مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

يُرضِيكَ يَا رَبِيع ؟!

بمناسبة الذكرى التاسعة عشرة للغزو الإمريكي - إيراني للعراق

د. طه حامد الدليمي

بيت فتحتُ عينيَّ باكراً لصلاةِ الصبحِ فجرَ ذلكَ اليومِ.

إحساسٌ ثقيلٌ بالتوجسِ من شيء أحاول عبثاً تجاهلَهُ.. يجتاحُني.

ذاكرتي ملأى بشجون ذكرى قديمة، أحتاج ستة أشهر فقط لأقول: “ها قد مرّ عليها عشرون سنة”. الحقيقة أنها ثلاث وعشرون، لكن ماذا أفعل إذا كانت الكبرياء كثيراً ما تمنع الجمال أن يُطلَّ إلا من وراء حجاب؟

الغريب أنني أختـزن في داخلي ذكرى مشابهة، ومع أنها تحكي ما جرى ويجري أفضل مما تحكيه الأولى، عدا أنها أقرب إلينا منها بحزمة سنين، لكنها لم تشغل سوى مساحة قليلة جداً من حيّـز ذاكرتي المشحونة صباح ذلك اليوم.

لماذا؟

الحقيقةَ أقول لكم: لا أدري.

الآن تذكرت.. لعل السر يكمن في دهشة الحدث الأول. الحرب لها دهشتها الأولى أيضاً. ليس الحب وحده.

في صبيحة تلك الدهشة بُعَيْدَ بزوغ الشمس بقليل، كنت أحمل حقيبتي متوجهاً إلى الكلية، أقطع مشياً على الأقدام ذلك الطريق الزراعي الطويل بين بيتنا القديم في ريف (الخياميات) ومجمّع السيارات في مدينة (المحمودية)، والجو مُفْغَمٌ بنسمات أيلول، لأتخذ سبيلي من هناك إلى بغداد. وبينما أنا أخترق بستان (اجْلِوي) بنخيله الباسق، وأشجار البرتقال والرمان تتوزع فيما بينها، وبلبل يصفر فرحاً ويغرد جذلاً وهو ينتقل من شجرة ويحط على أخرى.. إذا بأصوات غريبة لم أعهدها من قبل تتناهى إلى سمعي من بعيد!

هل هي أصوات انفجارات؟! ابتسمت ابتسامةً جامدةً وهززت رأسي كأنني أنفي قشة سقطت عليه؛ حتى في عالم التوهُّمِ.. ذلكَ غيرُ معقول!

توقفتُ برهة.

تلفتُّ يميناً وشمالاً، ولويت جيدي إلى الخلف.. لم أر أحداً أسأله. فإلى تلك اللحظة لم تألف أسماعنا مثل هذه الأصوات، بل لم نسمع بها من قبل إلا في نشرات الأخبار، عن أصقاع لا نعرف منها إلا الأسماء!

سكتَ البلبلُ وطار مذعوراً، وواصلت المسير.

عبرت سكة القطار باتجاه مجمّع السيارات. وأثناء مروري بالسوق المزدحم وجدت الناس يتحدثون عن.. عن الحرب!

كان ذلك آخر الأيام الجميلة في حياة أهل العراق. بعدها كثرت الأصوات والانفجارات فما عاد أهل العراك، عذراً؛ قصدت أهل العراق، ينامون، ولا يصحون، إلا على عزيفها.

* *

هذا بعض ما رشح عن ذاكرتي وأنا أفتح عينيّ للتوِّ فجرَ ذلك اليوم.

أفقتُ من فراشي متثائباً. ملأت الإبريق من حِب ينتصب في زاوية من الدار وخرجت أتلمس دربي بين الأحراج.

https://i0.wp.com/sunni-iraqi.net/wp-content/uploads/2019/03/word-image-26.jpeg?resize=290%2C190&ssl=1 كان النسيم منعشاً وهو يلامس أطراف السنابل التي ما زالت خضراء والربيع في أيامه الأولى. السكون سيد الموقف، إلا من سقسقة قُبّـَرة ترسل آخر تسبيحاتها المعتادة أولَ كل صباح.

كل هذا كنت أراه ولا أراه.. أسمعه ولا أسمعه. وأتلفت هنا وهناك والقلب يبعث برسائل مريبة..

لقد توعدنا العلـج قبل ساعات، وسـحبت الأمم المتحدة لجانها يوم أمس.. نذر حرب باتت وشيكة، وعلى إثرها نقلت العائلة عجلاً إلى حيث بيتنا القديم في ذلك الريف الوادع الجميل، تاركاً بيتنا الجديد في حاضرة اللطيفية غارقاً في إرهاصات دهشته الأولى.

سلمت التسليمة الثانية والصبح قد أسفر، وقبل أن أستدير مستقبلاً بوجهي أفراد العائلة الذين كانوا يُصَلون خلفي دوّى الفضاء بأصوات ألِفْناها وألِفَتْنا منذ ثلاث وعشرين سنة.

وانفرط عقد التوجس!

واهتزت السنابل في الخارج أكثـر. لكنها هذه المرة ليست طرباً بمغازلة النسيم، ولا خشوعاً لتسبيح القبَّرات التي طارت خائفة مرتعدة.

هذا ما حدث يوم الخميس العشرين من آذار، بعد مفتتح الألفية الثالثة بثلاث سنين.

ومن يومها لم يعد الربيع إلى ديارنا.

**

يرضيك يا ربيع ؟!

 

اظهر المزيد

‫9 تعليقات

  1. ومنذ ذلك الحين تجلس بغداد كابية حزينة تجتر الآلام ويمضها الملل، ويؤرقها الضياع والفراغ الحضاري.. بغداد خالية من الحضارة، فقد ألبسها الفرس ثوب الجهل، واضطروها أكل الهمجية، وأفرغوا عقلها الراقِ الحر وحشوه خرافة وعبودية.. لكنها ستنزع ثوب جهلهم وتغتسل من همجيتهم وتلفظ خرافاتهم.. وحضارية تعود كما كانت في سالف العهود.

    أتعود بعد تصرم ونفادِ
    أيام بغدادٍ إلى بغدادِ

    بلد بهِ سوق الجهالة نافق
    والعلم فيهِ متاعه لكساد

    يا نهر دجلة أين بغداد التي
    كانت لأهل الفضل أكبر ناد

    يا نهر دجلة ما لبغداد غدت
    بلداً لكل شناعة وفساد

    لهفي على بغداد كيف تأخرت
    في العلم بعد تقدم متمادي

    بغداد.. حضارية ستعود كما كانت في سالف العهود.

  2. انها غربان الخراب جاءت يقودها احفاد ابن العلقمي لنشر السواد القاتل في ارض كان سوادها يدل على الخير ، الامل مازال معقود باهل التيار السني ليعود العراق لاهله الطيبين .

  3. ((لقد الفيت نفسي في بحر من الشجن وقد عزفتَه يا دكتور بلحن الصبا الحزين عندما كنتَ طالبا في الصبا ، ثم انتقلت الى طعم النهاوند الدلِه، وعينك على الشرق تسبر اغوار الزمن لتلحظ مؤتمر نهاوند الذي لم تخمد ناره بعد، اتريدني ان اجيبك؟ كيف لي ان اخفي عبرتي بعد هذه المقطوعة التي تقطع الاوصال ، سوف لن تسمع مني الجواب حتى تعود الى مرابعكم الخضر بهجتها وحبورها والى هضبة الفرس قفرها وخرابها.. وانتم بوادر هذا النصر وارهاصاته.. وحتى ذلك الحين لا تظنن بان السكوت علامة الرضا))
    هذا ما قرأته في عيني ربيعنا المهاجر وانا منشغل بكففكة الدموع.

  4. آه…آه
    هذه الذكرى لاتنتهي بالرغم أننى لم نعيش تلك الواقعة لكن تقوقعت في العراق فأصبحت تدور علينا ذكرياتها المريرة ،في هذه الأجواء الربيعية قلت هنيئاً للكرد لهم عيد يحتفلون به ويبرزون هويتهم الكردية فمتى يصبح لنا عيد نحن أهل السنة ؟!!يميزنا عن غيرنا عيد ربيعنا السُني
    فالعين ترا والقلب يتألم عسى أن يكون هناك امل

  5. في ذلك الموقف العصيب القله القليله من يدرك خطرالشيعة الداخلي الذي ينتظر أهل السنة في بلدنا العراق… وفي وقتها كان ينبه الدكتور طه الدليمي حفظه الله من هذا الخطر قبل أن يستفحل وينتشر في شرايين أهل السنة ولكن كانوا في غيبوبة تامه عن الأحداث التي تنتظرهم والسبب عدم تشخيصهم للمرض الداخلي في وقتها ….
    وهل استوعب أهل السنة هذا الدرس خلال ١٨ عام . قال تعالى ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌۢ بِٱلْخَيْرَٰتِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ)

  6. بعد سقوط العراق بيد السراق
    هجره الربيع وهجره أهله
    وأصبح أسير الفرس ليحرقوه بحقدهم وكرههم
    أملنا بالله ووعده لعباده الصابرين ونصره لعباده المرابطين
    بعودة العراق ونهضته وفك أسره
    جزاك الله خيرا شيخنا المجدد طه الدليمي وقر عينك
    بعودة الربيع السُني للعراق

  7. أرى ما اريد
    ودربٌ يؤدى لدربٍ جديد
    وخلف المسافات وعدٌ وعيد
    أرى العنفوان وثوب الغسق
    أرى منزلا مشرعا بالضياء

    أرى مهرة أسرجت للرياح
    أرى موطنا للغناء المباح
    أرى وردة أينعت بالجراح
    وفي آخر الليل بدء الصباح
    أرى ما أريد

  8. لكل منا ذكرى بذلك الربيع الاليم
    املنا بالله ان يعود اهل السنة لصوابهم وبغداد لاهلها
    ويقر الله عينك يا دكتور بنصر من الله وفتح قريب

  9. ذكرت المقالة الحروب ودوي الانفجارات والتوجس منها
    التي مررنا بمرارتها
    لكن اللافت انها بدءت بالربيع والمليء بالامل

    للآمال في أنفسِنا * لذة تنعشُ منها ما ذَبل

    لذة يحلو بها الصبر على * غَمَرات العيشِ والخَطب الجلل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: