مقالات

حكاية عضروط يزعم أن علماء الأمصار في القرن الأول جلهم عجم

د.طه حامد الدليمي 

عضاريطٌ ولكنْ أينَ منهمْ               ضراغمةٌ تملكها الزئيرُ

تمـدَّدَ ذيلُ إفكهـمُ ضُحاءً               يُمسدُهُ ابنُ نابغةٍ طريرُ

ما زالت المنابر الدينية والإعلامية (تتحفنا) بمثل حديث سلمان وغيره. ومن ذلك أزعومة منتشرة عن لقاء بين محمد بن شهاب الزهري والخليفة عبد الملك بن مروان، وهو يسأله عن علماء الأمصار وأصولهم فإذا الكل أعاجم سوى واحد، ويختم الأزعومة بقول الزهري رداً على استغراب الخليفة مما يسمع: “يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، من حفظه، ساد، ومن ضيعه سقط”!

لا شك لدي أن مثل هذه الحكايات الصبيانية موضوعة من قبل الشعوبيين.. متنها يدل على كذبها؛ فلا يعنيني سندها. لكن حتى يقتنع قومنا بما نقول ولا يظنوا فينا أننا نفعل ذلك دون مستند علمي، لا بد من تكملة المشوار أو البحث لاستخلاص الحقيقة من بين أنياب أولئك الكلاب. وهذا يحتاج إلى تقلب بين الرواة في كتب الرجال أو الجرح والتعديل. وقد فعلت لله الحمد([1]).

خبر الأزعومة

روى الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث) قال: أخبرنا أبو علي الحافظ قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله البيروتي قال: ثنا محمد بن أحمد بن مطر بن العلاء قال: حدثني محمد بن يوسف بن بشير القرشي قال: حدثني الوليد بن محمد الموقري قال: سمعت محمد بن مسلم بن شهاب الزهري يقول: قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال لي: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلفت يسود أهلها؟ قال: قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم، قال: قلت: بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا.

فمن يسود أهل اليمن؟ قال: قلت: طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم، قال: قلت: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي.

فمن يسود أهل مصر؟ قال: قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي، قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل الشام؟ قال: قلت: مكحول، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل. قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قال: قلت: ميمون بن مهران، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي.

قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: ويلك، فمن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب. قال: ويلك يا زهري، فرجت عني، والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر، والعرب تحتها. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، من حفظه، ساد، ومن ضيعه سقط([2]).

سقوط الخبر وصاحبه

هذا الخبر الشعوبي ساقط من عدة وجوه، منها: صياغته التي يظهر لكل متأمل أثر الصناعة فيها، فهي من وضع من أراد أن يوحي للقارئ سبق الموالي وتخلف العرب في العلم والدين. وذلك مخالف للواقع التاريخي، وما عليك من المزاعم التي صنعها الموالي ودسوها في الكتب، وتبعهم عليها ذيول منا يهرفون بما لا يعرفون. والخبر فيه ما يلزم منه أن العرب ضيعوا أمر الله ودينه فسقطوا، وحفظه الموالي فسادوا. فمتى كان هذا؟! لاسيما في ذلك الوقت المبكر والعرب ما زالوا في قرنهم الأول!

والخبر من وضع من لا يعرف تاريخ الرجال وفي أي عهد عاشوا؟ ومن أدركوا وعاصروا من العلماء. قال الذهبي (سير أعلام النبلاء:5/86): “والحكاية منكرة، والوليد بن محمد واهٍ… وأيضاً ففيها: من يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، وهو من الموالي. فيزيد: كان ذاك الوقت شاباً لا يعرف بعد. والضحاك فلا يدري الزهري من هو في العالم، وكذا مكحول يصغر عن ذاك”.

ويبدو أن الرجل استغرقه ذكر الأمصار مصراً بعد مصر حتى إذا وصل الشام لم ينتبه أن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان من أهل الشام، فكيف يجهل من يسودها حتى يسأل عنه؟!

وقال محقق (تهذيب الكمال) د. بشار معروف في حاشية (تهذيب الكمال:20/81-82): جاء في حواشي النسخ تعقيب للمصنف (أي المزي) على صاحب الكمال (أي الحافظ عبد الغني المقدسي) نصه: “في ذكر يزيد بن بي حبيب هنا نظر، فإنه لم يكن له ذكر في هذا التاريخ مع إبراهيم النخعي وغيره”. قال بشار: وهذا يدل على أن هذه الحكاية ملفقة. وأضاف: هذه الحكايات من وضع الشعوبية أعداء الاسلام يدسون السم بالدسم، وراويها الوليد بن محمد الموقري مولى لبني أمية متروك، كذبه يحيى بن معين وغيره وضاع، وأمره بيِّن في الضعفاء.

والخبر ساقط (تهذيب التهذيب لابن حجر:11/149-150): في سنده الوليد بن محمد الموقري: وهو من الموالي. أجمع العلماء على ضعفه، وصرح كثير منهم بأنه كذاب متروك. فإليه تتوجه التهمة بوضع الخبر. مولى عنصري حاقد ينصر قومه.

والخبر لم أجده رواه أحد قبل الحاكم، وعنه أخذه من جاء بعده. والحاكم: مولى فارسي شيعي شعوبي يقول بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة لعلي رضي الله عنه، يطعن في بعض الصحابة صراحة، وبعضهم طعناً مبطناً، وكتابه (المستدرك) شاهد على ذلك. كما أنه يشهد على تشيعه، وقد ملأه بأحاديث شيعية غالية يزعم أنها على شرط الشيخين. وقد كسر السنة الكرامية منبره بسبب ذلك، وحصروه في بيته ومنعوه من الخروج([3]).

أملي في القارئ أن يتخذ من هذا الخبر مقياساً لإسقاط كل الأخبار المشابهة بمجرد النظر في المتن، ولا يتعب نفسه – كما أتعبتُها أنا – بالبحث عن الأسانيد؛ فكلها ساقطة، والاستقراء الذي أنا عليه منذ قرابة عشرين عاماً يثبت ذلك.

 

___________________________________

[1]- وجدت على شبكة المعلومات بحثاً مُوقَّعاً باسم عبد الله زقيل بعنوان: هل تصح قصة الحوار بين عبد الملك والزهري؟ اختصر عليّ كثيراً من الجهد؛ جزاه الله خيراً.

[2]- معرفة علوم الحديث، ص198-199، أبو عبد الله الحاكم، تحقيق السيد معظم حسين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1397هـ/1977م.

[3]- يقول الذهبي (ميزان الاعتدال:3/608): إمام صدوق، لكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة، ويكثر من ذلك، فما أدري هل خفيت عليه؛ فما هو ممن يجهل ذلك. وإن علم فهذه خيانة عظيمة، ثم هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرض للشيخين. وقد قال ابن طاهر: سألت أبا إسماعيل عبد الله الأنصاري عن الحاكم أبي عبد الله، فقال: إمام في الحديث رافضي خبيث. قلت: الله يحب الإنصاف، ما الرجل برافضي، بل شيعي فقط. ومن شقاشقه قوله: إن علياً وصي. فأما صدقه في نفسه ومعرفته بهذا الشأن فأمر مجمع عليه.

اظهر المزيد

‫17 تعليقات

  1. اليوم ثبُت لدينا ان من ينتقص من العرب فهو غير ثقة وهذه قاعدة سوف نسير عليها حتى لو الف الاف المجلدات ونقل الاحاديث والروايات ،وهؤلاء الموالي سوف نمزق تاريخهم كما تمزق سليماني (لع) ان شاء الله.

  2. الدس وتشويه التاريخ سيمة الفرس والموالي وهذا ليس بغريب! فطبيعة البشر تميل لنصرة أهلها وقوميتها. والفرس استغلوا كل الأفكار الشيطانية ليحرفوا التاريخ لصالحهم.
    الغريب والعجيب كيف تمر هذه الروايات من خلال العرب! لا وهم من ينقلها! والادهى العرب هم يدافع عنها ويثبتها! هذا كله يرجع لطيبة الشخصية العربية المفرطة وسذاجة بعضها.

  3. أي أمة تحترم نفسها لا تصدق أن علمائها يكونون من غيرها، ولا يوجد أمة في التاريخ أسست وبنت حضارة على علماء غيرها مالم يكن السبق لها ثم بعد ذلك يشترك معها الآخرون، إلا عندما يتعلق بأمة العرب فعلينا أن نصدق ونقتنع أن كل علماء الصدر الأول إلا واحدا كانوا من غير العرب وإلا فإنك جاهلي وعنصري ووو
    ملاحظة: علماء الصدر الأول – حصرا- لابد أن يكونوا – أغلبهم إن لم يكن كلهم- فرساً لماذا؟؟؟ !!!

  4. جزاك خيرا لجهودك المبذولة في تصحيح تاريخ الامة العربية
    والقاعدة التي نستخلصها كما ذكرت
    استقراء المتن للتاكد من صحة الحديث واسقاط المدسوس والخبيث منه

  5. طيب هذه الرواية وغيرها الكثير الكثير التي لم تُغربل بعد، وهذه دعوة لنا اولاً ان ناخذ دورنا التاريخي بتفحص هذه الروايات التي فيها استنقاص من العراب.

  6. من هذه الناحيةوالاتجاه في سياق هذه الروايات تُذم قادة العرب وتقدس موالي الفرس وهذا ما نراه من مغردين المنابر الذين جعلوا كل مافي الكُتب هو صحيح مقدس دون أدنى شك
    وهذا هو التقليد الأعمى .

  7. من هذه الناحيةوالاتجاه في سياق هذه الروايات تُذم قادة العرب وتقدس موالي الفرس وهذا ما نراه من مغردين المنابر الذين جعلوا كل مافي الكُتب هو صحيح مقدس دون أدنى شك
    وهذا هو التقليد الأعمى .

  8. جزاك الله خيرا وأخذ بيدك وحفظك من كل سوء.
    أستاذنا الفاضل.. حيث وجدت الثغرة نفد اللص وإن لم يغمض للحارس جفن..
    فكيف بحال الذين أمنو مكر الثعالب والكلاب السائبة وفتحوا لهم الأبواب واوكلوا لهم التصرف بتراث الأمة ومصير أبنائها وأمنها الفكري وحتى العسكري .؟
    نعم فقدان الوعي والاتكالية على لصوص موالي العجم وعدم الشعور بالمسؤولية الشرعية وحتى الإنسانية جعلت هؤلاء يأتون بكل أعجمي أظهر التنسك الثعلبي ليمنحوه الجنسية العربية والهوية الإسلامية حتى يتخذ له من ديارنا مطعما ومطعنا..
    وياليت شعري متى يصحوا العرب من طعنات العجم..!!؟
    هؤلاء ليسوا عضاريط فحسب بل هم.. مضاريط..
    ضاع الوصف فيهم بين عضروط ومضروط..

    1. جزاك الله خيرا د العزيز على هذا المقال الرائع الذي كان يحدثنا عن حكايات عضروط يزعم أن علماء الأمصار في القرن الأول جلهم عجم.

  9. وهذا يثبت صواب ما تدعو اليه دائما من الانتباه لاستكثار الموالي من العلم وسعيهم الحثيث للوصول الى مكانة رفيعة داخل جسد الامة الناشئة. خطرهم بات واضحا لمن يبحث بعقل واعي وعين ناقدة

  10. شكرا لجهودك شيخي موضوع في غايه الاهميه لابد لنا من الاطلاع على مثل هذه المواضيع لكي نصبه على بينه ولانصدق القيل والقال المنقول من قبل الناس.
    وجزاك الله خيراً شيخي 🌿🌿

  11. في ظل تاريخنا لابد من غربلت بعض الروايات بل الكثير منها لما تحويه من مدسوسات كاذبه متناقله بشكل غير صحيح ويجب تسقيط هذه الدسوس لكي نصبح على بينه ولا نصدق القيل المنقول من هذا وذاك …..بوركت شيخنا لأطلاعك إيانا على مثل هذه المواضيع المهمه 🌸🌸🌸

  12. وما أكثر العظاريط في زماننا
    طعنوا بالامة السُنية العربية
    وقدسوا حثالة الفرس المجوسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: