مقالاتمقالات أخرى

الشعوبية الثقافية .. أبو عبيدة معمر بن المثنى مثالا

أ. العنود الهلالي

تعددت الطرق التي حاربت من خلالها الشعوبية ثقافة العرب ودينهم، ولم يألُ الشعوبيون جهداً في سبيل تحقيق أهدافهم التي أدركوا أنهم لن يستطيعوا الوصول إليها بيسر إلا عن طريق العلم والثقافة؛ فمارسوا أدوارهم بذكاء وخبث لتشكيل الوعي الثقافي في بلاد العرب عن طريق السيطرة على موارد الثقافة الأدبية والتاريخية. لذا فإن أخطر أنواع الشعوبية هي تلك التي استطاعت امتلاك لغة الخطاب والقدرة على التأثير في المجتمع، ألا وهي شعوبية الفقهاء والوعاظ والكتاب والأدباء.

“لقد كان لعلماء الموالي دور خطير في تشويه الدين واللغة والتاريخ وبقية العلوم، ووضع الأحاديث الخادمة لهذه الأهداف”[1] يدرك هذه الحقيقة كل من قلّب النظر والفكر في كتب التاريخ والتراجم؛ لما سيلحظه من أسماء وعناوين كان لها جهود كبيرة في دعم الشعوبية والحط من شأن العرب بمصنفات مُلئت هجاءً للعرب وسرداً لمثالبهم، وأخطرها تلك التي تدس السم في العسل كما فعل أبو عبيدة النحوي معمر بن المثنى عندما ألّف “نقائض جرير والفرزدق” فقد ذكر بعض النقاد أن شرح أبي عبيدة للنقائض وعنايته بها كان دافعا من دوافع شعوبيته.

من هو أبو عبيدة معمر بن المثنى النحوي؟

أبوعبيدة النحوي معمر بن المثنى التيمي بالولاء؛ فهو مولى لتيم قريش ، يعرف في كتب التراجم بالنحوي صاحب التصانيف. وأنه ممن كان له علم بأخبار الجاهلية والإسلام، وقد حصر اهتمامه في الأنساب والأخبار. له كما يذكر الزركلي نحو 200 مؤلف، منها (مجاز القرآن) ، و (العققة والبررة) ، و (مآثر العرب) و (المثالب) و (أيام العرب) و (طبقات الشعراء) و (نقائض جرير والفرزدق) .

يقول الأزهري صاحب تهذيب اللغة: له كتبٌ كثيرة في أيام العرب ووقائعها ، وكان الغالب عليه الشعر ، والغريب وأخبار العرب ، وكان مُخلاً بالنحو كثير الخطأ ، وكان مع ذلك مغرًى بنشر مثالب العرب ، جامعاً لكل غثٍّ وسمين ، وهو مذمومٌ من هذه الجهة ، وموثوق به فيما يروي عن العرب من الغريب.

أما ابن قتيبة فيقول في ترجمته: كان يبغض العرب وصنف في مثالبهم كتبا. ولما مات لم يحضر جنازته أحد؛ لشدة نقده معاصريه. وكان مع سعة علمه، ربما أنشد البيت فلم يقم وزنه، ويخطئ إذا قرأ القرآن نظراً.

ويذكر المحقق عبدالسلام هارون شيئا من سيرته عندما أورد رسالته (العققة والبررة) في نوادر المخطوطات حيث قال: كان أبو عبيدة يبغض العرب، ويطعن في أنسابها، ويؤلف في مثالبها الكتاب إثر الكتاب، ويمجد الفرس ويعلي من شأنها. فهو حين يضع كتاباً في فضائل الفرس يؤلف آخر في “مثالب العرب”، وفي “لصوص العرب”.

لقد استطاع العرب في تلك الفترة التصدي لهذه الشعوبية المقيتة عند أبي عبيده وأمثاله ، فكان لهم حضورهم القوي في الساحة الثقافية حيث سعى العلماء والأدباء إلى مواجهة هذا الفكر ودعاته دفاعاً عن الإسلام والعرب.

لذا نجد أن أبا عبيدة كان يصطنع العداوة مع امام العربية عبدالملك بن قريب الأصمعي، الذي كان أعلم منه بالنحو، والأصمعي كان عربياً متعصباً للعرب شديد التعصب شديد المحافظة والتوقي. وقد بلغ من ذلك أنه كان لا يقول في تفسير ألفاظ الكتاب الكريم، خشية أن يزل زللاً دينياً أو لغوياً لا يغتفر.[2] لكن التعصب الشعوبي الذي كان عند أبي عبيدة إضافة إلى ما كان يمتاز به من علم واسع هو الذي دفع بإسحاق بن إبراهيم الموصلي الفارسي الأصل، أن يخاطب الفضل بن الربيع ويحرضه أن يؤثر أبا عبيدة على الأصمعي، وأن ينفي الأصمعي عن حضرته، وذلك قوله:

عليك أبا عبيدة فاصطنعه ** فإن العلـم عنـد أبي عبيده

وقدمـه.. وآثـره عليـه ** ودع عنك القريد بن القريده

تناقض التوثيق التاريخي في كتب الطبقات والتراجم

يقول طه حسين عن هذا النحوي الذي كان يخطئ إذا قرأ القرآن نظرا، وإذا أنشد البيت من أبيات الشعر لم يقم وزنه، يقول عنه: فأما أبو عبيدة معمر بن المثنى الذي يرجع العرب إليه فيما يروون من لغة وأدب، فقد كان أشد الناس بغضًا للعرب وازدراء لهم، وهو الذي وضع كتابًا لا نعرف الآن إلا اسمه وهو (مثالب العرب).

قبل أن نتساءل بتعجب كيف يعد المتأخرون مؤلفات أبو عبيدة من المصنفات التراثية التي يعتمد عليها، خاصة فيما يرويه عن أيام العرب ؛ لننظر أولا في أسلوب التوثيق التاريخي للرواة عند أصحاب الطبقات والتراجم لنرى كيف جمعوا في تناقض عجيب بين التوثيق والتجريح في الوقت نفسه!

وإلا كيف اعتبروا من يبغض العرب ويصنف في مثالبهم الكتب، أعلم الناس بأخبار العرب وأيامها !؟ ألن يسعى الشعوبي إلى تعزيز أفكاره الشعوبية بتأليف القصص المكذوبة في سياقات الشروح الشعرية ، واختلاق المرويات التي تشوِّه صورة العرب، وتنسب إليهم كلَّ خلقٍ ذميم!

لقد نبّه الدكتور طه الدليمي في كتابه هكذا نكتب التاريخ إلى هذا الأمر الخطير فقال في معرض حديثه عن ضعف التزام المؤرخين بشروط روايات التاريخ: ( ثمت تناقض، ليس من السهل تقبّله، في التعامل مع بعض رواة التاريخ. وأقصد من اتهم منهم بالزندقة أو وضع الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم مثل محمد بن عمر الواقدي، وسيف بن عمر التميمي. هؤلاء وأمثالهم لا يمكن الركون إلى مروياتهم في التاريخ؛ لأن الدعي الذي يفتري على النبي يمكن أن يفتري على غيره من باب أولى ..) وكذلك الشعوبي الذي ليس للعرب حرمة في نفسه؛ بل في نفسه الكراهة لهم، يفترض ألا تقبل روايته في أيام العرب وأنسابها!

 

_____________________________________

[1] د. طه حامد الدليمي، مقال بين الشعوبية والسنية الفارسية

[2]   نوادر المخطوطات، عبدالسلام هارون، 2 : 359

اظهر المزيد

‫11 تعليقات

  1. بارك الله فيك على الجهد المبذول أيتها الأخت الهلالية .. كنت أظن أن بني هلال في العراق شيعة

    1. حياك الله أخ معاوية ..
      اما بني هلال العراق فلا علم لي إن كان كلهم شيعة أو قسما منهم فقط ..لأني من بني هلال الحجاز 😊

  2. موضوع هذا المقال يذكرني بالكاتب الاسكتلندي والناقد الساخر توماس كارليل حين قال قبل أكثر من قرن من الزمن عندما كانت انكلترا امبراطورية عظيمة “لو خيرت إنكلترا بين الهند وشكسبير، لاختارت شكسبير”. لما يمثله شكسبير من رمز الادب والثقافة الانكليزية الدائمة والتي هي بكل تاكيد اهم من ثروات وخيرات مستعمرة الهند الزائلة .. فاذا اردنا ان نحرر اوطاننا ونسترد ثرواتنا وخيراتنا فلا بد قبل ذلك من ان نحرر ثقافتنا وتراثنا من هذا الغزو الفكري، وتكف الامة عن هذا الطيش وتخرج كل من يسفه تاريخنا وثقافتنا من مصادر الاخبار والادب لترميه بعد ذلك في اقرب مزبلة.
    مقال مهم يغري الاخرين بحملة تنظيف واسعة والبحث عن هذه النفايات الشعوبية المنتشرة في شوارع مدننا الادبية والتاريخية المهملة

  3. المتأخرون مصابون في فكرهم والهوس بكل ما له علاقة بالقديم ويبدو أنه هوس تقديس التراث وإلا كيف يعد نحويا من يلحن في قراءته ولا يقيم للاوزان الشعرية وزنها!
    ليت الحديث عن ابي عبيدة الشعوبي يتبعه سلسلة تعرف ببقية الشعوبيين التي تقدسهم ثقافتنا وتلبسهم جلبابا راق من الالقاب الفخمة!

  4. ما أكثر المدلسين والمخادعين في تاريخنا وكتبنا
    والمصيبة أسمائهم براقة ولها قيمة بين المجتمع العربي
    يجب تنقية تاريخنا من هذه الشوائب الشعوبية الفارسية
    وازالتها إلى الأبد…سلمت أناملك وبوركت جهودك
    أستاذة عنود🌹 لما تقدميه من جهود علمية ذات نكهة سُنية

  5. حي الله عنود الهلال،مع كل التقدير والشكر الكبير على هذه المقاله الجميله المليئة بالكلام الصائب الذي يدل على الصواب و الوعي حقا لقد قامت الشعوبيه الثقافيه والتي تعني الثقافه المزوره والتي حتى لا تصلح لأن تكون ثقافة.. بشويه الكتب وتأليف دين جديد لهم أي بمعنى دين فاسد ومع كل ذلك قاموا بتحريض الدين وتشويه الكتب أنهم حقا جرثومه وليس كاي جرثومه
    انهم جرثومه مسمومه لعن الله كل من عمل عملتهم.
    مع كل التقدير والشكر والاحترام لعنود الهلال .. والدكتور طه الدليمي واكيد لأخواتي أهل التيار مع كل الشكر لمجهودكم
    المبذول ولافكاركم الجميله 💗💖💖

  6. تحيه للأخت العنود على هذا المقال القيم والمهم كان من الأمور الناجمة عن الثراء والترف والامتزاج بالشعوب التي فتحت بلدانها أن نشأت تيارات منحرفة تمثلت في الشعوبية والزندقة والمجون.
    أما الشعوبية فهم أولئك القوم الذين عادوا العرب ، ولم يروا فيهم إلا بدوًا ورعاة غنم وسكان خيام ، ومجرّد قبائل لم تجمعهم دول منظمة مثل غيرهم من الأمم كالروم والفرس. ويعكس تيار الشعوبية حقد الشعوب المغلوبة على الأمة العربية التي حباها الله برسالة الإسلام ، وحقق لها الغلبة على أعداء هذه الرسالة. فبرز ابو عبيدة معمر بن المثنى وأمثاله الكثير..

  7. حياك الله اختي العنود وجزاك الله على هذا المقال ذا السرد الجميل والتفصيل الدقيق احسنتِ وبوركت جهودك 💯✨

  8. جزاك الله أختي العنود على هذا المقال الرائع والجميل.
    التي تتحدث عن (الشعوبيه الثقافيه).
    تحيه لأهل التيار السني👏💐

  9. مقال هادف لتنقية الثقافة السنية من الشعوبية التي لوثت وشوهت تاريخنا عن طريق الموالي جزاكم الله خيرا ستاذه عنود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: