مقالاتمقالات أخرى

اعتماد الانجازات الاجتماعية ، لا السير الشخصية في التقييم التاريخي (1)

الدولة الأموية

أ. العنود الهلالي

ذكر الدكتور طه حامد الدليمي في كتابه (هكذا نقرأ التاريخ وهكذا نكتبه) عددا من الضوابط التأصيلية في قراءة التاريخ وكتابته وكان من ضمن هذه الضوابط : اعتماد الانجازات الاجتماعية ، لا السير الشخصية ؛ في التقييم. ” أي أن نعتمد – أولا وقبل كل شيء – على الإنجازات الاجتماعية للجهة المطلوب تقييمها ثم من بعد ذلك تأتي السير والحكايات مع محاكمتها إلى الانجازات وتقييسها بها؛ فالإنجازات ليس من السهل إثباتها إن لم تكن، أو نفيها إن كانت. بينما السير الذاتية والحكايات من اليسير جدا اختلاقها وتحريفها سلبا وإيجابا.” [1]

وفي هذا المقال والذي سيتبعه آخر سنطبق هذا الضابط على الدولة الأموية وخلفاءها في محاولة لاستجلاء حقيقة التاريخ الأموي بعيدا عن ذلك التباين والتناقض غير المنطقي بين المنجزات والمثالب الذي شكل تلك النظرة المتحاملة على الامويين. لأن قبول تاريخ الدولة الأموية الذي نقرأه اليوم في دواوين التاريخ سيوقعنا في دوامة من التساؤلات لا يمكن تجاوزها؛ نتيجة للتناقضات الحادة بين المنجزات التي تحققت واثبتها الواقع التاريخي ، وبين المثالب والعيوب التي تزخر بها كتابات المؤرخين قديما وحديثا. فعند النظر إلى المنجزات الكبرى التي حققتها الدولة الأموية في مجالات الفكر والعلم والأدب، والقفزات الهائلة – التي لم تتكرر – في مجال الفتح ونشر الإسلام، ومقارنتها بما وصلنا من روايات متحاملة تزعم أن عصر الدولة الأموية ليس إلا عصر مؤامرات سياسية وردة خلقية واضطراب اجتماعي وخلل اقتصادي واستهانة بمقدسات المسلمين، تولّد عنها ثورات كثيرة ودماء غزيرة إلى آخر ما يشاع عن دولة بني أمية التي يقع تاريخها في دائرة خير القرون ؛ المشهود لها بذلك من الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: ” خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم”[2].

لذا يجب أن يعاد تقييم تاريخ هذه الدولة على اساسٍ جديرٍ بالاعتماد عليه ألا وهو المنجزات التي يصادق عليها الواقع التاريخي وفي هذا السياق يقول الدكتور أحمد شلبي في كتابه الدولة الأموية: ( جدير بتاريخ الأمويين أن يكتب من جديد، وأن تُتخذ أسسه من الواقع، أي من حضارة الأمويين التي لا تزال تنطق بها دمشق وغيرها من العواصم الإسلامية ومدن الأندلس، ومن صنوف التفكير التي أنتجها العقل الأموي كالبريد والسكة وتعريب الدواوين وتنظيم الجيوش وغيرها، ومن انتصارات الأمويين التي سجلت زحفاً للإسلام لايزال واضح الجانب).

وبتطبيق هذا الضابط التأصيلي على تاريخ الدولة الأموية نجد أن الواقع التاريخي يقول لنا:

  • أن خلفاء بني أمية أثبتوا أنهم على قدر عالٍ من الاقتناع بسياسة الرسول صلى الله عليه وسلم الخارجية، ففي ظل الدولة الاموية استأنف المسلمون حركة الفتوحات الكبرى لنشر دعوة الإسلام متوغلين في أقطار الدولة البيزنطية، كما فتحوا شرق العالم القديم حتى وصلوا إلى حدود الصين، وقد وصلوا غربا إلى شاطئ المحيط الاطلنطي عابرين إلى بلاد الاندلس وجنوب فرنسا.
  • كذلك يخبرنا الواقع التاريخي عن أبرز مآثر هذه الدولة في المجال الحضاري الذي مهد للنهضة العلمية التي سادت في العصر العباسي: كحركة التعريب التي جعلت من اللغة العربية لغة رسمية للدولة أصبحت تستخدم في كل أصقاعها من المشرق إلى المغرب، وكذلك حركة الترجمة إلى العربية ونقل العلوم التجريبية، ومن ثم نشأت الكيمياء بمفهومها العلمي والتطبيقي البعيد عن الخرافات والسحر وكان للأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الدور الأكبر في تطوير هذا العلم. وقام أيضا علم التاريخ على يد عروة بن الزبير بن العوام ومحمد بن شهاب الزهري و وهب بن منبه وغيرهم. أما في مجال الإدارة فقد تم ابتكار بعض الدواوين كديوان البريد وديوان الخاتم، وتم إصدار عملة إسلامية لأول مرة وتوحيد أوزانها، ضمانًا للعدالة، وتحقيقا للاستقلال الاقتصادي للدولة الإسلامية ، وقد كان لتلك الخطوة أثر حضاري كبير في التاريخ الإسلامي.
  • ومن مآثرها التي امتازت بها وجود نخبة من الولاة والقواد العسكريين الذين بذلوا جهودا ضخمة في سبيل الحفاظ على دولة الإسلام كعمرو بن العاص، وزياد بن ابيه، والمغيرة بن شعبة، والحجاج بن يوسف الثقفي، ومسلمة بن عبدالملك، وموسى بن نصير، ومحمد بن القاسم الثقفي، وقتيبة بن مسلم وعقبة بن نافع وغيرهم..
  • ومن مآثرها العظيمة أنها دقت أبواب القسطنطينية ثلاث مرات وبذلك تتحقق بشارة النبي – صلى الله عليه وسلم- بغزو القسطنطينية فقد قال: (أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ)[3] ، وحوّلت البحر المتوسط إلى بحيرة إسلامية بفتح عدد من الجزر التي فيه وما صحب ذلك من نشر للإسلام واللغة العربية . وقد قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- وهو يصِف ما كانت عليه الدولة الأموية من التدبير للإسلام ونصرته: ( كانت سوقُ الجهاد قائمةً في بني أميَّةَ، ليس لهم شغلٌ إلا ذلك، قد علَت كلمةُ الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرِّها وبحرها..)

2022/8/3

_______________________________

[1] د. طه حامد الدليمي ، هكذا نقرأ التاريخ وهكذا نكتبه قواعد وتطبيقات

[2] متفق عليه

[3]  صحيح البخاري ( 2924) وقد قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث قوله: “يغزون مدينة قيصر” يعني القسطنطينية.

اظهر المزيد

‫10 تعليقات

  1. هؤلاء هم بناة الحضارة وقادة الدنيا اثارهم لاتزل حاضرة وافعالهم ناضرة إلى يوم القيامة .

  2. السلام عليكم
    مع كل هذا الانجاز وكل هذه الفتوحات لخلفاء بني امية رحمهم الله الا انك تجد من ينتقص منهم ويلعنهم انا لا اعني الروافض فهؤلاء عداوتهم واضحة
    ولكني اعني بعض المسلمين المخدوعين مثل احمد القبيسي وعدنان ابراهيم وغيرهم كثير هؤلاء اظن انهم متشيعين وليس مسلمين .
    شكرا لفضيلة الدكتور طه والقائمين على الموقع فجزاهم الله خير وبارك الله بجهودهم .

  3. طرح مهم وقيم لتاريخ الدولة الأموية ونهضتها العمرانية
    في تاريخ العرب ورسالتهم الإسلامية
    استاذة عنود…أبدعتي في تحليل كتاب الدكتور طه حامد الدليمي (هكذا نقرأ التاريخ وهكذا نكتبه) 
    وفقك الله لما تقدميه من مقالات تاريخية عن عظماء الأمة السُنية العربية وخصوصا بني أمية
    حي الله العنود الهلالي 💐

  4. ان الفرس طعنوا في الامويين في الورق والتاريخ لكن لن يستطيعون طعنهم بالأرض فأن مسجدهم الاموي لازال موجود “المسجد الاموي في سوريه” ان للأمويين بصمه صعبه ان يمسحها التاريخ والاسلام نفسه فهم الذين اعادو للأسلام هيبته بعد مقتل علي رضي الله عنه وارضها وأسال الله ان يوفقنا لنصحح التاريخ ونعيد هيبة الامويين كما اعادوا هيبة الإسلام ..

    مقال رائع استاذه عنود ❤️‍🔥.

  5. رواة تاريخ بني أمية كانوا متحاملين على الامويين، فاغلبهم ينتمون الى احزاب دينية وسياسية وشعوبية ايضا، ولا ننسى أن التاريخ الاموي كتب جُلّه في العهد العباسي لذا انتجت لنا دواوين التاريخ هذا التناقض بين الواقع التاريخي والروايات المتحاملة

  6. (قبول تاريخ الدولة الأموية الذي نقرأه اليوم في دواوين التاريخ سيوقعنا في دوامة من التساؤلات لا يمكن تجاوزها) هذه مشكلة.. لم نجد فكرا اجاب عن هذه التساؤلات التاريخية والاجتماعية بصورة عامة وبشكل مقنع مثلما وجدناه في الفكر السني .. والمشكلة الاكبر من هذه المشكلة ان قسما منا لم يصل الى مرحلة التساؤل اصلا .. وهنا تكمن اهمية هذه التساؤلات والبحث فيها.. اذ انها اول خطوة في الاتجاه الصحيح لمن اراد التوصل الى الحقيقة .. فذاكرة العقلية العلمية والتفكير النقدي تمجد التساؤل وتحث على التشكيك في اي شيء يمكن التشكيك فيه.. وذلك لاعادة تهيئة عقول تمكنت منها برامج التشيع وفايروسات الشعوبية الخبيثة عبر مئات من السنين..
    شكرا لك استاذتنا على حسن تطبيق هذه القواعد العلمية واسدال الستار عن هذا التساؤل المهم والخاص باعظم مرحلة من مراحل تاريخنا المجيد.

  7. جميل جدا… هذه القاعدة العبقرية تغري بقراءة الكتاب الذي هي جزء منه.. ولو تم تطبيقها كما فعلت الكاتبة على كثير من عباقرة أمتنا ستلمع نجومهم من جديد رغم انف الشعوبية الحاقدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: