سياسةمقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

لا قضية بلا هوية

د.طه حامد الدليمي

في عام 1948، العام الذي قسمت فيه فلسطين وتأسست (دولة إسرائيل)، كانت بلدان العرب ترزح تحت نير الاستعمار. فلو افترضنا أن الفلسطينيين لم يتكلموا بشيء اسمه (القضية الفلسطينية)؛ متوهمين أن ذلك يتعارض مع قضية الأمة العربية، فكانت مطالبهم كلها باسم العرب دون ذكر ما يتعرض له الفلسطينيون من ظلم، والمطالبة بما لهم من حق: هل يمكن أن تكون لهم قضية يستحصلون بها ما يمكن أن يستحصل من حقوق، ويتلقون من دعم عربي وعالمي، وتقف معهم دول ومنظمات عالمية؟

حين أطلقت سؤالي هذا كنت في الباحة الخلفية للمسجد النبوي الشريف قبل يوم من السفر إلى مكة لأؤدي مناسك الحج سنة 1432، أتمشى جيئة وذهاباً مع أحد الإخوة الفلسطينيين الذين هجرتهم المليشيات الشيعية من العراق، نتحدث عن همومنا المشتركة وكيفية مواجهتها. وجرنا الحديث عن (الهوية السنية) والحاجة إلى الانضواء تحت رايتها، والتكلم باسمها كضرورة من ضرورات هذه المرحلة. وأجابني صديقي فقال: أبداً؛ فإن نيل الحقوق الخاصة تحتاج إلى اسم وهوية خاصة.

قلت: هذا هو السر فـي أن (السنة العرب) في العراق بذلوا أعظم الجهود والتضحيات، وتحملوا وحدهم ضريبة الغزو: احتلالاً وإجلاءً، لكنهم فـي النهاية لم يحصلوا على شيء! والسبب أن (السنة العرب) بكل ما لديهم من مؤسسات وأحزاب وهيئات وفصائل تكلموا وتحركوا ودافعوا باسم (العراق) العام، وليس باسم (السنة العرب) الخاص.

بينما تكلم الشيعة باسم (الشيعة) ورفعوا شعار المظلومية الشيعية، والكرد – كذلك – تكلموا باسم الكرد ورفعوا شعار المأساة الكردية. فحصل الطرفان على ما يريدان. أما نحن فبترت أطرافنا العليا والسفلى، ولم نحصل على ما نريد؛ لأنه لم يشاهد أحد لنا من راية ولم يسمع بهوية، سوى هوية العراق الذي سيطر عليه الشيعة اليوم، وصاروا يتكلمون باسمه فأصبحت الثمار السنية والشيعية كلها تسقط في سلة العراق.. أي في سلة الشيعة.

لقد بلعَنا العراق نحن السنة العرب فصرنا في بطنه، وإذ بلع الشيعةُ العراقَ فقد صرنا، كتحصيل حاصل،في بطن الحوت. أما الكرد فبسبب من تمسكهم بهويتهم الخاصة، لم يستطع الشيعة ابتلاعهم باسم العراق.

نحن من صرف عيون العالم عن رؤية مأساتنا

عندما رفع السنة العرب هوية العراق العامة متناسين هويتهم الخاصة، ورفعوا صوتهم عالياً في المحافل الدولية عن (العراق المحتل)، وقاوموا الغزاة دفاعاً عن (العراق) وباسم (العراق)، تكون لدى العالم أجمع قريبه وبعيده انطباع مؤداه أن أزمة العراق تكمن فـي الاحتلال فإذا جلا عنهم عولجت الأزمة وانتهت المشكلة، بل هذا ما صرح به سنة العراق أنفسهم! فماذا ترتب على هذا الانطباع؟

لقد قرر المحتل الأمريكي الانسحاب من العراق، وأعلن عن اكتمال جلاء قواته بنهاية سنة 2011، وها هو يتهيأ لسحب آخر جنوده. إذن وصلت محنة العراق في تصور العالم إلى شوطها الأخير وقد قاربت نهايتها، وعندها سيغلق ملف مأساة العراق بعناوينه الرئيسة. حتى إن بعض الدول بدأت تأمر اللاجئين العراقيين فيها بالعودة إلى بلدهم. وهذا شاهد على صحة أن العالم يتصور أن محنة العراق تنتهي بانتهاء الاحتلال.

فهل هذه هي الحقيقة؟ هل انتهت محنة (السنة العرب) بانتهاء محنة (العراق) كما هو مفترض كنتيجة طبيعية لذلك؟ أم إن محنة (السنة العرب) الآن بدأت؟

ما عاد ( العراق ) يعبر عن ( السنة العرب )

وإذا كانت محنة العراق تزول بجلاء المحتل، فلم لا تزول محنة السنة بهذا الجلاء، أي بانتهاء محنة (العراق)؟ أتدري لمَ؟ لأن (العراق) بمفهومه الحالي ما عاد في الواقع يمثل السنة أو يعبر عنهم؟ فعن أي عراق دافع السنة وقاموا المحتل وضحوا بخيرة شبابهم إذن؟

ثمت افتراق حصل دون أن نشعر بين مفهوم (العراق) ومفهوم (السنة) بحيث أصبح العراق بلداً آخر ليس (السنة العرب) من مكوناته. ولو كانوا كذلك لشملهم غُنمه كما عمَّهم غُرمه!

أما الغُرم فقد جلبناه على أنفسنا لتخلف ثقافتنا وتخلخل فكرنا. والغُنم فقد حُرِمنا منه؛ لأن الحقيقة تفرض نفسها، حقيقة أن (العراق) ما عاد يمثلنا.

فهل فطن السنة لهذه المفارقة الكارثية؟

وهل عندهم من فكر جديد يرسم معادلة جديدة لحل هذه المفارقة العجيبة؟! أم سيظلون غائبين في سماديرالكهوف الخربة لذلك الموروث الثقافي القديم والثقافة (الوطنية) البالية الخائبة؟

آن الأوان ليتحدث السنة العرب ويعملوا تحت عنوان (الهوية السنية) تخصيصاً، ولا يكتفوا بـ(الهوية العراقية) تعميماً.

إن جهود وتضحيات السنة لأكثر من ثماني سنين أريقت هدراً بسبب فقدان هذه الهوية التي من دونها لا يمكن جني ثمرة أي جهد لصالحهم.

* * *

بالمختصر..

كنا ننفخ في آذان نابتة على جدران. وكان للجدران ألسنةأيضاً! وتنطق!

صدقني.. قالت لي يومها: أنتم طائفيون!

ثم بعد حين هجم الطائفيون الحقيقيون على تلك الجدران، و(ملَّصوا) آذانها، لكن يبدو أنهم شعروا تجاهها بالشفقة فتركوا لها ألسنتها.

5/12/2022

اظهر المزيد

‫22 تعليقات

  1. كبير انت بأفكارك يادكتور طه
    فقدان الهوية علاتنا ولم يشخصها ولا يعالجها احد
    فبقينا معتلين عقودًا
    نعم نحن طائفيون ونحن سادة العراق واهله
    هويتنا سنية ومرجعيتنا ربانية
    🙏🙏🙏

  2. صدقت د، والله سيقنع كل شيء،
    صرختك المدوية صداها الواقع،
    ولهذا نقول: إن لم ينطق الجدار اوتسمع صداه فهل ضاع عليك صدا الواقع،
    وهو أبلغ في آذان و أبصار الناس،
    ونقول أيه السني لا يكون الحجر اعقل منك؟!
    كيف تتميز من بين الشعوب التي تعرف بهويتها ومكوناتها الواضحة بلا خجل ولا استحياء…… كيف يتفاعل العالم 🌏 معك وأنت تنكر نفسك وتعطي حقك لغيرك دون إن تشعر ووو….
    آن الأوان لننضبط بمشروع هويته سنية ويتنفس بها فجز الله الدكتور على ماقام به من جهود فكرية لإيصال الحقائق الربانية 🏃🌹🏝✌

  3. “نحن من صرف عيون العالم عن رؤية مأساتنا”
    يا الله .. حقيقة قاسية تنبهنا أن لا نلدغ من جحر مرتين فلا نعود للفكر الذي أخرجنا من حسابات الدول, وغيّبنا عن الساحة..
    وخير كلها تلك الحقائق القاسية التي توقظنا من غفلتنا..

  4. الله على هذا الوصف الرائع(كنا ننفخ في آذان نابتة على جدران. وكان للجدران ألسنةأيضاً! وتنطق!

    صدقني.. قالت لي يومها: أنتم طائفيون!
    نعم قوتنا في طائفيتنا وفي هويتنا السنيه

  5. عندما يكذب الانسان واقعة ويعيش في حلم وردي هذا يجعله
    كا الذي يحترق ويقول لنفسه انا في النعيم وماهو الا في عقر جهنم
    هذه هيه حقيقة الوطنيون الذين لم يعترفوا بسنيتهم وجعلوا انفسهم في عقر جهنم مع ان هذه الحقيقة مؤلمة جدا تجعل شغاف القلب يتمزق لها

  6. اعزنا الله بهويتنا السنية ونفتخر بها فهذه قضيتنا بكل فخر والفضل لله ثم للدكتور جزاه الله خيرا

  7. خلق الله الانسان لتكون لة رسالة يحملها تناسب زمانة و واقعة ليحقق بها ذاتة ويعمر ارضة ،
    فما اصعب ان يجد الانسان اجازات رسالتة تنسب لغيرة بمسميات الوطنية والشمولية ، فيجد نفسة بلا هوية بين القوميات والهويات الاخرى كما هو حالنا اليوم .

    وبذلك يجب ان نحمل هويتنا السنية الفريدة وقضيتنا لنحيا بها ومن اجلها .
    جزاك الله عنا كل الخير دكتور طه🌷.

  8. الحقيقة المرة التي يجب أن نتجرعها كلما دفعنا ثمن التهاون بالقضية السنية!
    فكر جديد واضح يضع النقاط على الحروف.
    الفطن من يتعظ ويتعلم من دروس الزمن
    والا يجعل سياط القدر تعود عليه

  9. فعلاً للاسف اهلنا السنة ضيعوا هويتهم فضاعوا! ولن يجدوا انفسهم الا بإيجاد هويتهم .. السنية القضية والهوية ✋❤️

  10. بارك الله الفكرة والمفكر..
    التماهي في التاريخ والعيش على أحلام الجغرافية الممتدة على كراع ماضي الأمة المنتصر وتقيد العقول بتراث مندثر بأوراق صفراء تراكم عليها غبار زمن غابر وأراض مزقتها أحلام الاوهام وعدم اليقضة والنظر الاعور في الواقع.!
    حين تجتمع الأوهام ويغيب الوعي والإدراك تضيع الهوية وتشير شارة البوصلة إلى البوار أينما توجهها لا تأتي بخير.

  11. هذا ما ينقصنا فهمه في هذا الصّراع الكبير والمصيري، وما إنْ فهمناه فاننا نسير على السكة الصحيحة والوجهة الصائبة، وتلك اولى بوادر الحل الجذري للمشكلة المتأصلة .

  12. جزاك الله خيرا دكتور
    نعم يجب اعلان الهويه الخاصه قبل الهويه العامه
    حتى المسلمون الاوائل فعلوا هذا حين قالوا نحن مهاجرين ونحن انصار
    ولم ينكر الله سبحانه وتعالى عليهم هذا
    قال تعالى (والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار واللذين اتبعهم بأحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه،) ولم يقل سبحانه والمسلمون الاولون .

  13. الهواية عنوان أساسي لكل فرد ومكون
    داخل المجتمع والوطن
    لأنها تحفظ إسمك وحقك أذان تركها
    جنون وبذات عندما تتعايش أو تتصارع مع مكون
    طائفي لا يتنازل عن هويته بأي ضرف كان
    فالتمسك بهويتنا طريق نجاتنا نحن سُنة العراق
    والتمسك بقضيتنا السُنية طريق نهضتنا نحن سُنة العراق
    مقال رائع بوركت جهودك شيخنا المجدد

  14. بسم الله الرحمن الرحيم
    يمتاز الدكتور الدليمي بقوة التشخيص ووضع الحلول، على خلاف الساحة التي تعج بالمتكلمين والوعاظ الذي فقدوا التشخيص وعلاجه،
    بل ويمتاز الدكتور بوضوح الفكرة وسلطان الحجة و واقعيتها، فردّ يوما على اتهامنا بالطائفية عند الإعلان عن سنيتنا، فقال: (نحن أمّة ولسنا طائفة)، فكانت كلمة كأنها زلزال أيقظ السني الغافل النائم، ولطم الشيعي الجاهل الظالم، بل وأعاده الى حجمه الحقيقي المتناهي بالصغر بعد أن كان كالقط يحكي انتفاخا صولة الأسد. بل طارت هذه العبارة الجميلة الرائعة وحلّقت في الفضاء ليتلقفها من المثقفين كالدكتور عبد الله النفيسي والشيخ عثمان الخميس.
    نحن بحاجة أن ننهل من هذا الفكر ، وأن نملأ منه الدلاء لنسقي الواحات لتنبت الثمار، وأن ندلّ الناس على مصدر هذا الينبوع الفكري لننهل وينهلون.

  15. جزاك الله خيراً شيخنا العزيز
    دائما عندما يقلل المرء من شأن هويتة ولا يجعلها في المقدمة فإن سياط القدر لا ترحمه وانما تريه اهمية هذه الهوية و مدى فعليتها في الحياة والدين

  16. أن لم تكن لك هوية لايكون لك كيان ومعرفة مع الآخرين مجهول الحركة والعمل في كل الميادين ليس لك حقوق لاتمثل شيء أمام العالم .
    رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة صدع بالهوية الإسلامية كانت هي الهوية والدين في زمن المشركين حتى يتميز ويعمل على خطى الوحي .
    فلا قضية بلا هوية.
    وفق الله الدكتور على ما قدمه من توضيح شامل لفقة الهوية السنية في زمن غياب أهل السنة عن هويتهم السنية

  17. جزاك الله خيرا شخنا الفاضل والحبيب د. طه على هذه المقاله الجميله والرائعه المملوئه يالمفاهيم والتوضيحات
    ولاننسى اخوتنا الڪرام اهل التيار، جزيتم وبوركتم وجعلها الله في ميزان حسناتڪم 🤍

  18. اذا كنت تعيش في بلد ما ولم تملك وثيقة تثبت انك من هذا البلد فليس لك حقوق فيه ،وهذا حال السني الذي يقول أنا عراقي ولكن لا يحق له أن يسمي ابنائه على أسماء الصحابة ويُضيق عليه إذا أرادالصلاة في مسجده، الهوية بها نستحصل الحقوق وبها يبدأ التكوين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: