مقالات

الانحيازية في كتابة التاريخ (5) العقيدة البكداشية والدولة العثمانية

د. طه حامد الدليمي

الدولة العثمانية دولة إسلامية قدمت للمسلمين خدمات جليلة، وحافظت على وجودهم أمام الخطر الصفوي والصليبي قروناً عديدة. وغلب خيرها على شرها ممثلة لآخر تكوين للخلافة الإسلامية. لكن التقييم الشمولي لا يلزم منه أن نمدح كل ما كانت عليه من عقائد وشرائع وأوضاع، أو نذمه بإطلاق؛ فمستحقات الحقيقة والإنصاف تفرض علينا أن نذكر الأشياء كما هي، ثم نخلص إلى النتيجة التي هي المحصلة الجمعية لعناصر الإيجاب والسلب. والعقيدة البكداشية خليط صوفي شيعي كانت عقيدة مؤسسي الدولة فمن بعدهم، ولم تكن العقيدة العثمانية كما يصفها الأستاذ الفاضل د. على محمد الصلابي بأنها عقيدة سليمة مبنية على الكتاب والسنة.

ففي السياق التبريري نفسه يقدم لنا د. علي الصلابي (ص45) تفسيراً تبريرياً لنشأة الجيش الإنكشاري. فكالعادة لدى الأمراء العثمانيين سارع أورخان – بعد أن انتهى من تنظيم هذا الجيش – إلى حيث يقيم (العالم المؤمن التقي الحاج بكتاش… وطلب منه أن يدعو لهم خيراً، فتلقاهم العالم المؤمن خير لقاء ووضع يده على رأس أحد الجنود، ودعا لهم الله أن يبيض وجوههم… وكانت راية الجيش الجديد من قماش أحمر وسطها هلال، وتحت الهلال صورة لسيف أطلقوا عليها اسم “ذي الفقار” تيمناً بسيف الإمام علي رضي الله عنه). ويعلق الصلابي على ذلك بقوله: (لقد كان علاء الدين بن عثمان أخو أورخان صاحب الفكرة، وكان عالماً في الشريعة ومشهوراً بالزهد والتصوف الصحيح).

العقيدة البكداشية

لا أظن د. الصلابي تخفى عليه حقيقة العقيدة البكداشية (أو البكتاشية) التي كان يدين بها بكداش والجيش الانكشاري. ويستطيع القارئ أن يستشف تلك العقيدة الصوفية القريبة من التشيع من طرز العَـلَم (سيف ذي الفقار)، تلك العقيدة التي كانت الأصل الذي تخرجت به الفرقة الصفوية وشيعت عليه إيران بالقوة قبل خمسة قرون!

البكتاشية التي يصفها الصلابي بـ(التصوف الصحيح) طريقة تركية أسسها الشيخ محمد بن إبراهيم أتا الشهير بالحاج بكتاش (ت 1336م)، وهي خليط من العقائد الصوفية والشيعية الغالية بما فيها من عقيدة وحدة الوجود، وتقديس علي بن أبي طالب التي يعتقد معتنقوها أن أصولها انحدرت منه عن طريق أولاده وأحفاده إلى أن وصلت إلى الحاج بكداش فمن بعده من الشيوخ. وفيها من تقديس الأولياء والقبور والبدع الغليظة ما فيها. وقد وضع الحاج بكداش كتاباً سماه (مقالات) اتبع فيه فكرة الإثني عشرية والتولي والتبرئة، وهي من مصطلحات الشيعة. واتخذ لذلك تكايا انتشرت في جميع أنحاء تركيا وتجاوزتها إلى البلاد التي فتحت من بعد مثل بلدان البلقان وغيرها. وعن طريق أورخان توثقت العرى بين الطريقة البكداشية وأقوى جيش في تركيا حينها، بل وفي السلطة العثمانية، وهي الإنكشارية التي أطلق الحاج بكداش هذا الاسم عليها يوم جاءه السلطان أورخان بالفرقة الأولى من الجيش ليباركها. وكانت التكايا البكداشية المنتشرة في أرجاء السلطة العثمانية موئلاً للإنكشارية، وكان لكل ثكنة عسكرية إنكشارية مرشد بكداشي، كما أقيمت تكية بكداشية قرب كل معسكر للإنكشارية، وبذلك تسلطت البكداشية على الإنكشارية، وعلى المجتمع التركي تسلطاً تاماً. ويستطيع أي راغب أن يبحث في شبكة المعلومات عن الحاج بكداش والبكداشية ويطلع على ما فيها من بلاوي وطامات.

قطعاً ليس هذا (تصوفاً صحيحاً)، بل هو تصوف وتشيع غالٍ منحرف شديد الانحراف.

لقد كان الدكتور علي الصلابي مندفعاً بكل ما في قلبه من حب لدولة العثمانيين – ونحن معه في حبها فهي آخر حلقة في سلسلة الخلافة الإسلامية – لكنه تجاوز الحد حين راح – بدافع هذا الحب الذي يذكيه التحدي للطاعنين من المستشرقين والقوميين والعلمانيين– يرسم لتلك الدولة صورة زاهية أجمل من القمر ليلة البدر! وما هكذا يكون منهج كاتب التاريخ. فالتاريخ محكمة، والمؤرخ قاض يحكم حسب الأدلة دون اعتبار لحب أو بغض، وقرب أو بعد، وإسلام أو كفر.

انظر إليه (ص23) كيف انطلق من عبارة في وصية عثمان لولده أورخان: (يا بني، إياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين) وتوسع فيها من عنده توسعاً متكلفاً ليعطي صورة التوحيد الخالص والاتباع الصائب على أنها طابع الدولة العثمانية طيلة عصورها، فيقول: (وهذا التوجيه من عثمان لابنه كفرد وكرئيس لدولة وفي طياته معنى كون العبادة لها أصلان: أحدهما: أن لا يعبد إلا الله، والثاني: أن يعبد بما أمر وشرع. فإنه مما لا شك فيه كانت الدولة العثمانية حريصة على حماية هذين الأصلين بمحاربة الشرك في داخلها، وعملت على تقليص نفوذه خارجها، وكانت حريصة على حماية الشرع ضد من يعاود الاعتداء عليه بابتداع أو تحريف أو تغيير أو تبديل… وعلى حماية الدين من دخائل وانتحالات المضلين، وبهذا تكون دولة بني عثمان أخذت الصبغة الشرعية. لقد كانت نشأتها إسلامية، خالصة، مشبوبة بإيمان عميق، متوجهة إلى أهداف عقائدية). لا يستقيم هذا مع رعاية العثمانيين للبكداشيين ونشرهم لهذه الفرقة الصوفية الشيعية الضالة. ولا يتسق أصل التوحيد (لا يعبد إلا الله) والاتباع (أن يعبد بما أمر وشرع) مع هذه الطرق الغاصة بالشرك وبالبدع، والتي كانت أساساً لنشوء العقيدة الصفوية التي قامت عليها الدولة الصفوية الشيعية في إيران قبل خمسمئة عام وإليها ينتمي العلويون في تركيا!

أن هذا نوع من التفكير يسمى في (علم النفس) بـ(التفكير الارتغابي thinking Wishful). وهو تفكير توجهه الرغبات لا الوقائع. نكوصي بدائي يجعل الشخص يميل إلى تصديق ما يحب، وإنكار ما يكره واعتباره باطلاً. وهو نقيض (التفكير الواقعي Realistic thinking) الذي يبذل جهداً في معرفة الوقائع، وإخضاع العقائد والقناعات إلى نتائجها. فكأني بالمؤلف يرغب في أن تكون الدولة العثمانية نموذجاً مثالياً في العقيدة والشريعة والسلوك والشعائر؛ فقادته هذه الرغبة إلى أن يصورها كما يرغب لا كما هي عليه في واقع الأمر. ولما لم تسعفه الوقائع راح يستنطق الوصايا والأدعية والمنامات، ويحملها ما لا تطيق. لقد أطنب د. الصلابي في مدح الجيش الذي فتح القسطنطينية وأضفى عليه من نعوت الإيمان والتمسك بالعقيدة السليمة والالتزام بالشرع وأداء العبادات وإقامة الشعائر، واستغرق ذلك منه بضع صفحات (ص127-133). لا بأس في أن تمدح مثل هذا الجيش، وهو يستحق المدح، لكن لا إلى الدرجة التي كأنك تنظر فيها إلى جيش الرسول يوم فتح مكة!

الدولة العثمانية كان لها دورها وإنجازاتها، وإنما أتكلم هنا عن عقيدتها حصراً. وهي – في حقيقتها – خليط غير متجانس من التوحيد والأشعرية والاعتزال والتشيع بشقيه الغالي والمعتدل والتصوف بشقيه أيضاً، وشعائرهم مشوبة بالبدع والدروشة والطرق الصوفية وضرب الشيش والحراب والدفوف والتكايا وما شابه ذلك. وليس كما وصف الكاتب الكريم د. علي الصلابي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: