مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

الإخلاص .. معيار سهل لتمييزه عن الرياء

د. طه حامد الدليمي

C:\Users\taha\Desktop\1.jpg الإخلاص أصل الدين ولباب التوحيد، وعليه مدار قبول الأعمال. يقول تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر:3). ويقول: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110). وهو بتعريف سهل بسيط لا تعقيد فيه: إرادة المسلم وجه الله وحده بعمله.

وما يهمني هنا أمران: الأول: بيان حد الإخلاص؛ فقد عقَّده البشر، حتى صار من يبغي الإخلاص من خلال كلامهم لا يزداد إلا حيرة واضطراباً لا يستقر قلبه على حال، متشككاً تتناوشه الوساوس فلا يدري أمخلص هو أم لا؟ والثاني: استحضار عظمة شهادة (لا إله إلا الله) عند المساومة بين ما يرضي الرب في طاعته وما يرضي النفس في سخطه. وذلك بطريقة عملية تسهم في تفعيل مبدأ الإخلاص ونيل الخلاص.

حد الإخلاص وحقيقة الرياء

أما معرفة حد الإخلاص عملياً بحيث يمكن قياسه والاطمئنان إلى مقياسه، فأرى أن على العامل قبل الإقدام على أي عمل أن يطرح على نفسه السؤال التالي: لو لم يطلع أحد على هذا العمل.. هل أعمله أم لا؟ فإن أجاب بالنفي فهو من المرائين؛ وعليه تصحيح نيته ثم يعود لعمله. وإن أجاب بأن اطلاع الخلق من عدمه لديه سواء، فهو مخلص، ولا يضره ما بعده من شعور بالارتياح لمدح الناس، وشعور بالانزعاج لذمهم؛ فالامتناع عن هذا الشعور ليس بمستطاع، وما لا يستطاع فلا يكَلف به العبد. ومن قال بأن حد الإخلاص هو أن لا يفرح بمدح ولا يحزن لذم فقد كلّف العباد بما لم يكلفهم به ربهم وما لا يطيقونه أصلاً. وقال بما لا يتصوره. وهو من شطحات التصوف. والله أعلم.

هذا ما انتهى إليه بي التحقيق بالتأمل الطويل في هذا الموضوع الخطير. ودليلي عليه طلب نبينا إبراهيم الذي جاء في قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ) (الشعراء:84). قال الشوكاني في (فتح القدير): أي اجعل لي ثناءً حسناً في الآخِرين الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة. وقال الطاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير): قال ابن العربي: قال مالك: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحاً ويُرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله، وهو الثناء الصالح.

ومما يُعتضد به هنا – من بعد ما جاء في الآية الكريمة – ما ورد في (الصحيحين) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : (قال الله تعالى: كُلُّ عَمَل ابن آدم لَهُ إلاَّ الصومَ فإِنَّه لي وأنا أجزي بهِ). زاد مسلم: (يَدَعُ شهْوَتَه وطعامه من أجْلِي). مع أن الصائم قد يتحدث بصيامه ويفرح بمن يمدحه عليه. لكنه ما دام إذا خلا بنفسه يمتنع عن إتيان المفطرات؛ خوفاً من الله وتعظيماً لشأنه وابتغاء ما عنده بصومه؛ فهو يصوم على الحالتين إن عُلم به أو لم يُعلم.. فهو من المخلصين.

وهذا دليل على أنه ترك شهوته لله لا للناس. ولو كان مرائياً بمجرد إطْلاع أو اطِّلاع الغير على عمله، أو الفرح بثنائهم عليه لصومه، لم يمتنع أصلاً عن المفطرات إذا خلا بنفسه. وذلك من معنى الحديث القدسي: (يَدَعُ شهْوَتَه وطعامه من أجْلِي).

C:\Users\taha\Desktop\0.jpg وما ورد عن بعض الصالحين مِن تعمُّد ستر أعمالهم ال صالحة، فيُحمل على التحوط وتسييج الأعمال وحراستها بالأقفال زيادةً في الاطمئنان على حفظ أجرها، كما يتوثق المرء من باب داره بزيادة بابٍ آخر ووضع أكثر من قفل. وعليه تحمل الروايات في ذلك، إن صحت، وليس ببعيد صحة بعضها. مثلما روي عن سُرِّيِّة للربيع بن خثيم أنه كان يدخل على الربيعِ الداخلُ وفي حِجره المصحف فيغطيه. وجاء عن الأعمش أنه قال: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي، فإذا دخل الداخل نام على فراشه. وجاء عن سهل بن منصور أنه قال: كان بِشر يصلي، فيطوّل ورَجُل وراءه ينظر، ففطن له، فلما انصرف قال: لا يعجبك ما رأيتَ مني، فإن إبليس قد عَبَدَ الله دهراً مع الملائكة. وروى الإعلامي فهد السنيدي أنه طلب لقاء من الشيخ محمد بن سبيّل ليتكلم عن سيرته فقال: يا فهد، سيرتنا وأعمالنا الظاهرة هذه يعرفها الناس، وأما أعمالي الخفية فلا يمكنني أن أتحدث عنها.

ومن جميل ما ورد في ذلك ما روي عن عبدة بن سليمان المروزي قال: “كنَّا في سَريَّة مع عبد الله بن المبارك في بلاد الرُّوم، فصادفْنا العدوَّ فلما التقى الصفان خرج رجلٌ من العدوِّ فدعا إلى البراز، فخرجَ إليه رجلٌ فقتله ثم آخرُ فقتله. ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعةً فطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس، فكنت فيمن ازدحم إليه؛ فإذا هو يلَثِّم وجهه بكُمِّه! فأخذت بطرف كُمِّه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك. فقال: وأنت يا أبا عمرو ممَّن يُشنِّع علينا؟!

2022/12/12

 

اظهر المزيد

‫24 تعليقات

  1. جزاك الله خيرا دكتور .. وكما تفضلت الاخلاص ليس لغزاً او شيئاً يدعوا للحيرة! باختصار هو اذا هممت بفعل عملٍ صالح فاسأل نفسك اذا لم يعلم الناس بعملي هل سأفعله ام اني افعله من اجل ان يراه الناس! فإن كان الجواب نعم اي سأعمل العمل على اي حال فإن عملك لوجه الله ان شاء الله وان كان الجواب لا فعليك ان تراجع نفسك وتصلح نيتك.. رزقنا الله واياكم الخلاص في القول والعمل..

  2. جزاكم الله خيرا دكتور
    الإخلاص كلمه تلامس القلب وتهز كيان الإنسان من داخله
    الإخلاص اصل الدين والباب التوحيد
    (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر:3)
    وكذلك سورة كاملة في القرآن الكريم سميت بالاخلاص
    لما تحمل هذا الكلمة من معنى يكول ميزان لكل شخص يريد وجه الله فيه !
    نسأل الله لنا ولكم الاخلاص والقبول بإذن الله

    1. اللهم ارزقنا الاخلاص في القول والعمل
      نعم من دواعي نجاح اي عمل استحضار الاخلاص بكل تفاصيله
      جزاك الله خيرا دكتورنا

  3. ((الإخلاص هو فضيلة من الفضائل وخلق من الأخلاق الحسنة الحميدة، والتي يعبر فيها الشخص بالقول والفعل عن آرائه ومشاعره ومعتقداته ورغباته دون رياء أو نفاق أو مواربة. ويرتبط الإخلاص بالصدق، إذ أنه يعبر عن مدى تطابق القول مع الفعل…..الإخلاص هو حقيقة الدين، وهو مضمون دعوة الرسل قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء).فأخلِصِ العملَ لله تَنَلِ الرفعةَ في الدنيا والنعيم في الآخرة:))…وكم جميل عندما تكون مخلص لقضيتك …مقالة هادفة جزاك الله خيرا شيخنا المجدد

  4. كما عودتنا شيخنا دائماً بتصحيح المفاهيم التي فيها من الغموض.
    اسأل الله ان يرزقنا الإخلاص قولا وعملا
    وأول مايمكننا ان نسقط عليه مفهوم الإخلاص هذا
    مشروعنا السني فنحن نعمل لله ونصرة لدينه ولا بأس في ان نفخر بهذا المشروع وأفكاره التي لم يسبقنا بها احد.
    ونسأل الله أن يجعل لك ولنا ذكرا طيبا في الأولين والاخرين.

  5. مقال روعة في مفهوم،
    الإخلاص،
    إذاً حتى يتخلص المؤمن من الحرج والتكلف والوساوس والشكوك….؟
    إيجيك نفسه هل الاعمال التي يقوم فيها أمام الناس يقوم بمثلها مع الأخرين أوغيباً بينه وبين الله جله في علاه.
    بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً على هذا البيان في مفهوم الاخلاص

  6. احسن الله اليك وجزاك دكتور نسال الله ان يرزقنا الاخلاص في اقوالنا وافعالنا اللهم نعوذ بك ان نشرك بك ونحن نعلم ونستغفرك لما لا نعلم

  7. التجديد في مفهوم التنمية الايمانية معلومات غنية ومنها الإخلاص
    بين مايقوم به العبد امام الناس وعند الغيب،؟
    اروع ما عبر عنه الشيخ حث قال
    العامل قبل الإقدام على أي عمل أن يطرح على نفسه السؤال التالي: لو لم يطلع أحد على هذا العمل.. هل أعمله أم لا؟ فإن أجاب بالنفي فهو من المرائين؛ وعليه تصحيح نيته ثم يعود لعمله. وإن أجاب بأن اطلاع الخلق من عدمه لديه سواء، فهو مخلص، ولا يضره ما بعده من شعور بالارتياح لمدح الناس، وشعور بالانزعاج لذمهم؛ فالامتناع عن هذا الشعور ليس بمستطاع، وما لا يستطاع فلا يكَلف به العبد…. إلى آخره
    موفقين د. 🌹

  8. جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل على هذه المقالة الرائعه والجميله التي تتحدث عن مفهوم الرياء؟
    يعني كيف تعرف نفسك انت مخلص غيرمرائي،
    الجواب الشافي من الدكتور؟ قال الشيخ
    لو لم يطلع أحد على هذا العمل.. هل أعمله أم لا؟ فإن أجاب بالنفي فهو من المرائين؛ وعليه تصحيح نيته ثم يعود لعمله. وإن أجاب بأن اطلاع الخلق من عدمه لديه سواء، فهو مخلص، ولا يضره ما بعده من شعور بالارتياح لمدح الناس، وشعور بالانزعاج لذمهم؛ فالامتناع عن هذا الشعور ليس بمستطاع، إلى آخره
    نشكركم على مجهودكم المبذول في هذه المقاله،،🌷

  9. مقال روعة في مفهوم الرباء،
    كيف تعرف انت مخلص في العبادات و المعاملات؟
    من خلال إدراكك للمقال يتبين لك الحال،
    موفقين دعلى هذه المفاهيم 🌷

  10. الإخلاص في العمل كيف نتجنب الرياء؟
    من خلال المقال يتبين إليك المفهوم الجديد الذي غاب عنا،
    سدد ألله خطاكم دكتور طه الغالي

  11. الإخلاص هو الكمال بحد ذاته فعندما توجه هذه النفس وتخلصها لله في العمل والعبادة واتباع القرآن الكريم والتفكر والتأمل فيه تجد ان الله سبحانه و تعالى سخرنا لنكون مخلصين

    قال تعالى ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ [الزمر: 2، 3].

    ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5].

    اما عن الرياء ينافي الإخلاص لله عز وجل، فالرياء شعبة من شعب النفاق؛ وصفة ملازمة للمنافقين.
    قال الله تعالى:
    قال تعالى ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾

    اتباع المنهج القرآني يهدي كل موحد رباني 🌴
    شمعة 🙂
    …………

  12. ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ )
    جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل
    كلام دقيق وقيم ومختصر ومفيد عن معرفة الإخلاص وكيف النجاة من الرياء .
    اللهم أجل أعمالنا خاصه لوجهك الكريم يارب العالمين

  13. سلمت الايدي التي كتبت والعقول التي تأملت .
    حين يشرع المسلم لعمل صالح مبتغاه الإخلاص لوجه الله و مرضاته وإصلاح الذات والطمع بما وعد الله عباده الصالحين فعلم الآخرين به تعدي منفعة و اقتداء وتأس .
    وهذا فعل الأنبياء وأتباعهم كما نقل إلينا القرآن والآثار الصحيحة عنهم…فلم يكن الرسول يغير صلاته أو يظهر أمرا و يضمر آخر خشية رؤية أحد أو رغبة نوال مدح ، وكذا أصحابه سابقون سباقون للعمل الصالح متنافسون عليه على غير ماقيل إذا أعطت يمينه لم تعلم شماله ومن ذلك قوله تعالى. ،،إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِىَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمْ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ,,.
    فعلم الآخرين تحفيز للخير تحقير للشر وما يجري من مدح أو سواه ما لم يكن التأسيس عليه فليس بالمقدور منعه أو أخفاءه فإن الأعمال بالنيات ولكل امرء مانوى وماهو معلوم للقلوب أعمال كما للابدان.
    والقرآن مليء بأفعال النبي والصحابة وما زادهم إلا إيمانا وتسليما وتسابقا للخير فكانوا خير سلف لمن أتبع هداهم واقتفى أثرهم.

  14. دائما ما يساورنا القلق إذا كنا ننوي العمل الصالح هل نحن مخلصين فيه ام نبتغي مدح الاخرين ،مما يدفعنا في بعض الأحيان لترك هذا العمل ، هذا الهم هو من الإخلاص ،لكن يقلل الاجر ، لأننا تركنا هذا العمل الصالح ، والله تعالى يقول ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون )فاعمل صالحا ،وليرى عملك الآخرون ،فعسى أن يقتدوا بك ،جزاك الله خير دكتور طه على هذا التوضيح الوافي

  15. دائما اقرء واسمع حديث الصيام وافهمه على ان الصائم اذا خلى لا يفطر لكن ليس بهذا الربط لمفهوم الرياء،
    بأن العبد يُقدِم على العمل اذا اطلع عليه الناس ويتركه اذا لم يطلع عليه أحد !
    جزاك الله خيرا
    ورزقنا واياكم الاخلاص في القول والعمل

  16. ما شاء الله مقال في طيب النفس واقرب الى القلب الاخلاص مطلوب
    في جميع مجالات الحياه
    في العمل في الدين في التعامل
    والانسان اذ تجرد من الاخلاص اصبح صلب القلب وايضا يميزنا عن التعامل بالرياء والفرق واضح
    التوفيق الدائم يارب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: