مقالات

قراءة في كتاب ( المسألة العراقية ) .. (2)

للشاعر العراقي معروف عبد الغني الرصافي

al risala

المنظار الطائفي إلى حركة التاريخ

بالمنظار الطائفي نفسه ينظر د. رشيد خيون إلى حركة التاريخ الإسلامي وصراعاته الفكرية. فهو، مثلاً، ينال من الإمام أحمد بن حنبل موحياً للقارئ بأنه شخصية جامدة على النص متعصبة، راضية بممارسة العنف ضد الخصوم، ولا يرى في هذا الرجل العظيم عالماً عاملاً عاش عصره، وشخص علل مجتمعه، واجه المشروع التخريبي الفارسي الشعوبي بمشروع عربي إسلامي علمي أصولي.

مشروع الإمام أحمد بن حنبل الشمولي

تقدم الإمام أحمد لمواجهة هذا التخريب، ناظراً إليه كحلقات مترابطة في مسلسل شعوبي استهدف كيان الأمة من داخلها: الإسلام كدين، والعروبة كمادة للإسلام، والدولة كسلطة حافظة لعناصر قوة المجتمع.

  1. يعتمد المشروع الفارسي على مبدأ المظلومية في إثارة الفتنة بين الحاكم والمحكوم وصولاً إلى تدمير الدولة عن طريق ضرب الشعب بالسلطة الحاكمة. فركز الإمام أحمد بن حنبل على حرمة الخروج على الخليفة؛ إحباطاً لأخطر حلقات المشروع السياسية، وأظهر آيات طاعة الحاكم وأحاديث الصبر على جوره وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك. وطبق المبدأ على نفسه فكان ظهره يلهب بسياط المأمون وهو ينهى عن الخروج عليه.
  2. بدأ المشروع التخريبي الشعوبي بالقرآن الكريم أصل الدين ودستور الدولة ومصدر قوتها وأساس اجتماعها، فاخترع أسطورة خلق القرآن، وتمكن حملة هذا المشروع من استمالة الخليفة العباسي المأمون إلى جانبهم، وأقنعوه بعقائدهم، فصار هو وبطانته من معتزلة الفرس يفرضونها بالقوة على الناس، فقتلوا من العلماء وعذبوا وسجنوا وطاردوا، وظلت الفتنة مستمرة على مدار ثلاثة عقود. لكن د. خيون يكاد يتغافل عن هذا، وتحس أنه يضطر مكرهاً للإشارة إليه مجرد إشارة عابرة، لا يسجلها قبل إن يلغمها بتبرير ولو متهاوٍ: “وبما أن الاستبداد آنذاك كان سيد الموقف استخدمت الشدة ضدّ الخصوم، وأهل الآراء المغايرة الأخرى”/موقع الأوان، 25/1/2009.

هذا كل ما قاله عن تلك الفتنة الجائحة، وقالها بأسلوب من يريد أن يرمي بأسباب الاستبداد على المرحلة ككل، لا على الجاني كجزء. وبهذا يحصل على ثمرتين: الطعن بتاريخ العباسيين، وهو ديدن الشعوبيين، شعر الخيون أم كان يتكلم متلبساً بدافع اللاشعور، ومحاولة تبرئة رؤوس الاعتزال، وهم في عمومهم عجم، الذين تولوا تعذيب الخصوم على عهد المأمون. ويقلب الحقيقة متهماً الطرف السني استعمال قوة الإكراه في فرض عقيدته على الخصوم.

  1. وثنى المشروع التخريبي الشعوبي بالسنة النبوية المطهرة، المصدر الثاني لدين الأمة والركيزة الثانية لوحدتها، فتصدى الإمام أحمد لحركة الوضع في الحديث، والدفاع عن السنة.
  2. تناول المشروع الشعوبي الكتاب والسنة بالهدم من جانب آخر خطير جداً، ألا وهو مدى مرجعيتهما في العقيدة وأحكام الشريعة، فاخترع دعوة ماكرة للتشكيك بهذه المرجعية جعلت من العقل طرفاً مقابلاً للنص الشرعي (الكتاب والسنة)، بل يمكن أن يكون نقيضاً له، واختلقوا سؤالاً مزيفاً لا واقع له فقالوا: “إذا تعارض النقل مع العقل فبأيهما نأخذ؟”. وهكذا استهانوا بالنص كمصدر للعقيدة والشريعة، وجعلوا ذلك للعقل. وبهذا السؤال المغلوط تبدأ سلسلة جدالات لا تنتهي بالتكفير والتفسيق، ولا تتوقف عند السوط والنفي والسجن. إذن هي الفتنة! الفتنة التي تعطل الحركة الاجتماعية الصاعدة، وتقف عائقاً أمام السيرورة الحضارية المتنامية؛ فلا بد من موقف يضرب به على يد السفهاء المتمسحين بأذيال العقل. فانبرى الإمام أحمد لهذه المهمة معظماً من شأن كتاب الله تعالى وسنة رسوله ، مستهزئاً بدعاواهم العقلية مسفهاً لها، يقول لجلاديه ومناظريه: هاتوا لي نصاً من آية أو حديث، وإلا فلا كلام لي معكم. فأعاد للدين في مصدريه العظيمين هيبته في نفوس الأمة.
  3. حاول المشروع الشعوبي أن يستغل حركة الترجمة للتراث اليوناني التي استشرت في زمن المأمون كي يدعم خطته في إسناد العقل مقابل النقل؛ وصولاً إلى ضرب الدولة في أساس قوتها. لم تنطل هذه الحيلة على مثل الإمام أحمد بن حنبل، فرأى في هذه الحركة دسيسة خفية يقصد من ورائها التشكيك بالقرآن والسنة. لم يكن وقوفه ضد هذه الممارسة وقوفاً ضد العلم، ولم يقف ضدها من حيث أنها حركة في خدمة العلم والحكمة، وإنما من حيث مقاصدها ومؤداها. إنها تشبه (كلمة حق أريد بها باطل). هذه الحكمة التي جاءت على لسان سيدنا علي حينما ضج في وجهه غوغاء الخوارج: (لا حكم إلا لله)، فقال كلمته تلك. ولم يكن ذلك منه اعتراضاً على مقولتهم من حيث ما هي عليه في ذاتها، كيف وهي أصل اعتقادي من أنكره كفر! إنما من حيث مقاصدها ومؤداها. وهكذا كان موقف الإمام أحمد بن حنبل وبقية علماء السلف من كتب التراث اليوناني وغيره. فأين الجمود من هذا؟ بل الجمود ما عليه أدعياء التحرر والحرية. والتاريخ يكرر نفسه.
  4. ثم جاء دور تخريب العقيدة عينها في المشروع الشعوبي، متعكزين على موضوع العقل وتقديمه على النقل، ومستفيدين من كتب المنطق والفلسفة وعلم الكلام، ومدعين أن ظواهر النص الشرعي تستلزم الجسيم، وأن تعدد الصفات يعني تعدد الموصوف، وغير ذلك من الخزعبلات والسخافات والجهليات التي أطلقوا عليها لترويجها على الطغام اسم (العقليات). وبذلك توصلوا إلى نفي الصفات الإلهية، واستحدثوا القول بالقدر والجبر وغيرهما من العقائد الفاسدة، وتمكنوا بواسطتها من إحداث بلبلة وزلزلة في عقائد الناس، وفتنة وفرقة في اجتماعهم وتماسكهم. فكان إمام الأمة أحمد بن حنبل لهذا كله بالمرصاد، وبين العقيدة الصحيحة طبقاً لمنهاج علمي دقيق.
  5. واستمرت حلقات المسلسل التخريبي الفارسي تضرب ركائز الدولة العربية الإسلامية في صميمها. فكان منها تركيز المشروع الشعوبي على العربية كلسان، والعروبة كمفهوم، والعرب كقوم، فهاجم هذه الجهات جميعاً. أدرك الإمام أحمد هذه الحلقة من المؤامرة في موضعها المضبوط من المسلسل، لم ينظر إليها منفصلة عنه، كما هو الحال عند كثير من دعاة الأوراق والمكاتب المغلقة، فدافع عن العروبة وأبرز مآثر العرب، وهو العربي الأصيل الذي ما زال صهيل خيل قومه بني شيبان في ذي قار ترن في أذنيه.

إمام أهل السنة والجماعة .. لماذا ؟

بهذا المنهج الشمولى استحق الإمام أحمد بجدارة لقب (إمام أهل السنة)، لا قصوراً من بقية أئمة المذاهب، وإنما لأنه هو الوحيد من بينهم الذي عاش ميدان التحدي الشعوبي (العراق) فكانت استجابته بمستوى التحدي، وأما الآخرون فكانوا في عافية من هذا البلاء.

إن التحدي الأكبر للسنة لا يأتي من الغرب، وإنما من الشرق. إن نقيض السنة هي البدعة. وأعظم بدعة في تاريخ الإسلام هي التشيع والخارجية، وشر الخوارج على مدار هذا التاريخ هم الرافضة الذين رفعوا السيف في وجه الأمة جميعاً. وقد عقد شيخ الإسلام ابن تيمية مقارنات عديدة بين الروافض والخوارج من غير الرافضة، وأثبت أن الرافضة شر من الخوارج هؤلاء من وجوه عديدة. البدعة المبطنة بالإسلام تأتينا من الشرق، أما الغرب فيأتينا بدين آخر مكشوف. من هنا اكتسبنا نحن أهل الإسلام لقب (أهل السنة)، أي في مقابل أهل البدعة. ولما كانت البدعة قرينة الفرقة والفتنة الداخلية وضرب الأمة ببعضها، كان اللقب في حاجة إلى كلمة أخرى تمنحه الهوية الكاملة، فكانت الكلمة هي (الجماعة)؛ وهكذا صرنا نحن (أهل السنة والجماعة)، في مقابل أهل البدعة والفرقة. وإذا كانت البدعة تمزق الصف الداخلي، وهي من نتاج العدو الشرقي، فإن هجوم العدو الغربي عادة ما يؤدي إلى تجميع طاقات الأمة ووحدة الصف الداخلي؛ لأنه عدو مكشوف بدين ومشروع مكشوف، على العكس عادة من هجوم العدو الشرقي، والواقع شاهد. إذن هويتنا تحددت بموقفنا من العدو الشرقي، لا العدو الغربي.ومن هنا استحق الإمام أحمد هذا اللقب (إمام أهل السنة) بجدارة. إنه الإمام الذي تفرد بمواجهة المشروع الشرقي بمشروع إسلامي سني متكامل، دون بقية الأئمة الأربعة.

وقد حمل الفقيه الحنبلي أحمد بن عبد الحليم بن تيمية هذا الميراث بالطريقة نفسها؛ فاستحق لقباً موازياً هو لقب (شيخ الإسلام) بحيث إذا أطلق لم ينصرف إلى سواه.

سر العظمة عند عظماء العراق

وأنت إذا استقرأت تاريخ ملوك وعظماء ورجال العراق منذ مؤسس أول دولة عراقية (دولة أكد وسومر) موحدة في التاريخ الملك سرجون الأكدي (2370 ق.م.) إلى الملك السومري أوتوحيكال قائد أول حرب تحرير وطنية عراقية ضد الاحتلال الفارسي (2100 ق.م.)، مروراً بحمورابي ونبوخذنصر وسميراميس، إلى النعمان بن المنذر الشيباني وهانئ بن عروة الشيباني والمثنى بن حارثة الشيباني، وصولاً إلى الرئيس صدام حسين: أقول إذا استقرأت هذا التاريخ ربما لن تجد أحداً من بين هؤلاء العظماء من لم يكن على علاقة صِدام مع إيران، بحيث يسجل له التاريخ إنجازاً متميزاً ضدها. وبهذا يمكنني القول: إن عظمة فتى شيبان أحمد بن حنبل، وتسنمه ذروة هذا اللقب العظيم دون سواه من العلماء (إمام أهل السنة)، إنما كان من تصديه الشمولي لمخطط الفرس الشعوبي، حتى سجل له التاريخ ذلك الإنجاز المتميز ضد إيران والعاملين من أجل مشروعها. وعلى قادة العراق اليوم أن يستحضروا هذه الحقيقة، ويستعيدوا في حاضرهم كل عنفوان التاريخ العربي في مواجهة المد الفارسي الشعوبي؛ ليستحقوا بجدارة قيادة العراق.

هكذا تعامل خيون مع الإمام أحمد بن حنبل مختزلاً دوره الريادي، ومشروعه التجديدي الشمولي بأسوأ ما يكون الاختزال: فهذا الإمام العظيم في منظار هؤلاء الأقزام ليس سوى رجل جامد غير منفتح على الثقافات، غلّب النص على العقل لا لحكمة هي العلم عينه، ولا بعلم هو الحكمة عينها.

هكذا فقط..! وفقط لا غير..!!

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى