مقالاتمقالات أخرى

البعد الجمالي في الفكر السني.. مقاربة الفن الرائد والفرض الغائب

المهندس: حسن القزاز / التيار السني في العراق 

الجمال

يعرف الجمال على أنه قيمة مرتبطة بالعاطفة والشعور الإيجابي، ومن خصائصه المميزة انه لا يمتلك وحدة قياس. وقد اختلفت المدارس الفلسفية منذ القدم في توصيفه، فمنها ما جعل الجمال نابعا من الشيء نفسه من ناحية نفعه وتوازن ابعاده وانسجامه مع الخير والطبيعة وقربه من الحالة المثالية. ومنها ما جعله انعكاسا لما يحدث داخل النفس ويثير فيها العاطفة والبهجة بالاعتماد على تجارب الانجذاب والاعجاب التي تتولد من الذات. الا ان العلاقة التي وضعها الفيلسوف الألماني (هيغل) والتي تقوم على أساس مدى ارتباط المضمون بالشكل لتوليد المعاني الجميلة، تعد أحد اهم إنجازات النظرية الجمالية خصوصا وان الفن بحسب وصفه متوائم مع الجمال، فأي عمل فني لا يكون فنيا ما لم يكن جميلا.

مِظلات المدينة .. وجمال العمل الفني

دعوني اذهب بكم الى المدينة المنورة عندما زرتها قبل عدة سنوات لأعود بعدها الى صلب الموضوع. الساعة تشير الى الواحدة والربع بعد منتصف الليل، خرجت من الروضة الشريفة.. ومضيت لأسلم على النبي وصاحبيه، استقبلني الفِناء الخارجي للمسجد النبوي وانا منغمس بطيب المكان، ومحمل بصور ومعان لا اكاد أحصيها، وقد تمثلت امامي سيرة المصطفى وقصصها الخالدة وكأن آلة الزمن قد سافرت بي الى هناك فرأيت بنفسي تلكم المشاهد بكل يقين وتصديق.

سحرني الفناء الخارجي بنظافته وترتيبه ومظلاته الانيقة التي تناسقت مع مآذن المسجد، واستهواني هذا العمل الهندسي الرائع، حتى اجبرني على ان اتوسد حقيبتي الصغيرة واستلقي بالقرب من احدى تلك المظلات لأتأمل ما فيها من فن وابداع، علني اعثر على بعض الاسرار التي جذبتني اليها بهذا الشكل.

امعنت النظر في المظلة فوجدتها اشبه ما تكون بزهرة ضمت الى مركزها الاوراق المتفتحة في النهار، فعادت برعما زهريا نبت عند قمة عمود بمثل ساق لتلك الزهرة الجميلة. شكل الرمح الخارج عند ذروة المظلة يومئ الى ذلك الميسم الذي خرج من كأس الزهرة ليعانق الفضاء ويفتنه بعنفوانه. الزخارف الزرقاء المرسومة على نسيج المظلة والتي تحاكي لون السماء الزاهية تذهل من يشاهدها من الزوار والنُظّار، والحركة الوقور لها اثناء الفتح والاغلاق تحير معها الابصار.

وجدت نفسي في بستان كل ما فيه مرتب ومنظم، ولو خيل لي هذا الفناء وهو خال من هذه المظلات الموزعة بعددها الكبير وتناسقها المذهل ما كان ليشدني اليه بهذه الصورة. ثم انني دققت اكثر فوجدت ان هناك امرا رئيسياً فيما عدا جمال الشكل والمنظر قد غفلت عنه اذا ما اضفته الى هذه اللوحة فسوف تزداد جمالا على جمال، الا وهو الغاية العملية من هذه المظلات ووظيفتها وكمية الفوائد التي تعطيها (أي الجوهر والمضمون الذي أشار اليه هيغل)، فهي تمنع عن المصلين اشعة الشمس الحارقة، كما تستند إلى الاعمدة الحاملة لها مراوح رذاذ لتلطيف وامتصاص حرارة الجو، إضافة الى انها تنير على المصلين ساحة الحرم ليلا عن طريق المصابيح المثبتة عليها والتي ساهمت في الاستغناء عن أعمدة الانارة، فضلا عن ان هذه المظلات تقي من التبلل وخطر الانزلاق على الأرضية الرخامية اثناء تساقط المطر، اذ تتجمع من خلالها المياه ليتم تصريفها عبر مواسير مخفية داخل العمود، عندها ايقنت ان الفريق الهندسي الذي قام بهذا العمل هم عبارة عن مجموعة من الفنانين.

مِظلات مشروعنا جميلة أيضاً

من يتأمل النتاج الفكري للتيار السني في العراق سيرى بنفسه كمية الجمال الادبي والمستوى العلمي الذي قدمه الدكتور طه الدليمي، فقد تنوعت كتاباته ما بين الشعر والقصة والرواية والمقال وتأليف الكتب، وكلها صيغت بأسلوب السهل الممتنع الذي يكون قريب المأخذ، حلو العبارة، سهل الفهم، ولكنه يصعب على أي شخص اخر اكتشاف وتناول المواضيع التي بحثها بالأسلوب نفسه.

أضف الى ذلك التكامل في المسائل والقضايا التي تمت معالجتها من خلال طروحاته الفريدة، فتجده وقد حقق في جميع المسائل التي تُشْكِل على المسلم من خلال ما يثيره اهل الباطل من شبهات وخرافات، واهتم بالتاريخ ولكنه لم يغفل الجغرافيا في قراءته له، كما انه تجاوز التفسيرات السطحية للأحداث والظواهر ليغوص الى البعد النفسي والاجتماعي لها وفقا للقوانين والسنن الربانية، واهتم بدور المرأة، ونظر في القيادة، وأحيى مفهوم النصرة، واستبق الدعوة الى الإقليم، واعتنى بنظرية الدولة والحكم، ووازن بين المدنية والسياسة والعسكرية، ورسم الخطط لكل مرحلة منها، ولم يكتف بالتنظير فقط، بل نزل الى الميدان وكان اول من عمل بما آمن ودعا اليه، ثم صهر هذا كله وجعله في قالب مشروع ذي هوية سنية يتصدى لمشاريع التشيع والشعوبية الحاقدة.

لقد أطلق لنا الدكتور طه ذلك الفكر بأفضل اخراج ادبي، وأبهى حلة فنية، معتمدا على ارصن القواعد العلمية والشرعية، وبذل أحسن ما تجود به نفسه من وقت وجهد وتضحية، فشعرنا بهذا الجمال الذي لم نجده في بقية الأفكار والتيارات، فان كان الشكل جميلا هكذا، يبقى السؤال ما هي الغاية والمنفعة التي ستعود علينا من وراءه؟ وإذا علمنا أن العمل في هذا المشروع هو الجهاد الحقيقي بمفهومه اللغوي الواسع البعيد عن التصور النمطي المسبق له والمحصور في العمل القتالي، وان العاملين فيه هم من يقومون بأداء الفريضة الغائبة التي اوجبتها تحديات العصر واوامر الوحي، وان لا وجود لمشروع نظير له في أهدافه الجادة وخططه الفاعلة وبرامجه المنتجة، عندها سنجد ان الإجابة عن هذا السؤال ستكون: الجنة.. أغلى وأعز ما يطلبه المسلم في حياته، وهل هناك أجمل من هذه الامنية وهذا الرجاء؟! وحينما يكون المضمون والجوهر جميلا الى هذه الدرجة، فطوبى لمن عاش تحت مظلة هذا المشروع المزدحم بالجمال والفن.

 ومسكها.. قلب يعشق كل جميل

منذ أيام الزمن الجميل.. تبنى الشاعر بيرم التونسي هذه القاعدة في اول بيت من قصيدته المشهورة التي غنتها الراحلة ام كلثوم رحمها الله، نعم.. القلب يعشق كل جميل، فمن تذوق جمال الشيء احبه وعشقه، وهنا يمكننا التأكد من مدى تذوقنا لجمال هذا الفكر السني وايماننا به وحاجتنا الى مشروعه، وذلك عن طريق قياس مستوى الحب الذي تحمله قلوبنا تجاهه، وكل ما ينعكس بعد ذلك على ما تفكر به العقول وتعمل بموجبه الجوارح من افعال يكون دافعها الحب بالدرجة الأساس، وبصورة تجعنا نسير في هذا الطريق بكل لهفة ونحن بأعلى درجات التعلق والحب رغما عن انف كل البلايا والصعاب. وعلى الأفق الجميل يرتسم قول ذي الجلال والجمال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) (الصف:14).

 

29/7/2022

اظهر المزيد

‫24 تعليقات

  1. ما شاء الله عليك استاذ حسن في كل مره تبدع في طريقة أختيارك للمواضيع والألتفاتات الجميلة بارك الله فيك وموضع اليوم مختلف جدا عن سوابقهِ افكار وكلمات رائعة غزت المقال 👍🏻💯
    ومشروعنا السني مشروع ومنهج متكامل من حيث الوظيفه والجمال وبعد الله الفضل يعود لشيخنا المجدد د. طه الدليمي حفظه الله واطال بعمره🍀

  2. جزيت اخي( حسن القزاز) على هذه المقال كالعاده تبدع في جميع المقالات
    واليوم مقاله مختلفه اكثر ابداعاً من سابقهى…. تحياتي لك والدكتور العزيز طه الدليمي.. وايضا نشكر جميع مجهود اخوتنا الاحباء اهل التيار السني

    1. اشكرك على هذه الكلمات يا اختنا ونسأله تعالى ان يعيننا على عبادته باجمل صورة وان يتقبل منا اعمالنا .. اللهم اعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك

  3. وأنا أقرأ المقال كأني أنظر إلى يديك وهى ترسم تلك الوحة الجميلة الزاهية البراقة….،
    فأقول:
    يامهندس أنتَ الجميل…
    ووضيفتك تدعو إلى الجمال…
    ونبتَ في أرض الجمال…
    وذهبت إلى المدينه المنورة ذات المعالم الجميلة… وأهتديت إلى منهجٍ جميل….
    هذا المزيج دعاك أن تكتب أجمل مقال بأسلوب ذواق وراقي في منتهى الجمال.

    1. اما عن الوظيفة والارض والمدينة والمنهج فاشهد معك بانها من اجمل ما يكون .. واما عني فاني احاول فقط..
      شكرا يا اخي على حسن ظنك بي ورزقنا واياكم من جميل عطاياه

  4. بوركت جهودك استاذ حسن القزاز على هذه المقاله والسرد الملفت بعنوان جميل يدعو للتأمل بالجمال..حتى في الجمال لابد من وجود منفعه فلابد للجمال ان يعمل فما قيمتهُ بدون نفع كما ادليت في نفع مضلات المدينه وما تقدمه من خدمات في أمور كثيره.. كذلك في الانتاج الفكري لمشروعنا الذي قدمه د. طه حامد الدليمي وما يعتليه من فن إبداعي منثور بمعالم ذات هدف وقضيه تندرج في روايات ذات عناوين غايه في الجمال تحمل فكر بمنفعه…
    نسأل الله وإياكم أن ننتفع بهذا المقال الجميل.. 🌹🌹

  5. أدهشني المقال مرتين
    مرة لقدرة الجمال على الاستئثار ببصر الكاتب وعقله وانتصاره على قبح هذا العالم الذي لا يفتأ في ازهاد الروح من صلاح هذا العالم الذي يسعى للهاوية سعي الظمآن للماء ..
    ومرة لنظرة الكاتب الثاقبة لدقائق الجمال وليست إلا نظرة منبعثة من نفس حساسة للجمال ومدركة لمكانته الأثيرة في النفس البشرية التي تتأثر به وتتألق عند حضوره ..

    وكان الختام مسك .. ولا يكون مع هذا الثراء الجميل إلا ختاما كهذا ..

    1. في الحقيقة اردت من خلال المقال ان اشارك اخوتي داخل التيار هذا الشعور المحفز وان اشوق من هم خارجه الى الاطلاع على ما يحتويه من عناصر ايجابية تجذبهم اليه، ويبدو ان هذا التعليق قرأ ما بين السطور وفكك رسائلا مشفرة حملها المقال بغير قصد ربما.. ولربما تزول دهشتك عندما تعلمين بانني لا املك من هذا شيئا سوى بقايا تهذيب ام حفظتُ عنها بيتا كانت تردده (رحمها الله) وانا صغير يقول:
      والذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئا جميلا

  6. فعلا من يتبنى الفكري السني ويسير داخل المشروع السُني يعيش جمال هذا الفكر العظيم ويضيف لحياته
    آمل دائم مع رضا بكل شي لأنه يسير وفق منهج جميل وعظيم….أستاذ حسن… مقالك يجيب عن كل ما بدخلنا
    وأنا إقرأ فيه جعلني ابتسم وأبكي من شدة مصداقيته وترابطه الروحي فهنيئا للمشروع السُني عندما يكون هكذا أشخاص مثلك يعملون في مؤسسته وهنيئا للدكتور طه الدليمي بهكذا مؤسسين وفق الله الجميع

    1. انتم وما تحملونه من فكر نير تعطون الحياة لونها وبريقها .. شكرا على صدق كلماتك المعبرة

  7. استغلال قضيتك في مجال مهنتك هذا ماكنت تدركه أيه المهندس الفنان استثمار هذا الموقف لترى وتتأمل وتدقق على هذا الصنع الهندسي المتفوق الإبداعي ثم حولته إلى مقال رائع وهادف.
    وضربت اروع الأمثلة في دقت مسار التجديد وبيانه الجميل للدكتور طه الدليمي حفظه الله وهذا يبرهن لنا أن الفكر في غاية النور والبيان على مسار الواقع والقرآن .
    (.. نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ..).
    جزاك الله خيرا يامهندس يافنان

    1. حياك الله اخي انس .. الفضل لله وحده وللدكتور الذي تعلمنا منه الفن والجمال واستطعنا من خلال فكره ان نتذوق جمال نفسه وشخصيته التي انعكست على اعماله.. حفظكم الله تعالى وبارك بكم جميعا

  8. كيف لنا ان لا نكون لمشروعنا عُشاق هوه اخرجنا من الظُلمات الى النور ومن الأكذيب الى الحقاق ومن الوهم للواقع ومن البدع للصدق وهذا بفضل الله ثم شيخنا ودكتورنا طه جزاه الله خيرا ..
    كلعاده ابداع متجدد من الاستاذ حسن القزاز سلمت يداك وقلمك

    1. الحمد لله الذي هدانا الى طريق الحق .. اللهم اجعلنا هداة مهديين وتقبل منا انك انت الوهاب .. شكرا على كلماتك الجميلة

  9. الجمال قد لا يكون شيئاً ملموس فربما نجده عند قراءة كلمة او (عند سماع اغنية من اغني الزمن الجميل اشارككم سرا انا تستهويني كلمات الاغاني القديمة وطريقة الغناء وفي بعض الأحيان اغوص في هذا العالم ولا احس الا وانني اردد الكلمات وقلبي يموج طربا ولاننسى ان الغناء جزء لا يتجزأ من الشعر )
    اما عن الجمال الرباني فسبحان من خلق وابدع ايات الاكوان وايات الانسان هناك تكمن عظمة جمال خلق الله وتدبيره في هذا الكون
    ونحن نتاج جمال الخالق امرنا بعبادته وحدة ودحر الباطل مهما علا
    نحن جنود الله في الأرض نحن امتداد لعظمة الخالق الواحد الاحد الفرد الصمد، نسأل الله الثبات على الحق وعلى الدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: