التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

حوار صحفي .. مع صحيفة ( البلاد ) البحرينية

أدار الحوار الإعلامي البحريني إبراهيم النهام

د . طه حامد الدليمي

كيف هو حال العراق اليوم ؟

Untitled

العراق اليوم سفينة متجة لهاوية، الضحية شبه الوحيدة فيها هم أهل السنة، والآخرون لديهم قوارب نجاة بهذه السفينة، والهلاك والاصطياد لبني جلدتنا، والأيام هذه عصيبة، وتحتاج لوقفات من أهل الشأن جميعاً.

الشيعة لديهم الحكم، والأكراد لديهم الإقليم، والسنة لا أقليم يؤويهم، ولا حكم لديهم يحميهم. والعراق سائر بالتأكيد إلى حرب طائفية وشيكة، ربما تؤدي إلى التقسيم؛ فمظالم الشيعة فاقت حد التصور، وحد التحمل. ومعادلة المظلوم والظلم حينما تصل إلى هذه الحالة المحتقنة، فلن يكون أمام البلد إلا الانفجار. والسنة – في حقيقة الأمر – ليسوا ضعافاً، وامتدادهم وحجمهم السني في العراق واسع وكبير.

ما توقعك للسيناريوهات المقبلة إن حصلت الحرب الأهلية فعلاً؟

إن وقعت هذه الحرب ستدفع لها تضحيات كثيرة، ولها نهاياتها بعدة احتمالات:

1. الأول أن يتم الموافقة بعد دفع التضحيات على حكومة مشتركة بشخصيات سنية ضعيفة، هذه الحكومة تأتي بالتوافق ما بين أمريكا وإيران. أساس هذا الاحتمال أن كل ثورات الربيع العربي تفتقر إلى حلقة القيادات الميدانية التي تربط ما بين المحرك والمتحرك. ليس ثمت من حلقة ميدانية وسطى رابطة. والحلقة الميدانية بمعناها الأوسع هي (المشروع المدني). أما الموجود فمشروع عسكري، لا رابط حقيقياً بينه وبين المجتمع؛ لأن الجسم المدني الواصل مفقود، في هذه الحالة تكون ثمار الثورات من حصة جهة منظمة، أو تنظم من الخارج، وهو الأكثر حصولاً، والأمثلة موجودة في ليبيا وتونس، وسوريا مقبلة على هذا الخيار.

2. الاحتمال الآخر هو التقسيم بعد الحرب، يرتكز على المثل القائل ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، إلا إذا ضغطت القوة المؤثرة بالساحة العراقية إلى الاتجاه الآخر.

3. والخيار الثالث هو قيام إقليم سني، وهو وارد، لأن بالدستور ثبت مبدأ الأقليم، وهذا يعتمد على محصلة جملة قوى، تشد في إتجاهات مختلفة، أهمها جهل كبير وعميق بالواقع للزعامات السنية العراقية التي تزعمت المشهد السني، ولا تصلح للقيادة لأنها تفتقر للفكرة، وتعاني من ضبابية الهدف، فهي لا تعرف ما تريد. لذا أسميها زعامات لا قيادات.

هل أستوحي من كلامك، بأنك ترى القيادات السنية العراقية الحالية خاوية الأهداف؟

بالتأكيد، بل تعاني من انعدام تام للمشروع، فهي – ببساطة- زعامات تعتمد على مبدأ (الفعل وردة الفعل)، وغالبيتها زعامات مشتراة، تعمل لخدمة المالكي وإيران، ناهيك عن عدم وجود جمهور متلاحم مع هذه الزعامات لأنهم يفتقرون للمشروع، والواقع السني الحالي إما (منظومة بلا جمهور) وهي منظومة الإخوان المسلمين ومنظومة حزب البعث، وإما (جمهور بلا منظومة) والتي يشكلها 95% من سنة العراق، قبالة أكراد منظمين وشيعة منظمين، ودولة إيران، ودولة المركز، والمنظومة الغربية، إضافة للضعف العربي أو انعدام تأثيره الإيجابي.

ماذا يمتلك السنة بالعراق؟

يمتلكون المعنويات، وحينما تكون ذخيرة الإنسان المعنويات فقط تكون تضحياته غالية للوصول إلى الهدف، وقد لا يصل اليه، أو لنقطة قريبة منه، لأن هناك قوى تعارضه، لذلك فإن الحراك السني الموجود الآن، يوشك أن يختطف.

هناك من يرى أن صوت المقاومة العراقية بات خافياً، فهل وصلت لمرحلة اليأس والوهن؟

المقاومة استنفذت أغراضها وحققت هدفها بإخراج الأمريكي، أما المحتل الإيراني فلم يكن هدفاً واضحاً للمقاومة وإنما هدفاً ضبابياً، وضعف الدعم لهذه المقاومة سار بها إلى النتيجة الطبيعية، حيث اتستنفذت كل طاقاتها وتحولت إلى هياكل يمكن بث الروح فيها إذا دعمت.

الأهم من هذا كله، أن الزمن تجاوز المقاومة، المقاومة ليست موضوعاً لأن يستمر، بل هي ردة فعل للاحتلال، وهذه الردة حققت الغاية بإخراج المحتل، الظرف الآن يحتاج لمشروع آخر غير المشروع المسلح، وكان على المقاومة أن تهتم بهذا المشروع خلال السنين الماضية وهو المشروع المدني الذي يلحمها بالجمهور، فالسلاح ظاهرة وقتية بعكس المشروع المدني. والجمهور السني معزول عن المقاومة، ولا يعرف من ممن حوله كانوا في المقاومة أم ضدها أم خارجها؟ لأن المقاومين يعملون ملثمين بسبب الوضع الأمني. وكل إنسان يمكنه اليوم أن يدعي شرف المقاومة، حتى الذين وقفوا ضدها. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فليس هناك من صلة حقيقية بالمجتمع. وهذا عمق عزلة المقاومة أكثر وأكثر.

ما هو الوضع الذي آلت اليه المقاومة العراقية إذن؟

تحولت المقاومة العراقية اليوم إلى تاريخ يرفض التواصل مع الجغرافيا، ليس لديها مشروع يتوائم مع الواقع المتغير الآن. الجغرافيا أم السياسة، والسياسة لا تعترف بالتاريخ بل بالحاضر، السياسة مبنية على الواقع الموجود وليس التاريخ المفقود، ونحن نتكلم من داخلهم، ولكننا نرى ما لا يراه كثيرون منهم.

إذا لم تحترم الجغرافيا ستنتقم منك وتنهيك، هذه معادلات اجتماعية لا يدركون معظم العاملين إن لم يكن جميعهم كذلك، لافتقار العقليات القيادية، ولدينا اليوم – وأقولها آسفاً- زعامات فرضها الواقع، والمال.

في الفترة الأخيرة، سجل العراق أرقاماً قياسية في عدد الإعدامات، برأيك ما السبب؟

13702026011

أمر طبيعي جداً، لأنه كان الأمريكان على شرهم يشكلون حماية للسنة، فالأمريكان على ظلمهم وفسادهم، لديهم التزام بالقانون، لكن المالكي وزمرته قوم لا يتلزمون لا بقانون، ولا بأخلاق، ولا بعهود، فما إن خرج الأمريكان حتى بدأوا حملتهم الشعواء لإعدام أهل السنه والتنكيل بهم، وبطبيعة الحال، الخير يبدأ صغيراً ثم ينمو، وكذلك الشر، لذا فإن الخط البياني للإعدامات منذ خروج الأمريكان متصاعد، إذ لا توجد هنالك جهة ثالثة مراقبة، والشيعة هدفهم واضح .. بناء دولة شيعية بالعراق وإنهاء السنة، كما قال المالكي ( سنجعل السنة ثلاثة أثلاث، ثلثاً تحت الأرض، وثلتاً خارج الأرض، وثلثً فوق الأرض كخدم)، فالهدف بذلك واضح تفريغ البلد من السنة، وتحويلهم لشراذم، كما هو حال التجربة الصفوية مع سنة إيران.

لماذا لا تسجل المنظمات الحقوقية والدولية مواقف تجاه المعتقلين العراقيين؟

أهم الأسباب رفض أمريكا لذلك، لأن ذلك يسيء لسمعتها، باعتبار أنها تشكل إفرازات الاحتلال، ثانياً هناك حلف إستراتيجي بين أمريكا وإيران، ثالثاً وهو الأهم فقدان الهوية السنية لدى أهل السنة، فهم – حتى الآن- لا يدركون قيمة الهوية لذا يسحقون بصمت.

الزعامات السنية حين تخرج على الفضائيات يستهدفون الحكومة كحكومة، وليست كحكومة طائفية تستهدفنا بالإقصاء والإنهاء، زعماء السنة، يظهرون في الشاشات ويصرحون علناً أن الظلم واقع على الجميع: سنة وشيعة، ويرددون مقولة المالكي نفسها في السياق نفسه. فقد قال المالكي في العام 2008 حين أصطدم مع جيش المهدي: أنا لست طائفياً، أضرب بالجنوب، بالشمال والغرب والشرق، وقال بمناسبة أخرى: الظلم موزع على الجميع. وهكذا يشخصنون الكارثة، ويظهرونها كأنها ظلم يرتكبه حاكم ظالم بحق الشعب كله، فيخسرون القضية. بينما الحالة في حقيقتها حرب إبادة طائفية ضد السنة، والسنة العرب حصراً.

وكيف تفسر مواقف زعماء السنة وقياداتهم من تصريحات المالكي هذه؟

يضحك الدليمي ويقول: مقولاتهم هذه يرددها زعماء السنه بكل بلاهه، بل إن بعضهم أكدوا بأن الشيعة تعرضوا للظلم أكثر من السنه، فهم أناس – برأيي- لا يملؤون العين، صعاليك فكر. في المقابل انظر للمعادلة الشيعية، يحاسبون (أفرادنا كطائفة) فثارات الحسين إلى اليوم تفعل فعلها في تحميل أجيال السنة أوزار التاريخ، وليس الواقع المفترض فقط! وصدام حسين مارس الظلم – حسب ادعائهم – بحق الشيعة لكونهم شيعة وهو سني، وهكذا لا بد للسنة أن يدفعوا الثمن. أما نحن فنقلب المعادلة أي نحاسب طائفتهم كأفراد، فجرائم المجموع نختزلها في شخص فنخسر قضية قائمة، وهم يربحون قضية وهمية. تأمل كيف يتهم السنة على كره أهل البيت وهي قضية وهمية، بينما القضية تكفير الصحابة، ولا قضية. فالسنة يزعمون أو يتوهمون أن من يفعل ذلك أفراد من الشيعة لا طائفة الشيعة بعمومها. وهكذا ما زلنا نحاسب حتى اليوم على جرائم واهية لأفراد أمسوا في ذمة التاريخ، ونحن نجتزيء الأمور فننسب ذنوب وظلم الطائفة لأفراد، ونبريء الطائفة .. بعكسهم، ذنب فرد يحملون طائفة بأكملها مسؤوليته، وإن كانت وهماً.

ماذا عن إنكفاء المنظمات الحقوقية عن الواقع السني بالعراق، ما الأسباب الحقيقية الكامنة خلفه.

يمكنني أن أضيف هنا أمراً مهماً وهو: أن السنة هم السبب الرئيس في ابتعاد المنظمات الحقوقية عنهم، لأنهم لا يعبرون عن هويتهم، وعلى هذا الأساس فشل أهل السنة بعد مرور 10 سنوات من تدويل قضيتهم العادلة.

بعد مرور أربعين يوماً على ربيع السنة العراقي، هل ترى مستقبلاً له([1]

خطوة جيدة للأمام، ستضفي المزيد من الثقة للسنه بأنفسهم، وتهز المالكي وزمرته أينما كانوا، وكذلك ترسخ الهوية السنية لدى الجمهور الذي مل من الزعامات الساذجة، ولكن –وفي الوقت نفسه- هذا الحراك يفتقر إلى الهدف الواضح، القيادة المتجانسة، الفكرة المحركة الفاعلة. فلو جئنا للفكرة، فالحراك هذا يستند على فكرة المظالم التي وقعت على أهل السنة دون سواهم، فكانت المطالبات مبنية على هذه الفكرة، وكل هؤلاء المحتجين يطلبون من الحكومة أن ترفع عنهم هذه المظالم، وتمنحهم الحقوق.

برأيك من هو أصل المشكلة من كل ما يجري؟

أنا أتسائل إزاء هذه المفارقة: كيف يكون أصل المشكلة عاملاً من عوامل الحل؟ كيف للحكومة أن تستجيب وترفع الظلم؟ ناهيك إلى أنه حتى اللحظة لم يحددوا الجهة التي قامت حقاً بظلم السنة، وغاية ما يقولونه أن الحكومة ظلمتهم.

الشخصيات التي جاءت من نفسها كالشهرستاني وجماعة الصدريين ( وهم الأجرم بحق أهل السنه) ثم بعض الشخصيات السنية كصالح المطلق، وسلام الزوبعي، كلهم لم يتحركوا إلا بتوجيه من المالكي، ثم بعثوا شخصيات لها ظاهرها من اللمعان، كالصحفي منتظر الزيدي الذي رشق بوش بالحذاء، وهو من مجرمي المالكي. ومن أدلة إجرامه أنه حضر مؤتمراً عقد في حلب عقد قبل سنة ونصف ومدح بشار علنا وأسماه بدولة المقاومة والممانعة، وقال للجماهير في حلب: أتيت اليكم من المقاومة بجنوب لبنان، من بغداد بلد المقاومة. وهو يقطن حاليا بجنوب لبنان مع حزب الله، ومتزوج من صحفية شيعية من جنوب لبنان من عائلة قيادية في (حزب الله). وردد – كغيره من الشخصيات الشيعية التي جاءت لساحات اعتصام السنة في المحافظات السنية بالعراق – كلمتين معروفتي المغزى: (للطائفية) أي لا للسنية. ولا للفدرالية واصفاً إياها بالتقسيم. أي ليبق السنة تحت السوط الشيعي.

فهذه لعبة مكشوفة، لكن زعاماتنا تستقبلهم باحترام. وهكذا مع عدم تحديد الظالم، يضيع حق المظلومين، وهو الحاصل الآن. وحتى عندما يرتفع سقف الخطاب لإزاحة المالكي، سيأتي من هو أسوأ منه، علماً أن هناك مؤشرات على رؤية إيرانية أمريكية بأن المالكي لم يجد الدور، وأنهم يفضلون استبدال. حينها يبدو قرار إزاحته وكأنه تنفيذ لمطالب الجماهير في حين أنه مطلب إمريكي إيراني. الحقيقة أن المالكي أجاد الدور.. ولكن بشكل مشكوف.

ولي أن أضيف بأن المطالب التي ترتكز على فكرة المظلومين لم تتوج بما يضمن تحقيقها وحفظها واستمرارها، لا يوجد ضمان، لأننا تحت حكم ظالم، قد يعطيك اليوم باليد اليمنى، ويأخذ عطيته غداً باليد اليسرى، ولا ضمان مع حكم طائفي استبدادي ثيوقراطي (القائم على العقيدة الكهنوتية)، الضمان لهذه المطالب، هي الفيدرالية، أو ما يسمى بالإقليم، وليس الحرب والتقسيم.

هل تؤيد أن يرفع سنة العراق مطالبهم تحت اسم الطائفة؟ ولماذا؟

هذا هو المطلوب، لأنه بلا هوية .. ستظل الحقوق ضائعة، العراق ليس شعبا واحدا بل ثلاثة شعوب على الاقل، استحصل الكرد حقوقهم باسم طائفتهم، والشيعة تبوأوا حكم العراق باسم الطائفة، وضيع السنه العراق لأنهم ضيعوا هويتهم ولم يعتزوا باسمهم كسنة. الشيعة بلعوا العراقي، والسنة نحروا أنفسهم ليعيش العراق الذي أصبح في داخل بطن الشيعة، فصار السنة في بطن الشيعة كتحصيل حاصل. ولم يسلم إلا الكرد إذ استحال على الشيعة ابتلاعهم باسم العراق؛ لأن الكرد احتموا بهويتهم وإقليمهم. هذه هي الصورة الحقيقية. كيف تحقق مكاسب قضية دون اسم؟ السنه وقع عليهم الظلم لأنهم سنه، لا لأنهم ارتكبوا جرائم يحاسبون عليها، ذلك أن الظلم عند المالكي وزمرته عقيدة وليست ممارسة.

ذكرت في سياق حديثك أن إبراز الهوية مرتبط بتدويل القضية، هلا أضفت لنا المزيد من التفسير؟

صنع القضية يبدأ بإبراز الهوية، وعلى هذا الأساس دوّل الشيعة قبل الاحتلال قضيتهم، وكذلك الكرد، وأكثر ما يخيف المالكي ومن معه هو رفع الاسم السني لأن لديهم تجارب سابقة بتدويل الهوية.

ما الذي يحتاجه الحراك السني العراقي، بظل الظروف المتلاحقة التي عصفت بالبلاد منذ الاجتياح الأمريكي عام 2003؟

يحتاج لثلاثة أمور، الراية السنية، مطلب أقل سقفه الفيدرالية، تدويل القضية السنية. وهي ثلاثة عناصر إما ضعيفة أو مفقودة من واقع الحراك السني. نعم نادى الجمهور بالراية السنية، والأقليم السني في بداية التظاهر والاعتصام، لكن الجماعات المتخلفة غطت على هذا النداء، ولم يرفع أحد مطلب التدويل لا من الجمهور، ولا القيادات.

هل هنالك توثيق للاضطهاد وللجرائم اليومية التي يتعرض لها أهل السنة بالعراق؟

نعم، توثيق يفوق التصور، قامت به جهات كثيرة .. سنية وأجنبية، والتوثيق هذا يشتمل على صور وأفلام وتقارير لجان، ووثائق كتبها الأمريكان أنفسهم. هناك محاكمات بلا شهود، ضحايا كثر على الأرض، ولكن القضية العادلة تضيع حينما يتولاها محامون فاشلون.

يتركز الثقل الإيراني بالبصرة دون غيرها، لماذا؟

الوجود الإيراني في كل العراق، حتى في كردستان من خلال قنصلياتهم والجواسيس والحرس الثوري، لكن الأكراد مسيطرون على إقليمهم ويتعاملون مع التواجد الإيراني بندية، وحسب ما تقتضية المصلحة.

أما المنطقة السنية فمخترقة جداً، البصرة بحكم الجغرافيا لقربها من إيران، وهي ميناء بحري على البحر أيضاً، والتغلغل موجود كذلك ببغداد وبقوة، يكفي أن أقول لك أنه وباعتراف بعض قيادات الشيعة كمستشار الأمن الوطني السابق موفق الربيعي أن الذي يحكم العراق هو قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وأي قضية مستعصية لا تحل إلا عن طريقه. وهذه حقيقة أكيدة لا غبار عليها!

لذا فإن الحكومة العراقية بسنتها وشيعتها حين تستعصى بعض الأمور لديهم يذهبون لقاسم سليماني لحلحة الأمر، أضف إلى ذلك وجود عشرات الآلاف من عناصر الحرس الثوري والإستخبارات الإيرانية بكافة أنحاء العراق للتحكم بمصيرة وهو الحاصل فعلاً.

وخير شاهد، تخصيص وزارة الداخلية العراقية لطابق خاص للعناصر الإيرانية الأمر الذي اشتهر وأصبح غنياً عن التدليل، كذلك وجود محققين إيرانيين مع المعتقلين العراقيين من أهل السنة، وهناك معتقلون أخبروني شخصياً بذلك، ولقد تعرفوا على هؤلاء إما من خلال لهجتهم، أو من خلال المترجم.

هل أفهم من كلامك أن العراق لا يزال محتلاً؟

نعم، العراق محتل ولكن من قبل إيران هذه المرة، والفرق ما بينه وما بين الإحتلال الأمريكي، هو أنه لا توجد دبابه إيرانية في الشارع، والأمريكان بأنفسهم تحدثوا بانزعاج عن التغلغل الإيراني رغم الحلف الاستراتيجي بينهم، ثم إن المرجع السيستاني إيراني ورفض الجنسية العراقية، وهو يمثل إيران، ويمثل المرجعية الدينية والسياسية لشيعة العراق، ولا أغفل بالإشارة إلى العدد المتميز للقنصليات الشيعية مقارنة بغيرها في العراق.

هل لديك دلالات على ما أسلفت بذكره؟

عندما احتلت إيران آبار الفكة النفطية بالعمارة عام 2010 سكتت الحكومة العراقية وإلى اليوم عن هذا الاعتداء السافر. وإن كل الإختراقات والجرائم الإيرانية بالعراق يقابلها صمت حكومي، ومن هذه الجرائم قطع نهر الكارون عن شط العرب، وتسميم شط العرب بمخلفات الأراضي الإيرانية وغيرها من السموم بخطوة تعبر عن الحقد المستشري في قلوبهم، والحكومة ساكتة، ولقد تحول شط العرب اليوم إلى حوض لماء غير صالح للشرب.

– ماذا بشأن ما يتردد عن المجاميع الإيرانية الخاصة التي تقتل العراقيين؟

مجاميع تابعة لفيلق القدس، تمارس قتل السنة إلى اليوم، ومنها ما يسمى بـ(المجاميع الخاصة) وهذه ركزت عملها ضد الصحوات، لأن الصحوات تشكل في جانب منها خطراً على المشروع الصفوي بالعراق. وإيران ترى الأمر ببساطة .. يداً سنيه تحمل سلاحاً. وهي لا تريده. وهذه المجاميع تستعمل أسلحة متنوعة إيرانية الصنع، وعثر على الكثير منها بالعراق، ومن قبل الأمريكان أنفسهم. وقد تعرض الأمريكان للضرب من هذه المجاميع بعد أن تضاربت المصالح، وأصبح الوجود الأمريكي بالعراق ثقيلاً على إيران.

برأيك، هل العقوبات الدولية على إيران ذات جدوى ونفع؟

الأخبار التي تواترت عن انهيار العملة الإيرانية مؤشر جيد، كما أنها أعلنت سحب تواجدها من أمريكا الجنوبية وإفريقيا، وباتت تركز عملها على سوريا والعراق والمنطقة العربية، وكلها مؤشرات ضعف. واستنزاف ثروات الحكومة العراقية يدعم لكن على المدى البعيد القضية السنية لأن في ذلك إضعافاً لأذناب إيران بالعراق، والذين يحاولون إنعاش الإقتصاد الإيراني الذي يستنزفه الإقتصاد السوري المتهالك.

أضف إلى ذلك أنه بسقوط سوريا ستحترق كل النتائج المرجوة من هذه الأموال الضخمة التي تضخها إيران، وهذا بطبيعته إستنزاف للإقتصاد الإيراني والعراقي معاً، وأرى أنه نوع من مكر الله تعالى للظالمين. يقول تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) (الأنفال:36).

في ظل الاستهداف الإيراني لتغيير ديموغرافية العراق، برأيك هل نجحوا في إستهداف المناطق السنية؟

التغيير – بلا شك – طال الكثير من المناطق السنية. أما بقية الأقليات فوجودهم ضعيف ومحدود. عدوهم الأول هم السنه العرب، ولديهم محاولات بدائية لتشييع المناطق الكردية. هناك – وهذا واضح – مشروع كبير لتشييع المناطق السنية في البصرة، الكوت، الحلة، ويصبون جهودهم أيضاً على المناطق السنية بالوسط والشمال الغربي العراقي، بغداد وصلاح الدين والأنبار، وكذلك ديالى شرق بغداد بمحاذاة إيران، والمؤامرة الكبرى تركز على ديالى بحكم موقعها الجغرافي، وعلى بغداد العاصمة.

دعوت مؤخراً وعبر صفحتك الشخصية في تويتر، الثوار بسوريا، وكذلك سنة العراق إلى تأسيس عمل عسكري وسياسي منطلقاً من مشروع مدني، ماذا تعني بذلك؟

طبيعة الوقائع اليوم تفرض أهمية أن يكون هنالك جسم مدني ينطلق منه جناح عسكري وسياسي، من دون هذا الجسم المدني والذي هو عبارة عن منظومة قيادية متعددة الخبرات تلتحم مع الجمهور من خلال حاجاته وتقوده نحو الهدف، تستند على فكرة وترمي إلى هدف واضح بآليات مناسبة، من هذا الجسم المدني ينطلق الجناحان السياسي والعسكري، ومن دون ذلك يكون العمل السياسي وكذلك العسكري كشجرة بلا جذور.

انظر إلى المقاومة العراقي كيف نجحت في طرد المحتل، لكنها فشلت بمسك الأرض لأن مسك الأرض إنما يقوم على منظومة قيادية فاعلة تقود جمهوراً، وإذا اقتصر الحراك السوري على العمل العسكري دون أن ينطلق من جسم مدني فسوف يقطف ثماره الآخرون. وهو الأمر الجاري العمل عليه الآن، وما الائتلاف المعارض إلا دليل واضح لذلك.

ما موقفك من هيئة علماء المسلمين ؟

رأيي بكل الواجهات السنية أنها فاقدة للمشروع والهدف، بغض النظر عن بقية التفاصيل. الأمور لا تسير نحو هدف محدد، والهيئة تعيد الماضي بكل نقائضه. اختلاجات هائمة فاقدة للفكرة. ليس سوى الفكرة الوطنية الفاشلة والتي هي السبب في تدمير سنة العراق، بل العراق نفسه؛ لأن شيعة العراق – حالهم حال كل شيعة في الأرض – لا يؤمنون بالوطنية كأساس للعقد بين شركاء الوطن، والعقد من جهة واحدة باطل ولا أثر له. وهكذا يكون السني هو الذي يدفع الثمن، والشيعي يحوز السلعة بثمنها.

باختصار شديد .. القائد هو الرجل القادم من المستقبل إلى الحاضر ليذهب بالحاضر اليه، والزعامات الموجودة هي شخوص قادمة من الماضي بمعناه السلبي وليس الإيجابي، قادمة من الماضي إلى الحاضر، لتجر الحاضر السني إلى الماضي بمعناها السيئ.

لا توجد هنالك قيادة تستشرف المستقبل، أو تنتفع بالحاضر، الموجود قيادات متخلفه عن الجمهور، لأن الجمهور وإن كان عاجزاً عن استشراف المستقبل، لكنه قادر على الإنتفاع بالحاضر والتجارب التي يمر به، وهذه الزعامات لا ترى المستقبل، ولا تستشرف الحدث، ولا تنتفع من التجربة، لأنها تفسرها طبقاً لآيدلوجيات مسبقة فاشلة.

ما حكاية الجيش العراقي الحر ؟

أكذوبة إيرانية، ولها أصل أنني دعوت كفكرة على تويتر إلى مشروع مدني ينطلق منه جناح عسكري باسم الجيش السني الحر، فالظاهر أن الإيرانيين تلقفوها وقاموا بتأسيس الجيش العراقي الحر إعلامياً، وروجوا أنني أستلم الأموال من دول خليجية، وزادوا بكذبهم فأصدروا بيانات باسمي ووثقوا فيها بعض الصور المفبركة، ثم استعملوا هذا الاسم وأعني (الجيش العراقي الحر) كبعبع يعتلقون على أساسه الشباب السني.

ما حقيقة فتوى السيستاني لدعم بشار الأسد ؟

فتوى حقيقية ولدينا مصادرنا المؤكدة والموثوقة.

ما الإنعكاسات المتوقعة للثورة السورية على العراق ؟

لا أرى انعاكساً إيجابياً كبيراً أكثر من إثارة الحماس السني، ورفع المنسوب المعنوي. إذا سقط بشار ستتولى الدولة السورية حكومة مرتبطة بمعاهدات وموازنات دولية تمنعها من أي تواصل غير قانوني عبر الحدود، نحن محكومون بحدود. الأمر الآخر سقوط بشار سيزيد من تمسك إيران بالعراق، وكان تصريح نائب وزير الدفاع الإيراني خير شاهد حين قال: سنتدخل عسكريا لإخماد ثورة الأنبار إذا هددت هذه الثورة الحكومة.

وبرأيي، أن أي تدخل عسكري إيراني واضح، معناه ارتكاب إيران حماقة كبيرة لا تغتفر، وسيكون مصير الجيش الإيراني المحتل ليس بأقل من نظيره الجيش الأمريكي، بل سيثير هذا الأمر كل سنة العراق، بما فيهم الكرد، وكل سنة المنطقة، فتكون القاضية لهذا الجيش.

ما قراءتك لمستقبل الثورة السورية بعد انقضاء عامين على إطلاق شرارتها الأولى ؟

الثورة السورية فاقدة لعنصرين مهمين من عناصر نجاح الثورات وقطف ثمارها، الأول الراية والهوية الخاصة التي تمثل الثوار وهي الهوية السنية في بلد فيه هويات أخرى أهمها العلوية والدرزية، وهناك أحزاب اسلاموية فقدت الإسلامية منذ زمن، وهي أحزاب أثبتت تاريخياً أن لها قابلية التعايش مع كل الأعداء وتشارك في قطف الثمرة.

ففي هذه الحالة، حتى لو انتصرت الثورة ستؤول إلى إجراء انتخابات، ومن دون الهوية السنية سيركب العلويين والدرز والاسلامويون الموجة الوطنية وسيقطفون الثمرة عن طريق صندوق الانتخابات المزورة قطعاً، وبذلك فإنه لا خلاص لهم إلا بإعلان الهوية السنية التي تفرض على تلك الجهات حجمهم الطبيعي، وسيكون الحكم بيد السنة.

أما العنصر الثاني فهو الجسم المدني، الذي يمسك الأرض بعد انتصار الثورة، فالجناح العسكري غير قادر على مسك الأرض، والجسم المدني هو الوحيد القادر على تحقيق ذلك وقيادة الجمهور، من خلال التفاعل مع احتياجاته اليومية والاقتصادية والأمنية والدينية والفكرية والسياسية والصحية.

عندها يصبح السؤال الملح : ما العمل بعد إسقاط النظام؟ فالعمل العسكري تنتهي رؤيته عند إسقاط النظام، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوجه قوة السلاح بإتجاه واحد، فإذا اختفى هذا الاتجاه بلا نظام أو رئيس يحكمهم، تبدأ البنادق بالتوجه بعضها لبعض، ولا عاصم لهذا الصراع – بعد الله تعالى – سوى الجسم المدني، والنتيجة الطبيعية وفقا لذلك هو اسقاط رأس النظام وأبقاء الجسم نفسه، ودخول السنه في دوامة جديدة من التهميش والإقصاء، وهذا ما تعمل عليه القوى الغربية بما فيهم روسيا، وأنشأوا لذلك الائتلاف السوري المعارض، والذي يمثل أكبر أداة لسرقة الثورة السورية، ناهيك أن الذي سيمسك الحكم بعد بشار ،سيكون مشغولاً من أعلى رأسه حتى أخمص قدمية بإعادة بناء ما تهدم، هناك تركه كبيرة تحتاج للأموال الطائلة لإعادة الأعمار، إضافة للمعارك التي ستنشأ بين الفرقاء، أخوة الأمس. فماذا سيبقى للعراق وسنته؟

عبرت بأكثر من مره عن غضبك على المنادين بالوطنية فوق الدين هلا فسرت لنا ذلك ؟

هذا يناقض أساس الدين وجوهره، فالدين فوق كل شيء، نحن مع الوطنية والقومية ولكن داخل إطار الدين، ونحن مع كل المفاهيم بمستواها الصحيح ما دامت تحت إطار الدين. علماً أن الوطنية تصلح للتعايش مع كل البشر إلا ذوي العقدة والعقيدة الطائفية الإزاحية. والشيعة على قمة هذا التوجه العقدوي العقائدي الإزاحي؛ لأن وطن الشيعي هي طائفته بحكم هذه الأصول الأربعة: العقدة والعقيدة والمرجعية والولاء لإيران.

هل لديك النية لتأسيس حركة سياسية ؟

طبعاً، الفكر يبدأ بمشروع مدني، والمشروع المدني نهايته مشروع سياسي بجناح عسكري.

ما قراءتك للمستجدات السياسية التي تشهدها الساحة البحرينية منذ العام 2011؟ وبماذا تنصح ؟

لن يستقر الوضع البحريني ما دام تشخيص الحالة غائباً، وما دامت الوطنية أساس الحل.

ما رأيك بالأخوان المسلمين ؟!!

الأخوان الجدد غير القدماء، هذا إذا أردت أن أنصفهم، فالإخوان الجدد علمانيون بامتياز، ولكن بغطاء ديني، وهذا أخطر ما فيهم، ثم أنهم يشبهون الشيعة من حيث أنهم يشكلون وضعاً أشبه بدولة داخل دولة، بسبب ولائهم الشديد لفئتهم، لا يستطيعون الخروج من إطارها.

وهم براغماتيون بامتياز، المصلحة غير المرتبطة بالشريعة هي الأساس بكل تعاملاتهم، مثلاً: المرشد العام السابق محمد مهدي عاكف ادعى أن حكم غير المسلم للمسلمين فيه وجهان في الشريعة الإسلامية، وجه يجيز وآخر يمنع. وهذه دعوة باطلة؛ ليس في الشريعة الإسلامية جواز لولاية الكافر على المسلم (الولاية العظمى). وحتى يغطي على هذه الدعوة قال: ونحن مع الرأي الذي يمنع لكننا نترك الحكم النهائي للشعب. والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى.

________________________________________________________________________________

  1. – الحوار أجري في أواخر يناير/كانون الثاني، ونشر في بدية يونيو/حزيران.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: