مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

حرية المرأة في اختيار الزوج

د. طه حامد الدليمي

يُطلب الزواج بالمرأة عندنا من أهلها. وفي بعض البيئات يجلس الأهل يتناجَون فيما بينهم في شأن القبول أو الرفض دون علمها وكأن الأمر لا يعنيها البتة، فيرفضون أو يقتنعون دون اعتبار لرأيها. وقد ينتهي الطلب بالرفض دون علمها، أو تتم الموافقة ثم تجبر عليها بشتى الطرق: ترغيباً وترهيباً. حتى الأم قد تشارك في هذا الاعتداء الصارخ على أخص خصوصيات الإنسان ذكراً كان أم أنثى! على أن هذه الظاهرة بدأت تعرف طريقها إلى الانحسار، لولا وقوع فاجعة الاحتلال سنة 2003/1424 التي خلطت الأمور وعقدتها وعادت بها إلى أسوأ مما كانت عليه.

إن إجبار المرأة على الزواج بمن تكره مخالف للشرع والعقل والفطرة. وحين أراجع ما ورد في القرآن الكريم، والحديث المأثور، وحتى تاريخ العرب في الجاهلية، في معزل عن السوابق الذهنية التي ترسبت بفعل الأعراف الاجتماعية والفتاوى التحكمية أجد بوناً شاسعاً بين القرآن والحديث والتاريخ وبين ما نحن عليه من تواضعات وأعراف قد تُحسب على الدين!

حين تنطق النصوص

يقول جلّ جلاله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (البقرة:234،235). روى البخاري في (باب: لا يُنكِح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها) بسنده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تُنكح الأيم حتى تُستأمَر، ولا تُنكح البكر حتى تستأذن). قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: (أن تسكت).

وروى البخاري في (باب: إذا زوج ابنته وهي كارهة فنكاحهم مردود) بسنده عن خنساء بنت خذام الأنصارية: إن أباها زوَّجَها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحه. وروى ابن ماجة وغيره عن ابن بريدة عن أبيه قال جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال فجعل الأمر إليها. فقالت قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء.

قال شيخ الإسلام: أما الثيب فقد زال عنها حياء البكر فتتكلم بالنكاح، فتُخطَب إلى نفسها، وتأمر الولي أن يزوجها. فهي آمرة له، وعليه أن يطيعها فيزوجها من الكفء إذا أمرته بذلك. فالولي مأمور من جهة الثيب، ومستأذِن للبكر. فهذا هو الذي دل عليه كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح: فهذا مخالف للأصول والعقول، والله لم يسوغ لوليها أن يُكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده. فكيف يكرهها على مباضعة من تكره مباضعته، ومعاشرة من تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له، ونفورها عنه فأي مودة ورحمة في ذلك([1])؟

وروى البخاري عن ابن عباس في معنى قوله تعالى: (فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) (البقرة:235). يقول: إني أريد التزويج، ولوددت أنه تيسر لي امرأة صالحة. وقال القاسم: يقول إنك علي كريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله لسائق إليك خيراً، أو نحو هذا. وقال عطاء: يعرض ولا يبوح، يقول: إن لي حاجة، وأبشري، وأنت بحمد الله نافقة. وتقول هي: قد أسمع ما تقول، ولا تعد شيئاً. وقال ابن كثير في (تفسيره): يقول تعالى: (ولا جناح عليكم) أن تعَرّضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح… عن ابن عباس قال: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينتصب لها ما دامت في عدتها. وقال: وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها.

عدم اشتراط الولي في شرعية عقد الزواج

وقد ترجح لي بَعد نظر طويل مذهب أبي حنيفة في عدم اشتراط موافقة الولي في النكاح إذا تزوجت كفئاً، ويكفي الشاهدان في صحة العقد. فرأي أبي حنيفة (أن البالغة الرشيدة لا ولاية لأحد عليها؛ فلها أن تزوج نفسها بأن تباشر عقد نكاحها: بكراً كانت أم ثيباً)([2]). فهذا هو الموافق لما أقره الإسلام من كمال أهلية المرأة الحرة في نفسها ومالها. فالمرأة ليست ناقصة الأهلية في ذلك. وهي حرة التصرف ضمن الشروط الشرعية، وليس منها موافقة الولي. هذا أمر تكميلي تستدعيه اعتبارات مجتمعية لتدعيم موقف المرأة وحمايتها، وليس هو شرطاً لا يتم العقد الشرعي إلا به. وإضافة شرط الكفاءة لأن للأهل فيها حقاً.

وفي الصحيحين وغيرهما: عن عمر بن عبد الله بن الأرقم أن سبيعة بنت الحارث أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدراً، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل ابن بعكك، رجل من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك تجملت للخطاب، ترجين النكاح، فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت، وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي.

قال الشيخ الألباني (سلسلة الأحاديث الصحيحة، 6/494): وفي الحديث فوائد فقهية أخرى ساق الحافظ الكثير الطيب منها كقوله: وفيه جواز تجمل المرأة بعد انقضاء عدتها لمن يخطبها؛ لأن في رواية الزهري عند البخاري: فقال: مالي أراك تجملت للخطاب؟ وفي رواية ابن إسحاق: فتهيأت للنكاح واختضبت. وفي رواية معمر عن الزهري: وقد اكتحلت، وفي رواية الأسود: فتطيبت وتصنعت”(2).

فأين هذا مما نحن فيه؟

2022/5/23

____________________________________________

[1]– مجموع الفتاوى، 32/25، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م.

[2]– وحصر أبو حنيفة الولاية الحقيقية في الصغيرة غير البالغة. ولي هنا سؤال مبني على أن عمر (الصغيرة غير البالغة) يبدأ من اليوم الأول من ولادتها حتى آخر يوم قبل البلوغ؛ فهل يعقل جواز تزويج طفلة لا تفقه من أمرها شيئاً؟! وعليه لا ينبغي تزويج المرأة حتى تبلغ. ووأرى أن قبول هذا الأمر غير المعقول لا أساس له سوى توهمات جاءت في السيرة لا صحة لها، مثل أن عمر السيدة عائشة رضي الله عنها كان ست سنوات يوم عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم.

اظهر المزيد

‫20 تعليقات

  1. هناك جزء من تراثنا تعرض لانحراف مفاهيمي – إن صح التعبير- نتيجة لتأثير الانتماءات المذهبية والبيئة الاجتماعية في الفكر الديني. وهذا أمر خطير ينبغي الالتفات له والنظر فيه، بإعادة قراءة الأدلة وتحليلها وتحرير المفاهيم بدلا من الجمود عليها وتكرارها دون فهم حقيقي وقراءة واعية.

    لفت نظري ما أشرت إليه يا دكتور في الهامش حول تزويج الصغيرة والاستناد إلى ما شاع عن ” عمر السيدة عائشة حين عقد عليها النبي..” وأعجب ممن يستند إلى هذا، ويشتط في إثباته والاصرار على أنه دليل شرعي لا يصح ردّه!!
    مع أنه لو استوعب الأمر قليلا لفهم أن الأهم أولا قبل تقديمه هذا الحديث كدليل شرعي، تقديم الدليل التاريخي الذي يثبت أن عائشة رضي الله عنها عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم في تلك السن.. وفرق كبير بين الاثنين.
    سددكم الله شيخنا وبارك في علمك وعملك

  2. جزاك الله خير شيخنا الكريم .. نعم هذا هو شرعنا وديينا تكفل بحفظ حقوق المرأة وأن غابت عن مجتماعتنا هذه القيم الأسلامية
    فجزاك الله كل خير عن ما تذود به لحفظ قييم الاسلام وترسيبها في عقولنا المتواضعة

  3. هذا هو المنهج الذي يرضاه الله وترضى به العقول السليمة فالمرأة انساناً كما الرجل ويحق لها تقرير مصير زواجها وحياتها الاسرية الثانية كما الرجل فهي التي ستعيش مع زوجها لا اباها او امها .. بورك قلمك دكتور 🌹

  4. لقد كرّم الإسلام المرأة، وحَفِظ لها حقّها في اختيار الزوج، واحتَرَم إرادتها في ذلك، إذ يعدّ هذا الموقف من أدقّ المواقف في حياتها، ومن الأدلة الشرعية على حق المرأة في اختيار الزوج …

  5. بارك الله فيكم دكتور على هذه الالتفاتةالواعية..
    وهذا تأييد مانصصت عليه في مقالتك النيرة وقد ذكرت جزءا منها وهو القول الراجح والله أعلم لقوة الادلة وقطعية ثبوتها.
    حجية الاحناف في تزويج المرأة نفسها من غير ولي:
    فقد جاء في الاختيار لتعليل المختار: وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] ، وَقَالَ تَعَالَى: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 234] ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى {مِنْ مَعْرُوفٍ} [البقرة: 240] أَضَافَ النِّكَاحَ وَالْفِعْلَ إِلَيْهِنَّ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ عِبَارَتِهِنَّ وَنَفَاذِهَا؛ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِنَّ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ؛ إِذْ لَمْ يَذْكُرْ مَعَهَا غَيْرَهَا. وَهِيَ إِذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ كُفْءٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَقَدْ فَعَلَتْ فِي نَفْسِهَا بِالْمَعْرُوفِ، فَلَا جُنَاحَ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ فَتَاةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي مِنِ ابْنِ أَخٍ لَهُ؛ لِيَرْفَعَ خَسِيسَتَهُ، وَأَنَا لَهُ كَارِهَةٌ! فَقَالَ لَهَا: أَجِيزِي مَا صَنَعَ أَبُوكِ، فَقَالَتْ: لَا رَغْبَةَ لِي فِيمَا صَنَعَ أَبِي! قَالَ: فَاذْهَبِي، فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ! فَقَالَتْ: لَا رَغْبَةَ لِي عَمَّا صَنَعَ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُعْلِمَ النِّسَاءَ أَنْ لَيْسَ لِلْآبَاءِ مِنْ أُمُورِ بَنَاتِهِمْ شَيْءٌ» . وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ» . الثَّانِي: قَوْلُهَا ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ ثَابِتٌ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: «أَجِيزِي مَا صَنَعَ أَبُوكِ» – يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَقْدَهُ غَيْرُ نَافِذٍ عَلَيْهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِأَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَتَوَقَّفُ أَيْضًا. وَفِي الْبُخَارِيِّ: «أَنَّ خَنْسَاءَ بِنْتَ خِذََامٍ أَنْكَحَهَا أَبُوهَا، وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -» . وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً زَوَّجَتْ بِنْتَهَا بِرِضَاهَا، فَجَاءَ الْأَوْلِيَاءُ وَخَاصَمُوهَا إِلَى عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَأَجَازَ النِّكَاحَ. وَهَذَا دَلِيلُ الِانْعِقَادِ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ، وَأَنَّهُ أَجَازَ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا غَائِبِينَ ; لِأَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ حَقِّهَا، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ لِغَيْرِهَا، فَيَنْفُذُ كَتَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا. وَالْوِلَايَةُ فِي النِّكَاحِ أَسْرَعُ ثُبُوتًا مِنْهَا فِي الْمَالِ، وَلِهَذَا يَثْبُتُ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ فِي الْمَالِ. وَلِأَنَّ النِّكَاحَ خَالِصُ حَقِّهَا حَتَّى يُجْبَرَ الْوَلِيُّ عَلَيْهِ عِنْدَ طَلَبِهَا وَبَذْلِهِ لَهَا، وَهِيَ أَهْلٌ لِاسْتِيفَاءِ حُقُوقِهَا، إِلَّا أَنَّ الْكَفَاءَةَ حَقُّ الْأَوْلِيَاءِ، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى إِسْقَاطِ حَقِّهِمْ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فَمُعَارَضَةٌ بِمَا رَوَيْنَا؛ فَإِمَّا أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الْقِيَاسِ – وَهُوَ لَنَا – عَلَى الْمَالِ وَالرَّجُلِ، أَوْ يُوَفَّقَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، فَيُحْمَلُ مَا رَوَيْنَاهُ عَلَى الْحُرَّةِ الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ، وَمَا رَوَيْتُمُوهُ عَلَى الْأَمَةِ تَوْفِيقًا. كَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَيُّمَا أَمَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا» ؟ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، أَوْ يُرَجَّحُ، وَالتَّرْجِيحُ مَعَنَا؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ سَالِمٌ عَنِ الطَّعْنِ، وَمَا رَوَاهُ مَطْعُونٌ فِيهِ؛ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ لَمْ تَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» ، «وَمَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ، «وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بَوَلِيٍّ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» . وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ. عَلَى أَنَّا نَقُولُ: الْمَرْأَةُ وَلِيَّةُ نَفْسِهَا، فَلَا يَكُونُ نِكَاحًا بِلَا وَلِيٍّ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّهَا لَيْسَتْ وَلِيًّا؟ وَلَوْ قُلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَغْنَيْتُمْ عَنِ الْحَدِيثِ. وَكَذَا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَسْقَطَ رِوَايَتَهُ. وَرُوِيَ أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ جُرَيْجٍ سَأَلَا الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَالرَّاوِي إِذَا أَنْكَرَ الْخَبَرَ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِهِ كَالْأُصُولِ مَعَ الْفُرُوعِ. وَلِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – جَوَازَ النِّكَاحِ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حِينَ غَابَ بِالشَّامِ. دَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَرِوَايَتِهَا لَهُ، أَوْ عَلَى نَسْخِهِ، أَوْ عَلَى رُجْحَانِ مَا ذَكَرْنَا.

    والله أعلم

  6. سبحان الله قبل فترة دخلت في نقاش حول هذا الموضوع!
    وكنت على قناعة بهذا الكلام. لكن ليس لدي دليل.
    اطلعت على موقف قبل مدة لامرأة ارملة عمرها فوق الأربعين أرادت الزواج فحتاجت لولي وتوقف زواجها على موافقة ابنها ذو عشرين عام
    ولانه رفض فشل زواجها!
    الإسلام أعظم من أن يجعل المرأة في مواقف ضعف مثل هذا.
    هذه المقال وضعت النقاط على الحروف ووضحت كل غامض لدي.
    جزاك الله خير الجزاء

  7. مقال صادم لما تعودنا عليه في ثقافتنا، الحديث عن هذا الموضوع الحساس بوضوح شديد بدء من العنوان وانتهاء بـالتساؤل الذي يجعلني اعيد النظر فيما اؤمن به حول هذا الموضوع ويدفعني للتساؤل اذا كان مذهب ابو حنيفة يقول بهذا الرأي فهل الدول التي تتبع هذا المذهب اشاعت في مجتمعها هذا الرأي ورسخته كثقافة!
    ام لا ؟؟
    لأننا كدولة تعمل بالمذهب الحنبلي تحول أغلب ما في المذهب إلى ثقافة مجتمعية وما ليس منه من عادات ألصق به واختلط هذا بهذا .. بينما يبدو أن المجتمعات التي تأخذ بالمذهب الحنفي كالعراق لم تحول أغلب ما في المذهب إلى ثقافة مجتمعية!
    الأمر يحتاج إلى نظرة أعمق من كشف النقاب عن الحقائق والتصفيق لها ، يحتاج إلى تفعيل هذه الحقائق وتحويلها إلى ثقافة مجتمعية تنير العقول بدل أن تسطر في القراطيس فقط..
    بهذا المقال يا دكتور أنت تخطو الخطوتين مرة بكشف الحقائق وتصحيحها ومرة بنشرها كمقالات سهلة مبسطة يقرأها العامي فيفهمها دون تعقيد واحتياج شرح وتوضيح.

  8. حى الله د على هذه المفاهيم التي تبني مجتمع متوازن بين الغلو الظالم ولإنحلال الهادم،

  9. مقال هادف وبناء يوضح مفاهيم غابت عن المجتمع
    وسط تراكم الحياة وجعلت من المرأة ضحية تنتزع حقوقها دون مخافة الله فيها……
    جزاك الله خيرا شيخنا المجدد لما تقدمه من علم نافع
    وعطاء واسع

  10. الوسطية أساس العدالة في داخل المجتمع الإسلامي المرأة لها المطلب الشرعي في مشورتها وختيارها بما يصلح لدينها ودنياها وفي هذا السياق والترابط تكون الصفات الجميلة بين الزوجين .
    السكينة والمودة والرحمة .
    (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )

    1. ماذا تقصد بالوسطية؟ ليس هناك وسطية في حرية الاختيار، هناك انسان ذو مشاعر واحاسيس، اذا حصل على تربية صحيحة واعطي الحرية المسؤولة يستطيع ان يختار بحرية اذا كان بالغا عاقلا. المشورة للمتقدم لخطبة المرأة ليس اختيار، فليس شرطا ان تقتنع المرأة برجل من بين الخاطبين!! والخاطبين ليس اختيارها مطلقا، الا في حالة ان تكون قد عرفته واختارته فتقدم لخطبتها.

      1. كيف يكون (الخاطبين ليس اختيارها مطلقا..)
        بلى يعد اختيار، والامر الذي تطرحينه ليس منطقيا أبدا. بل سيكون في بعض المجتمعات مجرد تنظير بعيد عن الواقع، لأن قولك بأنه لن يكون اختيارها إلا إن كانت تعرفه من قبل أن يتقدم لها فيه شطط كبير .. بل ويثقل الفتاة قبل غيرها بـ أمر صعب حتى على الرجل حين يبدأ في البحث عن زوجة!!
        كيف تحكمين على البنت أن عليها أن تسعى هي ايضا للبحث والتعرف على من ستتزوجه حتى يعد من اختيارها، فإن قلنا أن كل الفتيات عاقلات ويحسن الاختيار، فهل كل من سيسعين للبحث والتعرف عليهم سيكونون على قدر من المسؤولية بمعنى هل كل الرجال رجال!!! ويعرفون معنى الكلمة والوعد ويؤدون أمانة المعرفة!!
        ثم أنت تتحدثين عن مجتمعات لها قيمها وعاداتها – واقصد ب”عاداتها” تلك التي لا تخالف الشرع بل هي من كمال الاخلاق – ..
        لذا فقدوم الخاطب -الذي قد لا يعرفه حتى أهلها- الى بيت البنت و(وقبولها او رفضها) بعد السؤال عنه هو {اختيار} وهي الطريقة الصحيحة والأصوب لكلا الطريفين…

        1. لو كنت تعمقتي في معنى ما اقول كان فهمتي القصد! انت رهينة ثقافة مجتمعية، ولو كنت تفكرين بحرية لوصلت الى غير ما تقولين، كيف اختار شخصا مجهولا؟ على ماذا اعتمد؟ على وصف؟ وماذا عن النفسية؟
          نحن نتحدث عن مفاهيم دينية، اما اخلاق الافراد وفهمهم فهذا لايخص المفاهيم الدينية، الكثير لايفهم القرآن الكريم، هل هذا يعفيهم من تعاليمه؟

  11. ليس هناك حق لاحد ولو كان نبيا ان يختار لطفلة لم تبلغ سن القرار، وكل ما جاء في كتب التاريخ والفقه اكاذيب لفقتها أيدي آثمة، كيف يرضى نبي ان يعقد على طفلة؟! فكيف ان يكون ذلك النبي هو محمد عليه الصلاة والسلام!! علينا ان نترك كل شيء يخالف شرع الله جاء في الكتب، لايوجد دليل شرعي ولاعقلي … تشويه الاسلام بهذه الاكاذيب انطلت على المسلمين بسبب غباء رجال الدين، التشريع يحتاج رجال ونساء اذكياء يعتمدون على علماء في كل اختصاص، حفظ المنقول، وحفظ الكتب ليس علما، العلم هو الخوض في المنقول بغض النظر عن صلاح الكاتب، فالكتب وصلتنا بعد مرورها بكثير من الايدي التي لانعرف ماذا فعلت بها منذ 1400 سنة!
    صدقوني واقولها بلا تردد، لو كنت اقتنعت بما جاء في حديث (علماء الدين) منذ صغري لما كنت مسلمة الان!! لان تفسيرهم وقناعاتهم لاتبقي قيمة للمرأة، وتشعر انها بمستوى الحيوانات….

  12. ‏‎مثلما خلق الله الذكر خلق الانثى لكل منهما حقوق شرعية ودينية فالاثنى لها حق اختيار الزوج وكذلك الرجل له حق اختيار الزوجة التي تناسبة، وربما بعض العوائل تجبر ابنائها على الزواج سواء الذكر او الانثى وهذا خطئ فادح ديني ودنيوي ربما بسبب الثقافة والجهل والعادات والتقاليد الخاطئة .

  13. موضوع في غاية الاهمية ولنا في زواج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من امنا خديجة خير مثال لأهلية المرأة في الزواج واختيار الزوج عند العرب قبل الاسلام فكيف الامر بعد مجيء الاسلام الذي اعز المرأة وكرمها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: