مقالاتمقالات أخرى

موقف الخليفة العباسي الناصر لدين الله من المغول بين الحقيقة والاتهام

أ. العنود الهلالي

استطاع أن يوحد الجبهة الداخلية للمجتمع بعد زمن طويل من الإنحلال والتفكك والإنقسام، وأن يعيد لمنصب الخلافة مكانته؛ فقام بكف يد الحاشية والمماليك عن التدخل في شؤون الحكم وولاية العهد التي كانت تحت تصرفهم حيث كانوا يختارون الخليفة الأضعف من أولاد الخلفاء لينصب خليفة، أو يتحالفون مع من يضمن لهم النفوذ والسلطان. هذا على الصعيد الداخلي أما على الصعيد الخارجي فقد استكمل جهود سلفه في استقلال الخلافة العباسية والتخلص من النفوذ الأجنبي الذي جثم على قلب بغداد منذ دخول البويهيين في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي وحتى خروج السلاجقة أواخر القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. أنه الخليفة العباسي الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بأمر الله الذي شهد في عهده العراق تقدما ملحوظاً في مجال الزراعة، والصناعة، ونشطت مع هذا التقدم والاستقرار التجارة؛ فكان عهده عهد رخاء ونعمة انخفضت فيه الأسعار فأتت السلع والبضائع إلى بغداد من أقاصي الصين والهند.

لقد كانت خلافة الناصر لدين الله ( ٥٧٥ – ٦٢٢هـ) محاولة جادة للنهوض بدولة الخلافة بعد أن تضعضع بناؤها .

بذل خلال سني حكمه جهودا واضحة واتبع سياسات مختلفة منحت الحكم استقرارا نسبيا. فاستحق بذلك لقب أسد بني العباس الذي حازت جهوده على إعجاب وثناء أغلب مؤرخي عصره.

لكن هذه الإنجازات العظيمة التي تمت في عهده نُسفت بسطر واحد في أحد أهم دواوين التاريخ. فقد اورد ابن الاثير في كتابه الكامل في التاريخ : أن الخليفة العباسي الناصر لدين الله هو الذي أطمع التتر (المغول) في بلاد الإسلام وراسلهم في ذلك فقال : (وإن كان ما ينسبه العجم إليه صحيحا من أنه هو الذي أطمع التتار في البلاد وراسلهم فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم).[1] فهل أصاب ابن الأثير في إيراد هذه التهمة التي اتهم بها الناصر لدين الله؟

وهل يعقل أن هذا الخليفة الذي يصفه مؤرخي عصره بالحنكة والدهاء يقوم بعمل أخرق كهذا ، ثم ما مصدر هذه التهمة التي أوردها ابن الأثير، ولماذا شاعت وراجت بين المؤرخين المتأخرين، فأصبحت من ضمن تاريخ تلك المرحلة؟!

موقف الناصر لدين الله من المغول

أولا وقبل النظر في المصادر المعاصرة والقريبة من فترة خلافة الناصر لدين الله؛ دعونا نلقي نظرة سريعة على موقف هذا الخليفة من المغول:

تذكر المصادر التاريخية – ومنها الكامل لابن الأثير- أنه عندما وصلت الأخبار إلى بغداد بتقدم المغول نحو إربل، كتب الخليفة الناصر لدين الله إلى صاحب الموصل وصاحب إربل يأمرهما بالاجتماع مع عسكر الخلافة في دقوقا، فلما علم جيش المغول باجتماع جيوشهم، رجعوا عن متابعة مسيرهم.

أما الأمر الثاني فهو يتعلق بالمصادر المعاصرة للحدث؛ فالمؤرخين المعاصرين وعلى رأسهم النسوي (647هـ/1249م) مؤرخ الدولة الخوارزمية لم يورد هذه الرواية وهو واضع سيرة جلال الدين منكبرتي – الذي ينقل عنه ابن الاثير اتهام الخليفة – وكذلك بقية المصادر القريبة من الحدث كـابن الدبيثي (636هـ) وابن النجار (643هـ) وأبو شامة (665هـ) وابن شداد (632هـ) وكذلك ابن الساعي (674هـ) هؤلاء كلهم على اختلاف توجهاتهم لم يذكروا هذه التهمة في تواريخهم….!!

أما الأمر الثالث فهو يتعلق بابن الاثير نفسه؛ فالمؤرخ ما هو إلا نتاج المجتمع الذي يعيش فيه كما يقول إدوارد كار. لذا لا يمكن عند قراءة خبر خطير كهذا أن نُغفل تأثر ابن الأثير بالمواقف السياسية والتوتر الذي كان بين الخليفة الناصر لدين الله وأمراء الموصل الذين كانوا على علاقة طيبة مع عائلة ابن الأثير فقد كان أبوه متنفذا في بلاط أمراء الموصل، وحصل على عدة مناصب منها نائب قلعة الموصل وكذلك إخوته. وابن الأثير نفسه كان ذو حظوة عند هؤلاء الأمراء يدخل عليهم متى شاء! والمؤرخ مهما كان حريصا في كتابته للأحداث فإنه لا يمكن أن يتجرد من انتمائه السياسي أو الفكري وأن تأثير خلفياته الفكرية على ما يكتبه أمر أكيد لا يمكن تجاهله.

الآن وقد علمنا بطلان هذه التهمة ومصدر نشأتها، لننظر كيف شاعت في المصادر المتأخرة؟

بعد أن أوردها ابن الاثير في تاريخه الكامل جاء من بعده من المؤرخين الذين بينهم وبين الحدث أكثر من قرن من الزمان؛ فنقلوها حرفيا كما جاءت في تاريخ ابن الأثير! فعل ذلك كل من أبو الفداء والغساني، أما ابن الوردي فقد اوردها مشككا بها، وكذلك ابن خلدون. بينما المقريزي الذي جاء بعد قرنين من الزمان فقد أوردها مؤكدا الحادثة وكأنه شهدها فقال في كتابه السلوك لمعرفة دول الملوك: (وفي خلافة – الناصر لدين الله – ضرب التتر بلاد المشرق حتى وصلوا إلى همذان، وكان هو السبب في ذلك، فإنه كتب إليهم بالعبور إلى البلاد خوفا من السلطان علاء الدين محمد بن خوارزم شاه)!

وعنهم نقلها عباس العزاوي في كتابه العراق بين احتلالين، وحافظ حمدي في كتابه الدولة الخوارزمية الذي اعتمد فيه على آراء المستشرقين الذين أيدوا هذه التهمة تبعا لابن الأثير!!

إذن بفضل النقل الحرفي للأخبار دون تمحيص وتدقيق بسبب الثقة الزائدة بالمؤرخ الذي دوّن الخبر، تحولت تهمة كهذه إلى حقيقة مسلمة يرددها من شاء كما يشاء، حتى أن الشيعة ومؤرخوهم المحدثين يتبجحون بها ويزعمون أن الطوسي وابن العلقمي براء من تهمة الخيانة؛ وأن الخليفة الناصر هو من أطمع المغول في دولة الخلافة نقلا – كما يقولون – عن مصادرنا السنية!!

لقد نجح الخليفة العباسي الناصر لدين الله في إنهاء التسلط الاجنبي على دولة الخلافة، وأعاد لها سلطتها وهيبتها في نفوس المسلمين بعد أن كانت تعاني من الأخطار على المستويين الخارجي والداخلي، أما دعوى مراسلته للمغول فليس إلا محض افتراء لا تنسجم مع شخصيته التي اتسمت بالشجاعة والدهاء والعقل الرصين، ولا مع سياسته القائمة على تخليص دولة الخلافة من سلطة الاجانب ..!


[1] ابن الاثير، الكامل في التاريخ، ج12، ص 440

اظهر المزيد

‫13 تعليقات

  1. قد يكون مظلوما بخصوص اتهامه بدعوة المغول كما تفضلتم، ولكن ابن كثير ذكر في البداية والنهاية أنه كان ظالما، وذكرت عدة مصادر أنه كان يتشيع، وأيضا لم يقم بأي دور، لا من قريب ولا من بعيد في جهاد الصليبيين بالشام، ولم يقدم أي نوع من الدعم لصلاح الدين رحمه الله، فأين هيبة الخلافة إذن كما ذكرتم؟!

    1. لم أرد أن يطول المقال ويتشعب في الرد على كل التهم التي طالت سيرته.. وقصرته على تهمة تعاونه مع المغول لشيوعها في المصادر المتأخرة ..
      لكن بما أنك تطرقت لهذه التهم فإليك البيان من مصادر عاصرت ذلك العهد:
      أما القول بأنه كان ظالما فهي تهمة لا تصمد أمام البحث؛ فهذا الايوبي صاحب كتاب مضمار الحقائق وهذا مصدر معاصر لخلافة الناصر ..يقول “وَكَانَ النَّاس يسمون أَيَّامه العيسوبية لذهاب مَا كَانُوا فِيهِ من شدَّة الْقَحْط” .. أما الرحالة ابن جبير الاندلسي الذي دخل بغداد 580 هـ فقال عن الناصر ” يحب الظهور للعامة ويؤثر التحبب لهم وهو ميمون النقيبة عندهم قد استسعدوا بأيامه رخاء وعدلا وطيب عيش فالكبير والصغير منهم داع له” وقال عنه ابن الكازروني وهو ايضا معاصر للناصر”جمع الله شمل الاسلام والمسلمين ببره وجوده ثم انه عمر المساجد والمشاهد..” .. وهذا غيض من فيض .. أما أنه لم يقم بأي دور لتحرير بيت المقدس فقد جانبك الصواب .. فقد جهز جيشه لانقاذ ودعم صلاح الدين من حملة ريتشارد قلب الاسد الصليبية إلا أن أمراء صلاح الدين اجبروا صلاح الدين على عقد هدنة مع الفرنجة لئلا يجيء جيش الناصر ويكون الحكم له في بلاد الشام .. ومع ذلك فقد كان صلاح الدين يتلقى منه الدعم بأنواعه ، فقد كان يرسل إليه بالنفط المستخدم في حصار المدن والمتطوعين.فكان هناك تنسيق فيما بينهما ولولا الاطالة لأوردت عدد من النصوص وأما اتهامه بالتشيع فليس إلا ظنا وتدليسا من بعض المؤرخين لأنها كان قد استطاع بحنكته وسياسته ودهائه السياسي أن يطفئ الفتنة التي اشتعلت في المجتمع منذ دخول البويهيين بغداد وكان لسياسته وحسن تدبيره ابلغ الاثر في استتباب الامن وتوقفت الطائفية التي طالت آثارها كل شيء. واستطاع كذلك كف شر الاسماعلية التي كانت تشكل خطرا في الشرق ولذا يزعم البعض انه متشيع !! … ان سيرة الناصر لدين الله طالها الكثير من التشويه واللمز لأنه استطاع انهاء التسلط الاعجمي على بغداد واسترد الكثير من اراضي الخلافة وترسيخ الامن وضبط الولاة والوزراء وكف ايديهم عن مال الدولة واضطهاد الناس ..

  2. لقد نجح الخليفة العباسي الناصر لدين الله في إنهاء التسلط الاجنبي على دولة الخلافة، وأعاد لها سلطتها وهيبتها في نفوس المسلمين بعد أن كانت تعاني من الأخطار على المستويين الخارجي والداخلي، أما دعوى مراسلته للمغول فليس إلا محض افتراء لا تنسجم مع شخصيته التي اتسمت بالشجاعة والدهاء والعقل الرصين، ولا مع سياسته القائمة على تخليص دولة الخلافة من سلطة الاجانب ..!

    زبدة القول???? وهذا يكفينا

  3. كل من كان له جهود واعمال لخدمة الدولة العربية من خلفاء ووزراء وولاة تجد أن يد الشعوبية تمتد لسيرته بالتشويه والتزوير
    والناصر لدين الله العباسي انهى التسلط الاعجمي والنفوذ الخارجي على يد الخلافة وكف يد الموالي لذا لا بد أن تشوه سيرته بكل عيب وخطيئة ..

  4. الحقيقة هذا الخليفة سيرته الحقيقية محمودة ومن تصفح كتب التاريخ جيدا سيجد أنه يلقب بأسد بني العباس لسداد حكمه وقوة سياسته ..

  5. احسنتي النشر ولمقال ماخابه في الوصول من بحث في الجذور،
    صدام… المقومات…. في زماننا خونها
    وهم من روجه للمحتل

  6. احسنت اختنا العنود… بارك الله بجهودك.. انتِ ومن على شاكلتك تضيؤون الصفحات التي اظلمت بقصد في كتب التاريخ.. لقد سلطوا الضوء على ما يخدمهم وتركوا الصفحات التي تخدمنا معتمه… حان الوقت لرفع الستار ورؤية المشهد على حقيقته…

  7. هذه صياغة الفرس الدائمة ومن سارة معهم تزوير التاريخ وقلب الحقائق ضد العرب والمسلمين ابن العلقمي هو الذي أتى بالتتر إلى بغداد والتاريخ يعيد نفسه واليوم إيران هي التي أتت بأمريكا إلى العراق.

  8. أصبحت لدينا قاعدة ثابتة عن الفرس وتزويرهم للحقائق أن كُل قائد عربي يقف في وجوههم
    ويصد مشاريعهم في بلادنا السُنية العربية
    تشوه سيرته الذاتية ويطعن فيه في بطون كتبنا
    التاريخية المعتمده حتى تثبت جريمته وتصدقها الأجيال القادمة… جزاك الله خير استاذه عنود
    في تصحيح التاريخ وكشف هذه الحقائق

  9. جزاك الله خيراً أختنا الفاضلة فقد أجدت ونفعت في مقالك، وهو جهد تشكرين عليه يأتي ضمن جهود صناعة الثقافة السنية التي تدقق بكل صغيرة وكبيرة ترد في تاريخنا.
    فالفلتر السني يجب أن يكون حاضراً في العقل السني كي لا يتحول لإسفنجة يمتص كل شيء.

  10. الله يرضى عليكِ استاذة عنود على هذا الجهد في تنقية التاريخ وتحقيقه.. ورضي الله عن الناصر لدين الله العباسي على نصرته لدين الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى