مقالات

القَائِدُ .. بَينَ القَامَةِ وَالعُنوَان

د.طه حامد الدليمي

في صحراء مترامية المدى، بعد أن أذَّنّا وصلينا المغرب والعشاء، كانت لنا جِلسة على كثيب من الرمل الهتيت، أخذ الفكر والإيمان والقضية منها بنصيب. تناول أحد الجالسين سيرة أشخاص ظلموه، ولاكوا سمعته بغير حق، فأبدى ألمه من اتهامه بما ليس فيه وكيف أن التهمة تسري من فم إلى فم؛ فأنى له أن يرتاح؟ قلت له: دعهم لله يكْفِك ما أهمك من أمرك. فهز رأسه وتكلم بجمل تعبر عن مدى ألمه وصعوبة حاله.

الأمر معقد حقاً؛ فليس من السهل علاجه بمنطق الفكر المجرد. لا بد من دفق يقتلع جذور الأذى من أصولها، ويحملها في مسيله بعيداً عن زوايا القلب ومكامن النفس. ثم يعود على تلك الزوايا والمكامن بمرهمِ آسٍ رفيق يمسحها بلطف فيعالج آثارها، ثم يتركها لتمحى مع الزمن. وهل غير الإيمان المبني على الحقيقة مصدراً لذلك الدفق الآسي الرفيق؟ هذا إن كان لدى المخاطب استعداد لذلك.

المتكلم من حملة قضية له فيها باع. فقلت له: المرء عنوان وقامة. فهذا خفير وهذا مدير، ولنترك بقية العناوين. وأقصد بالقامة ما لدى المرء من طاقات نفسية وإنجازات عملية، وأقلها الاستحقاق الذي يفرضه العنوان. والناس الخيرون أقسام؛ فمنهم من قامته أعلى من عنوانه؛ فمن الظلم لنفسه أن لا يكون عمله ودوره الاجتماعي بمستوى ما منحه الله تعالى من قابليات فطرية، ومَكِنات مادية، فلا ينميها ويطورها ويجعلها تستطيل صعداً في سماء العطاء الظاهر بما يتناسب وقوة العطاء الكامن. وهذا هو ما يسميه علماء السلوك بـ(علو الهمة)، وكثيراً ما يردد ابن قيم الجوزية هذا البيت متحسراً على كسل الغافلين وغفلة المتكاسلين:

قدْ هيأوكَ لأمرٍ لو فطنتَ لهُ          فاربأْ بنفسِكَ أنْ ترعى معَ الهَمَلِ

ومنهم من له عنوان أكبر من قامته فعليه أن يطيل من قامته لتكون بمستوى عنوانه؛ لأن الله تعالى سيحاسبه طبقاً لعنوانه. وكذلك الناس ينظرون إليه من خلال ذلك العنوان ويطالبونه بمستحقاته. وما من شك في أن ما يطالب به المدير أعلى مما يطالب به الخفير. وإلا فليغادر صاحب العنوان عنوانه إلى عنوان آخر يناسبه؛ فهو خير له عند ربه، وأعذر له بين خلقه.

كان نسيم الصحراء يبرد رويداً رويداً، والنجوم تأتلق، مع حلول الظلام وغيبة القمر، أكثر وأكثر؛ فتنتعش النفوس، وتنشرح الصدور لقبول الحق والتعاطي مع النصح. ونظرت فإذا الآذان مصغية لاستقبال المزيد. فليكن قبساً من نور القرآن ومَشْقاً من عطر سيرة سيد الأكوان e وأصحابه الكرام! فمضيت في حديثي أقول ما ملخصه:

عبق من السيرة

كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنهقريب اسمه (مسطح) ينفق عليه ويحسن إليه. فلما خاض المنافقون والذين في قلوبهم مرض في أم المؤمنين رضي الله عنها، خاض مسطح مع الخائضين. ثم أنزل الله جل وعلا – من بعد – براءة عائشة فحلف الصديق أن لا يصل مسطح ولا ينفق عليه أبداً. وهذا تصرف طبيعي، بل هو أقل ما يمكن أن يجازي به رجل رجلاً طعن في عرضه. ولا نعرف أحداً يمكن أن تسخو نفسه فيستمر بالإنفاق والإحسان إلى من فعل ذلك في حقه! اللهم إلا اذا بلغ في حسن الخلق من الدرجات أعلاها، وكرم النفس من المراتب أسماها، فينكر ذاته، ويعمل الخير من أجل الخير نفسه خالصاً من ذاته!

كانت هذه الدرجة العالية السامية هي التي أرادها الله تعالى لـ(صاحب) نبيه e فقال له داعياً ومرغباً: (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور/22). وكان جواب أبي بكر رضي الله عنه: (بلى يا رب أحب أن تغفر لي)([1]). وعاد إلى مسطح يصله وينفق عليه!

إن هذه القامة لا يوفق الله إليها غير طراز خاص من المؤمنين يقول عنهم سبحانه: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:35،34). وما كان الله ليرضى من كان له هذا العنوان: (صاحب نبيه) إلا أن يكون من ذلك الطراز الذي تطول قامته وترتفع هامته إلى مستوى عنوانه!

الشيء نفسه فعله ربنا مع نبيه صلى الله عليه وسلم حين عرض له الصحابي (الأعمى) يسأله ويلح عليه وهو مشغول بدعوة كبراء القوم! فعبس في وجهه ولم يرد عليه. وماذا يمكن أن يُتوقع منه غير ذلك؟ فالسائل قد تجاوز في الكلام حده وقاطع النبي e وهو مشغول بغيره. وكان الأولى به أن ينتظر حتى ينتهي من كلامه، أو ينصرف ليلتقيه في مكان آخر وظرف أليق. ثم إنه أعمى، والأعمى لا يرى عبوس من عبس في وجهه! لكن الله عاتبه في ذلك أشد العتاب!

والسؤال المهم: لو فعل هذا غير محمد صلى الله عليه وسلم هل تتوقعون أن يعاتَب أو يحاسب؟ لكن الذي (عبس وتولى) هو محمد صلى الله عليه وسلم! محمد.. صاحب القامة العظمى والعنوان الأعظم من بين الخلْق أجمعين! لهذا كان العتاب! وكذلك لو كان الذي قطع النفقة عن مسطح غير الصديق لما كلمه الله في شأنه وكلفه بالعود إلى صلته؛ لأن التكليف على قدر التشريف.

إن هذه المنازل لا يوفق الله تعالى لها إلا طرازاً خاصاً متميزاً من الناس.. طرازاً بقامات عالية، ونفوس سامية. فلنُطِلْ من قاماتنا لنكون بمستوى عناويننا.

وانتهى الكلام فإذا الصمت سيد الموقف. ولعله علامة الرضا. وقمنا من مكاننا ذلك وقد ازداد النسيم برودة، والنجوم تألقاً، والنفوس والصدور انتعاشاً وانشراحاً.

يا أصحاب القامات، توجوا رؤوسكم بما يناسب قاماتكم من عناوين. ولتكن قاماتكم – يا حملة القضية – بمستوى عناوينكم.

27 نيسان 2022

________________________________

[1]-صحيح البخاري.

 

اظهر المزيد

‫16 تعليقات

  1. روعة المفاهيم و ربط الافكار(القائد بين القامة والعنوان ) بالأمثلة الدالة على الفكرة
    التي زادت من ترسيخها
    وكذلك التعبير الذي زاد من جمال المقالة ويعود بنا الى الوراء لتصحيح مفاهيم واخطاء تركناها خلفنا لتداركها
    كمًا يشحذ هممنا لما هوه آت
    جزاك الله خيرا يا دكتور

  2. بين القامَةِ والعنوان وجِبَ الاتزان.
    القائد الذي عنوانه غالبٌ لمقامه لا يلقى لنفسه امة واتباع
    لان الناس يثقون بالافعال لا بالاقوال فان كانت قيادته قائمه على الكلام والاقاويل وتضخيم عنوانه لن يتبعه احد او يدخل ضمن اطار عمله.
    على القائد الرفع من مقامه لا عنوانه
    وخير مثال على القامه والعنوان رسولنا الكريم (محمد صلى الله عليه وسلم)

    1. ليس هنالك بعد كلامك كلام يقال ! لانك فصلت الموضوع من جميع الجهات وكل جهه تبهر أكثر من قبلها وأسأل الله أن يجعلنا من أصحاب المقامات في مشروعنا وأن يوفقنا لنصره وحفظكَ و جزاك الله خير يا خـيـر المـجـددين .

  3. جزاك الله خيرا شيخنا العزيز طه الدليمي واطال الله في عمرك وجعله في ميزان حسناتك هذه المقاله الجميلة التي تتكلم عن
    القائد … بين القامه والعنوان
    ويقصد بها أن الجبال لايهمها العواصف والرمال وهنا القائد يعني هوه الأساس الذي
    يقود المجتمع وهوه المسؤول عن عمل
    المؤسسه والاستقلالية ..
    هنا يكون القائد الذي يملك القامه والعنوان
    يكون قائد عضيم ومهم وخصوصاً في المجتمع …
    مع كل التقدير والشكر لدكتور طه على مجهوده وأفكاره الكبيره إلا سطر العميقه
    الموجوده في هذه المقاله وايضا نشكر اخوتنا في الله أهل التيار وجعله مجهودكم
    في ميزان حسناتكم..❤️❤️🥰

  4. يارب علمنا ومكنا وأولادنا لنأخذ دوراً في مشروعنا الحق، لنكون فيه قامات تصدع بما تأمر في بيان الحق وفضح الباطل، وبناء المكون السني،
    جزاك المولى خيرا د على هذا المقال والأبداع والتناسق بين الصديق ثاني إثنين والمصطفى؟! ودونهم من البشر

  5. التاريخ يضع العناوين والبصمات في كل زمان ومكان ، الذين أدركوا أن الدين قضية تعيش معهم أين ماكانوا للوصول إلى الهدف المطلوب الذي أمرهم الله عز وجل به ولهذا كانوا الانبياء عليهم السلام من أولي العزم لهم الدور الكبير في حمل قضيتهم لمواجهة اقوامهم على مدى حياتهم والضروف التي كانت تواجههم لرفع راية الحق والدين المبين وتحرير الإنسان من عبادة البشر إلى عبادة الله عز وجل وحده لا شريك له.
    والذين جاؤ من بعدهم كان لهم في الإسلام اثر كبير وتاريخ مشرف ساروا على نهج النبوه لينشرو دين الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها هم الصحابة رضي اللَّه عنهم والتابعين ، وفي كل زمن صحابة يسيرو على نهج الأولين الذين علموا أن الدين عبادة وقضية إيمان ونصرة
    ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ ) أيها المسلم السني انت الذي تصنع الأثر لنفسك لا تنتظر من يصنعه اليك في ميدان المواجهة

  6. فتح الله عليك يا دكتور .. الربط بين الافكار واستحضارها لتكوين فكرة جديدة امر لا يقدر عليه الا المبدعون .. مقالة تعطي معنى جديدا وخلقا فريدا يضاف الى من يريد ان يحمل الراية ويسبق الصفوف.. بارك الله بكم وتقبل منكم الصيام والقيام وجعلكم من عتقائه من النيران

  7. “ ولتكن قاماتكم – يا حملة القضية – بمستوى عناوينكم”
    على كل من يحمل هذا المشروع أن تكون هذه العبارة نصب عينيه وأن يدرك قيمتها …

  8. بارك الله فيك شيخنا. على هذه المفاهيم … القائد بين القامة والعنوان.
    القائد هو ذالك الشخص الذي يتحمل عثرات الطريق من أجل وصول الفكرة و الخطة والعمل لينهض بالأمة من جديد
    (لا نحكم شعبا إلا نريه المستقبل )

  9. الهمة ترفعنا الى القمة وهمة اصحاب المشروع تناسب مشروعهم الرباني ، فالربانية عنوانهم ،وقامتهم يجب ان تكون مساوية لهذا العنوان .

  10. جزاك الله خير على هذه النسمات الطيبة دكتور .. اعاننا الله واياكم على حمل قضية اهل السنة كلٌ من مكانه وحسب استطاعته ويجاهد نفسه ان يرتقي بنفسه لما هو أشرف وأنبل.

  11. ((يا أصحاب القامات، توجوا رؤوسكم بما يناسب قاماتكم من عناوين. ولتكن قاماتكم – يا حملة القضية – بمستوى عناوينكم))
    مقالة جميلة تبين لنا المسار الصحيح لانصار التيار السُّني
    في توحيد صفهم وتمكين قيادتهم ونجاح دعوتهم
    جزاك الله خيرا شيخنا المجدد وبارك قاماتكم ورفع شأنكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: