النّاس، خيرٌ وألف خيرٍ من عالِم تعلّم ولم يبتغِ وجه الله، فتعلّم بما لا يرضي الله فيما لا ينفعُ النّاس. فالعمل بالعلم خيرٌ من العمل بالجهل، والعلم لا خيرَ فيه إن كان بلا عمل. وخيرُهما هو العمل بما عُلِّم..))

  3. تشخيص دقيق لطامة عمت في الأمة (السنية)، دفعنا ومازلنا ندفع ثمنها بسبب ثقافة متخلفة تنظر لكمية العلم لا لنوعيته!
    فعلاً نحن نحتاج لوقفة عميقة ومراجعة دقيقة لهذا الموضوع الخطير الذي شل – وما زال- يشل حركة المخلصين أصحاب العلم النوعي والذين تصدوا لازاحة ركام ثقافة جنت علينا، كي يتسنى لهم البناء بعلم ينفع.

  4. كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يستعيذ بالله من علم لا ينفع ويدعو ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من الأربع من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع»، فما أضر علماً إن كان عالمهُ بعلمه لاينفعُ أمةً ولو قليلا ،فيكون مايحمله من علم أشبه ما يكون بمسكوكات تاريخية لا تصلح إلا أن توضع في المتاحف يتفرج عليها الزائرون كما قال المجدد …فقيمه العالم بنفعه لا بكميه العلم الذي يحمله .بوركت شيخنا وأطال الله بعمرك..مقال راقي بمفهوم واضح سلمت الانامل 🌷🌷..

  5. احسنتم دكتور، واصبح لهذا العلم الذي لا ينتفع به دكاكين وعناوين ولافتات، جُلها خاويه لانفه منها ولا فيها
    اللهم نعوذ بك من عالم لا ينفع. وبلاء لا يُدفع. ومن دعوة لا يستجاب لها.

  6. كل العلوم التي تُدرس في الكليات ك الهندسة والطب والرياضيات والتاريخ والجغرافية وغيرها عندما تنتهي مرحلة التدريس والتعليم يأتي دور التطبيقها وممارستها بين الناس في حياتهم الاجتماعية .
    فما فائدة علم يُدرس في الجامعات الإسلامية من جيل إلى آخر يتداول بين العلماء دون نزوله للمجتمع ثم يترك جمهور السني فريسه سهلة للثقافة الشعوبية في داخل كل بلد عربي سني. العالم ألم يكن عالم رباني يسير على ضوء القرآن والسنة ويضع الحلول الجذرية التي تناسب الواقع
    فماذا يكون إذاً ؟

  7. جزاك الله خيرا شيخنا على هذا المقال ..الذي توحي اسطره لنا بإأ قيمه الإنسان لاتكمن بما يملكه ، بل بما ينفع به ..فلا قيمه للثري بثرائه مالم يكن ينفع المحتاج أو ماشابه ولا قيمه للعالم بعلمه مالم يكن ينفع به أمة…والخ
    فأنفع بما تملك قبل أن تضر به..

  8. إن العلم نور يجعله الله في قلب العبد اذا سلك سُبله ونفع به غيره. فالانسان كلما زاد علمه يجب ان يزاد نفعه بما عَلِم،خير من ان يكون ضارا بكتمه
    مقال روعه بوركت شيخنا اطال الله بعمرك 🌹🌺

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: