التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

وجاء العيد .. رجل قضية أم ( علامة مسجلة ) للإعلان ؟

د. طه حامد الدليمي

ليلة عيد الفطر/1434

8/8/2013 يوم النصر العظيم

يحل علينا هذا العيد في ذكرى يوم 8/8/1988، ذلك اليوم الذي انتصر فيه العراق على إيران، في حرب طاحنة أشعلتها إيران ثماني سنين (من 4/9/1980 إلى 8/8/1988).. فهنيئاً للأمة هذا العيد المبارك، وهنيئاً لها هذه الذكرى العطرة. وللمجوس وشيعتهم أمثالها، ولن يطول العهد بالوعد إن شاء الله جل في علاه.

مرت خمسة أيام على لقائي بحضراتكم على مائدة كان سيدها (صحن الشوربة)، وللحكاية بقية هامش وددت إلحاقه بها في هذه المناسبة.

إخوتي الأعزاء!

رن هاتفي على رقم غريب، قبل أكثر من شهر من ورطتي مع صاحبي العراقي الثرثار الذي دعاني عنده للإفطار عندما كنت في مصر:

– نعم؟

– أين أنت؟ أبحث عنك منذ مدة!

– من أنت حياك الله؟

– أنا فلان الفلاني، أما عرفتني؟! كيف يا رجل!

– العتب على السمع

– أين أنت؟ لا نراك!

– لدي مشاغل كثيرة، وأسافر أحياناً سفراً يطول أسابيع

– ضروري أشوفك، أنت مدعو عندي الجمعة القادمة

وأحكم المتكلم علي قبضته فلم ينفعني أخذ ولا رد حتى تم الاتفاق على الموعد.

أحياناً يعتريني خجل في مثل هذه المواطن فأستجيب على (عضض). وهكذا كان هذه المرة فصرت أقنع نفسي وأقول: لعل نفعاً ما يحصل يضاف إلى رصيد القضية.

عند باب المسجد وبعد انتهاء الصلاة التقيته وهو يهاتف أحدهم، وما إن رآني حتى سمعته – قبل أن أسلم عليه أو حتى أكلمه – يقول لصاحبه الذي يهاتفه: “إلى جنبي د. طه، وهو مدعو عندي اليوم”!

وانعقد المجلس

وانعقد المجلس..! كان الجو حاراً، والمروحة الأرضية الوحيدة لا تكاد تلتفت إلى أحدنا حتى تولي معرضة عنه إلى غيره كأن في وجهه جذاماً، فيظل يدور معها ببصره متى تعطف عليه بنظرة أخرى. ودارت كؤوس الأحاديث فكانت شتى، أكثرها مكرر، وأقلها لا فائدة منه تذكر! وقهقهت الجدر بأصدائها. الكل يريد التحدث، وكان التلفاز يشوش علينا بضوضائه دون اعتراض من أحد، حتى توليت إسكات صوته بنفسي. كانت شاشته مفتوحة على قناة (صفا)؛ فما إن دخلت الشقة حتى بادر مضيفي إلى التلفاز وأدار الموجة على القناة، يبدو أن ذلك جزء من (أتكيت) الضيافة.

كنت أكثرهم صمتاً، وأقلهم حديثاً. لربما تكلمت بكلمات فيقطعها أحدهم قبل إكمال الفكرة. أو يجادلني آخر فيما أقول جدالاً عادة ما يكون بسبب افتقار المجادل إلى مقدمات لم يسمح وضعه بمعرفتها، وربما يعجز عن إدراكها. المشكلة أنه لا يصغي لمن هو أخبر منه بها، وربما قاطعنا ثالث ورابع.

وأنظر فلا أجد للحديث غاية ولا لوجهته نهاية. بل لا وجهة له أصلاً، إنما يجر بعضه بعضاً في تداعيات لها أول وليس لها آخر!

ماذا أصاب الناس؟

فزهدت في الكلام أكثر. وهكذا حتى قرّب المضيف إلينا الغداء، فكان فاخراً وباذخاً ومنوعاً. ذكرني بمصعب ذلك الطفل الصغير ابن الشيخ إياد العزي رحمه الله. سأله أبوه ذات ليلة وقد عادوا من احتفال بمناسبة اختتام دورة قرآنية في مسجد لأهل السنة بكربلاء، كان ضجيجها وعجيجها أكبر منها بعشرات المرات: “بابا مصعب أي شيء أعجبك في الحفل؟” فأجابه بعفوية وبراءة: “المطعم”! قصها عليّ رحمه الله وهو يضحك ويقول: صدق والله! إنها الفقرة الوحيدة الجيدة.

ثم وصلنا إلى فقرة التقاط الصور، معي طبعاً.. هذا يقف عن يميني وذاك يختار له موقفاً أو مجلساً أمامي، وثالث يريد صورة ينفرد بها معي. لم أصدق نفسي وأنا أغادر ذلك المجلس بعد ما يقرب من أربع ساعات كان يمكن أن أستفيد منها في أي شيء. وتنفست الصعداء، “أوف أوف” كأنني أخرج من لجة كدت أختنق فيها!

قلت لقريب لي حضر المجلس: أرأيت؟! هكذا تنقضي أغلب الدعوات. تخرج كما تدخل، وتدخل كما تخرج. كلمات معادة، وحكايات يجترونها، لا يأبهون لفكرة جديدة، ولا يفكرون في نهاية المجلس أن يتفقوا على أية خطوة قادمة. يخيل إليّ أنه لا يعنيهم سوى رؤية الشيخ، وأخذ الصور التذكارية معه؛ ليقول أحدهم: جلست مع فلان، وهو صديقي وصاحبي. ولا شيء بعد ذلك! لذا قررت الإضراب عن هذه الدعوات؛ ضناً بالوقت، وصوناً للنفس، وراحة للأعصاب، وحفظاً للصحة.

يا ناس!

نحن حملة قضية.. لسنا (علامة مسجلة) للإعلان.

وجاء العيد

وجاء العيد وكثر رنين الهاتف، وكثرت معه الدعوات. فلم أجد إلا الاعتذار ملاذاً، وقد ألجأ إلى كهف الصمت مَعاذاً، وأنا أردد مع نفسي: لا عدت لمثلها أبداً.. اللهم إلا اضطراراً؛ فالاقتصار على بضعة أنفار يحملون هم قضية، بل الجلوس مع الأهل والأولاد، أو التمدد على الفراش، لخير مئات بل آلاف المرات من أمثال هؤلاء الذين لا تجد لديهم ما ينفعونك به، ولا يسمحون لك بأن تنفعهم.

وتذكرت كلمات كتبتها قبل أربع سنين تحت عنوان (محنة أصحاب القضية):

  • من أبخس البخس أن يتحول أصحاب القضية، لا سيما بعد موتهم، إلى مشروع تجاري، أو هدف اعتباري، أو علامة مسجلة للإعلان.
  • هل أصحاب القضية أصنام تعبد لذاتها ؟ أم أعلام يقتدى بإشاراتها؟
  • أصحاب القضية لا يريدون مدحك، بل.. قدحك كي تنير، و.. كدحك كي تواصل المسير.

وعيدكم مبارك.. تقبل الله طاعاتكم.. وكل عام ويوم ولحظة وأنتم بخير….. بخير.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: