مقالات

حدث في مثل هذا اليوم .. قبل تسع وأربعين سنة ميلادية

في مثل هذا اليوم (22/نيسان) قبل تسع وأربعين سنة، ومع أصوات المؤذنين لصلاة الجمعة الموافق للسابع والعشرين من شوال/1479، نطقت القابلة بالبشرى! وابتسمت الوالدة ابتسامة الارتياح والرضا، وهي تلحظ بعينها لترى ثمرة حملتها وهناً على وهن تسعة أشهر متتابعات تتلوى صارخة بين يدي القابلة. كان ذلك في مدينة النواب من قضاء الكاظمية، إذ كان والدي عاملاً في معمل النسيج القريب، وقد جاء من ريف المحمودية قبل بضعة أشهر للعمل هنا.

نعم.. للوالدة حق أن أتذكرها في مثل هذا اليوم، وأذكر بعض ما لها عليَّ من أيادٍ بيض. ولكن هل لي أن أضع هذه الذكرى على صفحات موقع عام للناس، وليس خاصاً بي؟ هذا ما ترددت فيه منذ أن فكرت بالموضوع قبل يومين، وهو الذي أخر كتابتي هذه إلى ساعة متأخرة من هذا اليوم.

لا أدري!

ولكن ربما يهم البعض أن يعرفوا شيئاً عن ملفاتي القديمة. وهذا الذي شجعني على الكتابة.

من أين أبدأ ؟

صعب عليّ في هذه اللحظات أن أحدد نقطة معينة منها أبدأ حديثي في رحاب الذكرى.. لا أريد الآن كتابة سيرة ذاتية لي؛ إذ الأمر يطول. إنما الذي أريده أن أقيد شيئاً من ذلك من خلال الحديث عن الوالدة الكريمة رحمها الله. والأمران متلازمان لا يمكن الفصل بينهما. كما أنني لا أريد أن أطيل؛ لأنني لا أقصد سوى الإشارة إلى بعض فضائل الوالدة بهذه المناسبة.

ويبقى السؤال: من أين أبدأ؟ ويبقى الجواب: لا أدري!

ولكن ألا ترى أن المهم أن أبدأ، مهما كانت نقطة البداية؟

لو كنت قريباً مني لاستشرتك، وقد أكون أخذت برأيك.. لكنني وحيد، ليس في مكتبي المتواضع أحد سواي. وإن دخل عليّ داخل أشرت عليه بالانصراف؛ لأني لا أستطيع الكتابة إلا خالياً بنفسي. فأستسمحك العذر إن أخطأت البداية؛ فلطالما أخطأ أمثالي من بني البشر.

من أيام الصبا سأبدأ.. تلك الأيام التي لا أملك إزاءها إلا أن أقول، وقلبي ينقبض وينبسط حنيناً وحسرة:

من أرض البطين .. من هنا أبدأ

سقياً لأيام الصبا.. وملاعبِ الطفولة!

وشوقاً لتلك المغاني.. التي فارقتها منذ ثلاثين عاماً، ويزيد!

ودعاءً.. وسلاماً لتك الخطى التي نقلناها على تلك الرمال، التي تحتضن سهل “البطين” ، الممتد بين كيلو/5 و كيلو/12 على يمين نهر “اللطيفية” الحبيب.

ترى..! هل بقي منها شيء؟ أم تخلف لها أثر؟

أيتها القرية الوادعة! هل تذكرين صبياً عمره تسع سنين..؟ يوم أن دلفت قدماه الصغيرتان إلى حماك، مع والدته في يوم من أيام صيف 1969 ، ليستقر مع أسرته الصغيرة: أمه وأخيه الكبير.. وأخ له صغير. هل تذكرين؟

أما أنا فلا زلت أذكر.. ولست بناسٍ ما حييت!

كوخ من قصب .. وحجرة من طين

لست أنسى ذلك الكوخ، الذي بناه خالي من بواري القصب وحنايا الصفصاف، وسكنا فيه أياماً ربما امتدت لشهر أو شهرين، ريثما اكتمل بناء “خرابتنا” أو حجرتنا الطينية كوخ من قصب .. وحجرة من طين/ صورة قديمة للدكتور طه الدليمي

الوحيدة. كان لنا في طرفه الغربي “حِب” فخاري للماء، نقصده، نحن الأطفال، في الليالي المظلمة حيث لا كهرباء، ولا مصباح زيت، عطاشى لاهثين من أثر الركض واللعب، ونحن نتوجس خيفة من العفاريت الكامنة لنا في زوايا الكوخ. فنشرب الماء على عجل، ثم نخرج مسرعين. ولا أدري كم مرة اختبأت في ظلماته حتى إذا جاء أحد الأطفال يمشي على حذر ظهرت له فجأة من بين الظلام أصيح في وجهه بصوت مخيف: ( بَوّْ ) فيرتد على عقبيه وهو يصرخ لا يلوي على شيء! بينما أغرق أنا في الضحك حتى تغرورق عيناي! ثم أخرج لأستأنف اللعب من جديد.

كانت أمامنا من جهة القبلة على بعد بضعة أمتار “خرابة” خالتي الأرملة مع بناتها الأربع وولدها الوحيد. وإلى اليسار قريباً منا دار أخوالي المتكونة من عدة حجرات من الطين، متقابلة مع بعضها، يسيجها حائط، مع حجرة للضيوف بابها إلى الخارج، نسميها “ربعة” أو “مضيف”. وخلف هذه الدار، دار كبيرة تعود لخالة لي أخرى هي الصغرى من بين خالاتي السبع.

مدرسة ( الرواشد ) الابتدائية

وإذا تركت هذه الدارة الصغيرة، وعبرت الساقية أمامها، ومشيت إلى جهة القبلة مسافة نصف كَيل ستجد مدرستنا “مدرسة الرواشد الابتدائية للبنين” ، بصفوفها الطينية الخمسة، مع حجرة الإدارة. تطل من جهة الشرق على حديقة جميلة، تظللها أشجار التوت، وعرائش العنب. على الضفة اليسرى لنهر “البطين” . يقابلها على الجانب الآخر بستان من أشجارالنخيل، تتبادل المواقع معها، وتحتمي بظلالها أشجار المشمش، تجاورها على امتداد النهر أشجار التوت العالية، التي طالما تسلقناها ونحن نتبارى أينا يبلغ قمتها؟ وكم من مرة تسللنا خلسة إلى البستان بعد انتهاء الدوام، لنأكل من ثمار المشمش اللذيذ. أو إلى حديقة المدرسة، لنأكل العنب الأبيض، ونقتحم أعشاش العصافير والحمام بحثاً عن فراخها. وقد يمتد بنا الشوط فنذهب إلى بساتين التفاح القريبة، نأكل منه حتى نتخم، ثم نحمل من ثمره ما استطعنا بثيابنا. نعقد أطرافها إلى أعلى ونمسكها بأيدينا، لنأتي بها أهلنا فرحين ضاحكين.

ياه..!

أين ذهبت تلك الأيام؟ وكيف انطوت صفحاتها؟ حتى كأنها ما كانت، ولن تكون.

الوالدة العزيزة

ق

ومع الوالدة العزيزة قضيت هناك أسعد الأيام، وأعزها على قلبي. كانت تغمرنا بالمحبة، وتفيض علينا من العطف والحنان.. بل كان عطفها وحنانها يتعدى إلى جميع الأقارب والمعارف. وتذكرهم وتزورهم، رغم مرضها المزمن، الذي كان كثيراً ما يقعدها عن المشي، ويلزمها الفراش.

عابدة كانت، ومتدينة.. تصوم – حين كانت شابة – الأشهر الثلاثة: رجب وشعبان ورمضان. وتقوم الليل. شجية الصوت حين تتلو آيات القرآن. تجيد القراءة إجادة تامة، رغم أنها لم تدخل مدرسة، ولم تتعلم على يد معلم! أما كيف؟ فتلك قصة طريفة..! أترك للوالدة روايتها:

“كان في منطقتنا (مُلا)، يكسب قوته من رعي الغنم. فطلب أخي إبراهيم من أبي أن يستأجره لرعي غنمهم، عساه أن يتعلم على يديه قراءة القرآن. فاستجاب أبي لطلبه. كان هذا في بداية الأربعينيات من القرن الماضي. فكان ذلك الراعي يعطي إبراهيم درساً كل يوم في كيفية القراءة. وكنت أجد في نفسي دافعاً قوياً للتعلم، لكن كيف؟ وأنا شابة في مقتبل العمر، لا يليق بي أن أجالس الرجال. ليس هذا فحسب، بل كان العرف الاجتماعي يستعيب أن تتعلم امرأة القراءة والكتابة! لا سيما إذا كانت شابة. فما العمل؟ واهتديت إلى طريقة مناسبة، وإن كانت غريبة! اتفقت مع أختي الصغيرة “بهية” أن تجلس عندهم، لتحفظ الدرس، ثم تأتي إلي وتلقيه عليّ؛ وبهذه الطريقة تعلمت القراءة!”

هل سمعت بهذا؟!

الغريب أن خالتي “بهية” – معلمة والدتي – لم تتعلم هي شيئاً، وعاشت عمرها أمية لا تحسن قراءة القرآن، ولا غيره! وظلت كمثيلاتها من بنات أو نساء ذلك الجيل. لم أسمع أن واحدة منهن في قرى المحمودية كلها وما جاورها كانت تعرف القراءة قط!

الدروس الأولى

تعلمت من الوالدة – رحمها الله – الصدق والأمانة والنظافة. كانت مضرب المثل في نظافة البيت، والكرم وطيب الطعام. كما تعلمت منها النزاهة، والابتعاد عن أكل الحرام. لا زلت أذكر يوماً كنت فيه معها، وأنا لا أتجاوز السنة الثالثة من العمر، في سوق المحمودية. أمشي وراءها، أو تمسك بي بيدها. كان نظري معلقاً بالتفاح اللبناني الأحمر. لا أذكر أن أهلنا اشتروا لنا منه شيئاً في يوم من الأيام. وامتدت يدي الصغيرة إلى واحدة من ذلك الكوم الموضوع في عربة خشبية يدوية. ولعل أحداً لم ينتبه لها لصغري. وحين خرجنا من السوق، ووصلنا إلى نهايته من الجهة الجنوبية، أريت والدتي صيدي الثمين! فأنكرت عليّ ذلك أيما إنكار. ثم رجعت بي إلى وسط السوق وهي تسألني: من أين أخذت التفاحة؟ حتى دللتها على المكان، فأرجعتها إلى البائع، وهي تعتذر إليه.

لم تمنعنا من أكل الحرام فحسب، بل علمتنا الابتعاد عن الشبهة إلى أبعد الحدود. أذكر مرة – بعد هذا الموقف بأربع سنين – وكنت ألعب في بيت قريب منا في حي اليرموك، يبنى حديثاً لم يكتمل بعد. كان الوقت عصراً. حين عثرت على ورقة نقدية جديدة كل الجدة من فئة نصف الدينار. وأخذتها وأنا أكاد أطير من الفرح! كان مبلغاً كبيراً بالنسبة لي، خصوصاً في ذلك الوقت (صيف سنة 1967). كان يكفي أجرة يومية لعامل البناء. وهرولت إلى أمي! وجدتها تصلي، فصرت أدور حولها أركض وأشير لها بالورقة ضاحكاً مسروراً. وانتهت من صلاتها لتعرف جلية الأمر. أخذت الورقة مني. ثم ذهبت في الصباح إلى البيت الذي عثرت فيه عليها، تسألهم: هل من أحد أضاع مبلغاً من المال؟ وظلت لأيام ثلاثة تتردد عليهم تسألهم، فلم يجبها منهم أحد. وأنا أتلهف متى أحصل على الفلوس؟ لم تعطني شيئاً منها. بل اغتنمت الفرصة لتذهب زائرة إلى خالتي الأرملة، وتشتري لأولادها اليتامى بنصف الدينار ذاك قطع قماش، ولم أحصل إلا على خمسة وعشرين فلساً منه شربت بها قنينة بيبسي. وأضاعت عليّ مبلغاً كان يمكن أن أعيش به أياماً كثيرةً عيشة أولاد الأغنياء. ولكن.. تعلمت منه درساً.

كنت لوالدتي الولد والبنت

لم يكن لها بنت تخدمها، سوى واحدة وتزوجت منذ سنين؛ فكنت أنا أقوم معها بدور البنت، ودور الولد كذلك. أجمع الحطب، وأشعل النار في الموقد المحفور في الأرض في حوش الدار، أو المعد في الحجرة بحيث يخرج دخانه إلى الفضاء من خلال بناء أسطواني في إحدى زواياها، تؤدي إليه فتحة صغيرة في تلك الزاوية. كانت والدتي تهيء لي الطبخة، ثم آخذها منها لأتولى طبخها؛ فقد كانت لا تقوى على ذلك لمرضها. أما الشاي فكنت أجيد (تخديره) إجادة تامة، اشتهرت في محيطنا الصغير؛ فكان البعض إذا رق مزاجه، وأعجبه يوماً أن يشرب شاياً لذيذاً بلا منغصات، أرسل إليّ.

من غدرات الصبا

وقد لا يصادف ذلك هوى عندي، كما حصل ذات مرة، وكنا قد انتقلنا من قرية “البطين” إلى قرية “الحصّان” في بزايزاللطيفية. كنت فيها نائماً ظهيرة يوم قائظ. أيقظوني في (عز النوم)! فبعد وجبة غداء دسمة اشتهى الجمع (المدلل) المجاور لنا – وفيهم أخي الكبير – شاياً مناسباً من نوع خاص. فلم يكن إلا (طه) يصلح للمهمة. كانت الشمس شديدة الحرارة، فوق رأسي تماماً، ينعكس وهج أشعتها نحو عيوني، وأنا أضع الحطب في الموقد، وأشعل النار، فأحاصر بالحرارة من هنا ومن هنا. كنت ممتعضاً جداً. ولكن ماذا عساي أن أفعل؟ لقد حاولت أن أمتنع، ولكن ما كان لي إلا أن أنفذ الأمر. واعتراني الغضب وأنا أراهم يتحدثون ويضحكون، والنساء جالسات لا يفعلن شيئاً، وأنا أقوم بما ينبغي أن يقمن به هن لا أنا. لا سيما وأنا لم أُشرك في الغُنم، فما لي أُدعى لأن أتحمّل وحدي تبعات الغرم؟! هلا أشركوني، أو ذكروني عند غداءهم الدسم!

لا بد من عمل شيء.. ولا شيء؛ فما العمل؟!

وخطرت لي فكرة شيطانية أنتقم بها لنفسي.. تناولت روثة حمار يابسة كانت ملقاة قرب الموقد، كسرتها، ثم أخذت منها قطعة صغيرة، فركتها بين أصابعي، ثم.. ألقيت بفتاتها في “القوري” أو إبريق الشاي. وقدمته إليهم، فصاروا يشربون منه متلذذين مادحين! رحم الله ابن خالتي “أبو عبد الله”. لقد كان يشرب وهو يقول: هذا هو الشاي! وربما التفت إلى زوجته فقال: لماذا لا تصنعين مثله؟

الفلاح الصغير

الفلاح الصغير/ صورة قديمة للدكتور طه الدليمي

اشترينا بقرة، ومعها عجل صغير. وكذلك بضعة خراف. كنت أنا الذي أقوم على شأنهن جميعاً. أحش الحشيش، أتتبع أعشاب الحقول الزائدة، وأطراف السواقي، فلم يكن لنا أرض خاصة يمكن زرعها بالجت أو البرسيم. وأجلبه على ظهري إلى حوش الدار. وأعلف الطليان التبن والشعير. رآني أحد الجيران مرة في الحقل أحش الحشيش، فقال مازحاً – وكان بيني وبينه مسافة ويفصل بيننا نهر – : ((ها ! صايرحاشوشة؟!)) على اعتبار أن هذا العمل من اختصاص النساء. فأجبته مباشرة: ((الما عنده غلام، هو غلام نفسه)). ومضى ولم يرد عليّ. وبعد أيام التقت والدته والدتي لتنقل لها إعجابه بجوابي. قال لها: ((لقد أسكتني بقوله هذا! من أين جاء هذا الغلام الصغير بهذا الجواب الكبير؟!)). لا يدري أنني سمعت هذا من والدتي تقوله لي كلما ترددت أو تمنعت، فكانت تشجعني وتقول: ((يا بني! الما عنده غلام، هو غلام نفسه)). وكنت – إضافة إلى ذلك – أزرع حقلاً صغيراً من الطماطة وغيرها من الخضروات.

بائع القرطاسية

وفي الصباح أذهب إلى المدرسة، وفي حقيبتي بعض ما يحتاجه الطلبة من اللوازم المدرسية كالأقلام والدفاتر والمساطر وغيرها. أبيعها لهم، وأجمع ثمنها في علبة خزفية، أفرغها في نهاية الأسبوع في يد أخي الكبير نوري الذي يأتينا من مدرسته في الصليخ في بغداد.. الإعداية الإسلامية، أو المعهد الإسلامي كما كان يطلق عليه. كان رحمه الله يشتريها من سوق السراي، ويجلبها لأبيعها له كي يستعين بما يرجع عليه من ربحها القليل على مواصلة الحياة.

كنت رغم التعب، وتعدد المهام راضياً منشرحاً بما ألقاه من مدح وتشجيع، وإعجاب بما أصنع من الجميع: فأنا أخدم والدتي في البيت، بما أقوم به من طبخ وكنس وفرش وغيره، واعتناء بالماشية والدجاج. وفي الحقل من فلاحة وحشيش واحتطاب.

والطالب الشاطر

الطالب الشاطر/ صورة قديمة للدكتور طه الدليمي

وفي المدرسة إضافة إلى ما ذكرته، كنت متفوقاً بمسافة على أقراني. وذلك منذ البداية في الصف الأول الابتدائي. يوم دخلت مدرسة المحمودية الثانية الابتدائية للبنين عام 1966م. ويعود الفضل في ذلك لما جبلني الله تعالى عليه من قابلية ذهنية، ثم للأساتذة الذين تولوا تدريسي، واكتشفوا تلك القابلية فرعوها حق رعايتها. أولهم الأستاذ القدير سالم محمود العنزي، الذي تعلمت على يده القراءة والكتابة، وكانت طريقته رائعة متميزة. لقد جاءنا قبل نهاية العام بجريدة إلى الصف، وطلب منا قراءتها. أذكر أننا تجمعنا حولها، ولا أدري كم منا صار يقرأها دون صعوبة. وعمل يوماً مسابقة في النصف الثاني من العام بيني وبين طالب آخر: كان يملي علينا فيها كلمات ليست من المنهج المقرر لنكتبها على السبورة، وبيننا حاجز. فتفوقت على قريني، رغم أنه في الصف الثاني، وأنا لا زلت في الصف الأول. أحببت الأستاذ سالم، وتعلقت به كثيراً. ولكنني ما إن أنهيت السنة الأولى حتى انتقل أهلي من المحمودية إلى اليرموك في بغداد. فلم أر أستاذي الأثير بعدها. ومرت السنين يتلو بعضها البعض سريعاً، ولم أنس أستاذي الذي علمني الحرف، وعلمني الخلق الكريم والأدب. ظللت أسأل عنه.. ولكن بلا جدوى. وأخيراً.. وبعد أن بلغت الأربعين سمعت أنه لا زال حياً يرزق، وأنه يسكن في حي المنصور في بغداد. وأن له أقارب في المحمودية. ويشاء الله تعالى أن ألتقي أحدهم، فقال: نعم، أستاد سالم موجود.. وهو عمي! ويحقق الله لي أمنية طالما راودت خيالي، وأصطحب قريبه هذا لأذهب إليه في يوم من أيام شهر رمضان عام/2002، وأكحل عيني بلقاء إنسان كان له الفضل الأول بعد الله في تعلمي قراءة الحرف.

بل إني أتقنت القراءة إلى درجة أن أخي الكبير، الذي كان طالباً في المدرسة الدينية، كان يعطيني كتابه أتابع له حفظه. وحضرت مرة معه درساً، وكان الشيخ طه السامرائي يملي والطلبة يكتبون، فعز عليّ أن أظل دونهم لا أكتب، فأمسكت بالقلم وصرت أكتب معهم ما يمليه الشيخ عليهم. ذلك وأنا ما زلت في الصف الأول الابتدائي. وأرسل إلي المعلم وأنا في الصف الثاني، لأقرأ على طلاب الصف السادس درسهم في كتاب (الدين والتهذيب)، بعد أن تلكأ بعضهم فلم يتمكن من القراءة بصورة صحيحة. كثيرة هي المواقف المشابهة. منها وأنا في الصف الثالث، أمرني المعلم أن أعطي درس القراءة لطلبة الصف الرابع، فكنت أقرأ لهم وهم يرددون معي. كان ذلك في مدرسة الرواشد، يوم كان طلاب المرحلة الثالثة والرابعة يدرسون في صف واحد، وكذلك طلاب المرحلة الخامسة والسادسة. وكنت استمع إلى مسائل الرياضيات التي يختبر بها المعلم طلاب الصف الرابع، فأقوم بحلها، وتسليمها له قبلهم.

الأستاذ فرج

هذا جعل المعلمين يحبونني حباً خاصاً. أذكر منهم (أستاذ فرج) معلم الصف الثاني في مدرسة (المروءة) الابتدائية في حي الداخلية في اليرموك. انتقلت إلى المدرسة حين ارتحل والدي إلى المنطقة سنة 1967 بسبب ظروف المعيشة. كان يعمل – هو وعمي محمود – فلاحاً في الحدائق. وهذا خير لهم من الفلاحة في أرضهم الزراعية في المحمودية القديمة، التي ما عادت تدر عليهم شيئاً. ذكريات جميلة تركناها هناك قبل أن نرتحل مرة أخرى لنعود إلى المحمودية. ومن أجملها علاقتي بأستاذ فرج، التي انتهت بسرعة خاطفة قبل نهاية الفصل الأول. كنت أشعر أنه يحبني كأشد ما يحب الوالد ولده. وحين سمع أني سأنتقل من مدرسته تأثر تأثراً كبيراً. ولا زلت أذكر، ودمعة تراود عيني أنه قال لي وهو يودعني لآخر مرة: حتى وإن انتقلت، فإنني سوف أعمل لك شهادة تكون فيها الأول على الصف. وطوى القدر الرحيم تلك الصفحة الجميلة، ولم أره بعدها.

أيها الأخ الكريم! أرى أن الحديث استطال، والذكريات تشعبت، وقد ابتعدتْ شيئاً عن أصل الحديث؛ فلنطو نحن أيضاً صفحتها، ولعل لنا إليها عودة قبل أن يطوينا القدر الرحيم تحت جناحه الذي لم يفلت منه الأولون، ولن يفلت الآخرون.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: