مقالات

الوالدة العزيزة في ذكرى وفاتها

د. طه حامد الدليمي

ما بين يوم وفاة والدتي – رحمها الله تعالى – وهذا اليوم سبع وثلاثون سنة!

هه سبع وثلاثون سنة!

C:\Users\Dr.T\Desktop\sssss.jpg

كيف مرت؟ كيف قطعتها؟ كم من الأحداث والتقلبات؟ الآمال والآلام؟ الأفراح والأتراح؟ الكوارث والصواعق اجتزتها وما زلت أواصل المسير؟ لا أدري. لكن الذي أدريه هو أنني لو خيرت بين أن أستمر في حياتي حتى نهايتها، وبين أن أعود إلى تلك الأيام ليعاد عليّ الشريط نفسه.. لما اخترت – والله – سوى الاستمرار حتى النهاية؛ هل يمكن لعاقل أن يتقبل تلك الحياة مرة ثانية! ولولا الإيمان لقلت: ما الحياة سوى مهزلة مأساوية، مجنون من كان بيده الخيار فاختارها.

لكن دعوني قليلاً أعيش هذه اللحظات مع والدتي في محراب ذكراها.

مما يشيع في نفسي السعادة وأنا أستعيد ذكريات تلك الأيام الخوالي أن علاقتي مع أمي كانت علاقة راقية، تميزت لا على صعيد العلاقات الطبيعية التي يكون عليها لداتي مع أمهاتهم، إنما كانت متميزة حتى على مستوى الأسرة الصغيرة: أخي نوري وأختي نورية اللذين يكبرانني بشوط تراوح بين تسع سنين وسبع، وأخي علي الذي يصغرني بثلاث. ومما تميزت به تلك العلاقة الراقية أنني كنت لها الابن والبنت في وقت واحد.

لم يكن لها بنت تخدمها، سوى تلك البنت الوحيدة وتزوجت منذ سنين؛ فكنت أنا الذي أقوم معها بدور البنت. أجمع الحطب، وأشعل النار في الموقد المحفور في الأرض في حوش الدار المفتوح في الريف، أو المعد في الحجرة بحيث يخرج دخانه إلى الفضاء من خلال بناء أسطواني في إحدى زواياها نسميه (المفتول)، تؤدي إليه فتحة صغيرة في تلك الزاوية. كانت والدتي تهيئ لي الطبخة، ثم آخذها منها لأتولى طبخها؛ فقد كانت لا تقوى على ذلك لمرضها. أما الشاي فكنت أجيد (تخديره) إجادة تامة، اشتهرت في محيطنا الصغير؛ فكان البعض إذا رق مزاجه، وأعجبه يوماً أن يشرب شاياً لذيذاً بلا منغصات، أرسل إليّ.

ويوم اشترينا بقرة، ومعها عجل صغير، وأضفنا إليهما بضعة خراف، كنت أنا الذي أقوم على شأنهن جميعاً. أحش الحشيش، أتتبع أعشاب الحقول الزائدة، وأطراف السواقي، فلم يكن لنا أرض خاصة يمكن زرعها بالجت أو البرسيم. وأجلبه على ظهري إلى حوش الدار. وأعلف الطليان التبن والشعير. رآني أحد الجيران مرة في الحقل أحش الحشيش، فقال مازحاً، وكان بيني وبينه مسافة ويفصل بيننا نهر: “ها ! صاير حاشوشة؟!” على اعتبار أن هذا العمل لا يقوم به سوى النساء. فأجبته مباشرة: “الما عنده غلام، هو غلام نفسه”. ومضى ولم يرد عليّ. وبعد أيام التقت والدته والدتي لتنقل لها إعجابه بجوابي. قال لها: “لقد أسكتني بقوله هذا! من أين جاء هذا الغلام الصغير بهذا الجواب الكبير؟!”. لا يدري أنني سمعت هذا من والدتي تقوله لي كلما ترددت أو تمنعت، فكانت تشجعني وتقول: “يا بني! الما عنده غلام، هو غلام نفسه”. وكنت – مع ذلك – أزرع حقلاً صغيراً من الطماطة وغيرها من الخضروات.

أسعد أيام العمر

ومع الوالدة العزيزة قضيت هناك أسعد الأيام، وأعزها على قلبي. كانت تغمرنا بالمحبة، وتفيض علينا من العطف والحنان.. بل كان عطفها وحنانها يتعدى إلى جميع الأقارب والمعارف. وتذكرهم وتزورهم، رغم مرضها المزمن، الذي كان كثيراً ما يقعدها عن المشي، ويلزمها الفراش.

عابدة كانت، متدينة.. تصوم – حين كانت شابة – الأشهر الثلاثة: رجب وشعبان ورمضان. وتقوم الليل. شجية الصوت حين تتلو آيات القرآن. تجيد القراءة إجادة تامة، رغم أنها لم تدخل مدرسة، ولم تتعلم على يد معلم! أما كيف؟ فتلك قصة طريفة..! أترك للوالدة روايتها:

“كان في منطقتنا (مُلا)، يكسب قوته من رعي الغنم. فطلب أخي إبراهيم من أبي أن يستأجره لرعي غنمهم، عساه أن يتعلم على يديه قراءة القرآن. فاستجاب أبي لطلبه. كان هذا في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي. فكان ذلك الراعي يعطي إبراهيم درساً كل يوم في كيفية القراءة. وكنت أجد في نفسي دافعاً قوياً للتعلم، لكن كيف؟ وأنا شابة في مقتبل العمر، لا يليق بي أن أجالس الرجال. ليس هذا فحسب، بل كان العرف الاجتماعي يستعيب أن تتعلم امرأة القراءة والكتابة! لا سيما إذا كانت شابة. فما العمل؟ واهتديت إلى طريقة مناسبة، وإن كانت غريبة! اتفقت مع أختي الصغيرة “بهية” أن تجلس عندهم، لتحفظ الدرس، ثم تأتي إلي وتلقيه عليّ؛ وبهذه الطريقة تعلمت القراءة”!

هل سمعت بمثل هذا؟!

الغريب أن خالتي “بهية” – معلمة والدتي – لم تتعلم هي شيئاً، وعاشت عمرها أمية لا تحسن قراءة القرآن، ولا غيره! وظلت كمثيلاتها من بنات أو نساء ذلك الجيل. لم أسمع أن واحدة منهن في قرى المحمودية كلها وما جاورها كانت تعرف القراءة قط!

الدروس الأولى

تعلمت من الوالدة – رحمها الله – الصدق والأمانة والنظافة والديانة.

كانت مضرب المثل في نظافة البيت، والكرم وطيب الطعام. كما تعلمت منها النزاهة، والابتعاد عن أكل الحرام. لا زلت أذكر يوماً كنت فيه معها، وأنا لا أتجاوز السنة الثالثة من العمر، في سوق المحمودية. أمشي وراءها، أو تمسك بي بيدها. كان نظري معلقاً بالتفاح اللبناني الأحمر. لا أذكر أن أهلنا اشتروا لنا منه شيئاً في يوم من الأيام. وامتدت يدي الصغيرة إلى واحدة من ذلك الكوم الموضوع في عربة يدوية. ولعل أحداً لم ينتبه لها لصغري. وحين خرجنا من السوق، ووصلنا إلى نهايته من الجهة الجنوبية، أريت والدتي صيدي الثمين! فأنكرت عليّ ذلك أيما إنكار. ثم رجعت بي إلى وسط السوق وهي تسألني: من أين أخذت التفاحة؟ حتى دللتها على المكان، فأرجعتها إلى البائع، وهي تعتذر إليه.

لم تمنعنا من أكل الحرام فحسب، بل علمتنا الابتعاد عن الشبهة إلى أبعد الحدود. أذكر مرة – بعد هذا الموقف بأربع سنين – وكنت ألعب في بيت قريب منا في حي اليرموك، يبنى حديثاً لم يكتمل بعد. كان الوقت عصراً. حين عثرت على ورقة نقدية جديدة كل الجدة من فئة نصف الدينار. وأخذتها وأنا أكاد أطير من الفرح! كان مبلغاً كبيراً بالنسبة لي، خصوصاً في ذلك الوقت (صيف سنة 1967). كان يكفي أجرة يومية لعامل البناء. وهرولت إلى أمي! وجدتها تصلي، فصرت أدور حولها أركض وأشير لها بالورقة ضاحكاً مسروراً. وانتهت من صلاتها لتعرف جلية الأمر. أخذت الورقة مني. ثم ذهبت في الصباح إلى البيت الذي عثرت فيه عليها، تسألهم: هل من أحد أضاع مبلغاً من المال؟ وظلت لأيام ثلاثة تتردد عليهم تسألهم، فلم يجبها منهم أحد. وأنا أتلهف متى أحصل على الفلوس؟ لم تعطني شيئاً منها. بل اغتنمت الفرصة لتذهب زائرة إلى خالتي الأرملة، وتشتري لأولادها اليتامى بنصف الدينار ذاك قطع قماش، ولم أحصل إلا على خمسة وعشرين فلساً منه شربت بها قنينة بيبسي. وأضاعت عليّ مبلغاً كان يمكن أن أعيش به أياماً كثيرةً عيشة أولاد الأغنياء. ولكن.. تعلمت منه درساً.

C:\Users\DR\Desktop\Untitled.jpg

في يوم الوفاة

واستمرت بنا الحياة حتى تخرجت من الثانوية، فكنت الأول على مدارس قضاء المحمودية. ودخلت كلية الطب في جامعة بغداد وكنت فرحاً؛ ها هو حلم والدتي الذي داعب أجفانها سنين وسنين في طريقه إلى التحقيق. كانت تعلق صدريتي البيضاء على الحائط الطيني أمام عينيها وهي راقدة على فراش المرض وتبشر من جاء يعودها: “طه راح يصير طبيب!”، وتشير إلى الصدرية.

بعد أيام جاءني إلى الكلية أخي الشيخ ليكفلني، وهو إجراء لا بد منه لكل طالب يتعهد فيه – بواسطة كفيل – أن يخدم في مستشفيات الدولة مدة من الزمن بعد تخرجه. ما زلت أذكر ابتسامته وهو يراني بلحمي وشحمي طالباً في كلية الطب! وبعد الانتهاء من الإجراءات الرسمية ودعني ومضى. وفي المساء جاءني – وكنت في بيت والدي في المدينة – ليخبرني أن والدتي في النزع وعليّ الإسراع قبل أن تفارق الحياة! أدركتها فوضعت رأسها في حجري على صدري، لكنها كانت في السكرة الأخيرة، ولا أظنها أحست بي، ثم بعد قليل ودعتنا الوداع الأخير.

كان ذلك في يوم الأحد 11/11/1979.

كنت قبل يومين عندها، جلست بجوارها.. كانت تكلمني ببطء وهي مغمضة العينين. كنت أحمل في جيبي حبيبات حمص، وضعت في فمها واحدة. سألتني عن دراستي، ثم كانت آخر كلمة سمعتها منها: “الله يساعدك”.

أظنها – رحمها الله – لو عاشت لخيبت ظنها في أن أتخصص بعد تخرجي في الفرع الذي يعالج مرضها، بل ولا في أي فرع آخر. وحقاً لقد استجاب الله تعالى دعاءها المختصر في كلمتين “الله يساعدك” فقط، فأعانني إعانة لم أكن لأحلم بها، لكن في حقل آخر من حقول الحياة، تجنى ثمارها لا في سلة من سلال الأرض وإنما في أُخرى من سلال السماء.

11/11/2016

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى